واقع السينما المستقلة في سوريا

ريبورتاج بقلم كفاح زيني

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

إن حالة سيطرة جهة واحدة على الإنتاج السينمائي في سوريا صبغت السينما السورية بأسماء معينة على صعيد الإخراج أو النص أو المؤدين. وبغياب وجود شركات كبرى لإنتاج السينما، يبقى تحقيق عمل سينمائي بعيداً عن العلاقات الشخصية أمراً صعباً، ليبقى أمل أي مجرب شاب في مجال السينما هو التمويل الشخصي، وهذا يفرض صبغة الأفلام القصيرة على الأفلام السورية الشابة أو المستقلة نتيجة ضعف الموارد المادية، إضافة إلى أن المستوى التقني يبقى عند حدود معينة . يعرض هذا المقال لتجارب عدد من المخرجين السوريين الشباب مثل يزيد السيد، لين عيسى، أسامة محمد، علي ياغي، ونبراس اسكندر. من خلال هذه الأمثلة تبدو التجارب المستقلة متباينةً لحد كبير من خلال الأسلوب التقني وكذلك على صعيد الفكرة. هذا التباين يلغي القدرة على الحديث عن خصائص تيار واضحة، إلا أنه لا يمكن بأي حال الوقوف سلباً حيال هذه التجارب. ففي ثنائية الرغبة/الموهبة تبقى الرغبة العامل الحاسم لبروز الإبداع، وجميع المجربين السينمائيين المستقلين في سوريا لديهم رغبة بالحد الأدنى. هذه الرغبة هي حالة شغف من الممكن استثمارها بدرجة كبيرة.

إذا قرر أحدهم تأليف مسرحية، فإنه سيقف أمام خمسة آلاف عام من عمر الكتابة كأداة اتصال، وأمام 2500 عام من عمر المسرح، هذه الفترة الزمنية الطويلة لعمر الأداة الفنية أكسبتها ماهية محددة، وربما يمكن النظر لتطورها ضمن سياق واضح منطقي وضمن تيارات بارزة، كذلك الموضوع ينطبق على الرسم أو الموسيقى، أما بالنسبة للسينما فنحن أمام فن لم يتجاوز المائة عام بكثير.

فقد نشأت السينما في فترة زمنية متخمة بالنظريات الفنية، مما أكسبها حالة تجريبية منذ البداية، حيث أنها منذ نشأتها لم تحوي قواعد محددة، بل كانت تعيش ضمن متوالية دائمة لكسر القواعد. فالفيلم التجريبي Man with a Movie Camera، لـ دزيجا فيتروف الذي ظهر عام 1929، ربما يرتبط بنظريات سينمائية معاصرة تبناها تاركوفسكي، كذلك لا يمكن تحديد فترة زمنية معينة لانتشار السينما الشعرية. وأيضاً فإن الواقعية الجديدة لم تقتصر على الفترة الفاشية، وربما أقصى الحالات التجريبية السوريالية والدادائية ظهرت في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينيات من القرن العشرين، أي في الفترة المبكرة من عمر السينما. من هنا يمكن الجزم بعدم تحديد مراحل تاريخية لتطور النظريات السينمائية، كذلك فإن اللغة السينمائية هي لغة عالمية باعتمادها الصورة، هذه الخاصيِّة أسست لعبور أي فيلم ثقافة محددة واكتسابه حالة إنسانية شاملة، وحتى الأفلام المشبعة بالثقافة الوطنية استطاعت العبور إلى العالم، كما حدث مع "ثلاثية آبو" الفيلم الهندي، أو فيلم "ايكيرو" لـ كيريساوا، حيث أن الثقافة الوطنية ربما تضفي على الفيلم عالمية أكثر من تحجيمه.

السينما السورية تتوجه للنخبة على حد تعبير البعض، لكن السؤال المطروح كيف يمكن تحديد خصائص أفلام النخبة؟ إذ لا يمكن القول بأن الإنتاج البسيط والسيناريو الذي يتحدث عن أحداث وقصص عظيمة يكفي لتتوجه السينما إلى النخبة، ومهما بلغت درجة التشظي والتعقيد في أي فيلم فلا يمكن إحالة ذلك إلى مشكلة عند الجمهور. وبالتالي فإن تقسيم السينما حسب طبيعة فئة المشاهدين يبدو أمراً غريباً بعض الشيء، فحتى أفلام ديفيد لينش المتخمة بالتعقيد والتفكك يتحدث عنها لينش بأنها موجهة للعامة. لذلك فإن مشكلة تناول الفيلم لا يمكن حصرها عند المتلقي فقط، وبالعموم فإن شراء تذكرة لمشاهدة فيلم لا يقتضي إبراز الشهادة العلمية. ومن جهةٍ ثانية هل تكفي قصة عظيمة أو هدف سامي لصناعة فيلم عظيم؟ ربما كان بإمكاننا الاكتفاء بالخطاب أو النص إذن، فالسينما أداة فنية تحتاج إلى مستوى تقني في الحد الأدنى لاستخدامها، وهذا الحد مفقود عند معظم السوريين سواء لغياب أكاديميات لتعليم السينما كممارسة، أو ندرة الورشات الفنية المحترفة في هذا المجال، حيث أن صناعة صورة سينمائية لا يقتصر على تحديد مكان مثالي أو فكرة عظيمة، فهنالك حالة لونية ودلالات معينة للكتلة والفراغ. فاللون الأبيض في فيلم "حصان تورينو" لـ بيلاتار ليس بأبيض بالمعنى المعروف، وهذا له دلالة على صعيد تجسيد الصورة ويحتاج لمستوى معين من العمل التقني السينمائي. لكن الخبرة الكافية لاستخدام التقنية السينمائية على مستوى الصورة/الصوت، ليست موجودة عند معظم العاملين في السينما السورية لأسباب ذكرتها سابقاً.

 إن معظم نتاج السينما السورية هو أسير المؤسسة العامة للسينما، إلا بعض الأفلام خرجت بشكل مستقل، وأغلب مخرجيها من المغتربين. إن حالة سيطرة جهة واحدة على الإنتاج صبغت السينما السورية بأسماء معينة على صعيد الإخراج أو النص أو المؤدين، وبغياب وجود شركات كبرى لإنتاج السينما، يبقى تحقيق عمل سينمائي بعيداً عن العلاقات الشخصية أمراً صعباً، ليبقى أمل أي مجرب شاب في مجال السينما هو التمويل الشخصي، وهذا يفرض صبغة الأفلام القصيرة على الأفلام السورية الشابة أو المستقلة نتيجة ضعف الموارد المادية، إضافة إلى أن المستوى التقني يبقى عند حدود معينة.

في الفترة الأخيرة قدمت المؤسسة العامة للسينما منحة لسينما الشباب بتمويل أفلامهم القصيرة، وبالفعل تم إقامة مهرجان لعرض الأفلام الحاصلة على المنحة. وبالرغم من أن الحاصلين على المنح معظمهم من الشباب، ومن غير العاملين في المؤسسة، إلا أن أفلامهم صُبِغت بهوية المؤسسة العامة نتيجة تحديد كوادر معينة للعمل مع المخرجين وتحديد ميزانيات محددة ومواقع تصوير محددة.

وضمن الحديث عن سيطرة المؤسسة العامة للسينما على النتاج السينمائي، يبدو الحديث عن أي سينما سورية مثقلاً بوقع هذه السيطرة. وتبقى الزاوية الوحيدة التي يمكن من خلالها إيجاد هوية للنتاج السوري السينمائي هي التجارب المستقلة للشباب السوريين سواء في الداخل أو الخارج، غير المتأثرة بأي جهة تمويلية، والتي يمكن من خلالها معرفة خصائص معينة وبالإمكان البناء عليها.

يزيد السيد أحد السينمائيين التجريبيين الشباب، قام بعدة تجارب سواء أفلام قصيرة أو وثائقية وكذلك video music. يزيد لم ينطلق من مؤسسة تعليمية مختصَّة بالسينما، فقد درس الاتصالات البصرية في الجامعة العربية الدولية، وكذلك يدرس التصميم المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية.

معظم أعمال يزيد مصورة ضمن مواقع تصوير واقعية غير مصطنعة لا يضفي عليها أي تأثير، ومن أفلامه Point of Zero، الفيلم الحائز على جائزة مهرجان ميريت في لوس أنجلوس. الفيلم يحاكي الواقع السوري بعد الحرب ضمن إيقاع شعري. موقع التصوير كان المعهد العالي للفنون المسرحية بعد تعرضه لعدة قذائف هاون، وضمن كوادر ثابتة بعيداً عن one shot، نرى شاباً يسير عبر حديقة المعهد ليدخل قاعة مخصصة للرقص. يزيد يُشبع لقطاته بتفاصيل المكان: الأرضية التي يسير عليها الشاب، الحطام، الجدران، ليصبح حدثاً غير معقد مثل سير شاب مليء بالتفاصيل، وبالعموم فإن المكان حاضر بتفاصيله الدقيقة في معظم أعمال يزيد، حيث يستمد الحدث شعريته من المكان. وبالعودة إلى الفيلم نرى الشاب يبدأ بالرقص داخل المكان المدمَّر، ثم يبدأ خطان زمنيان بالتوازي، ونشاهد حضور الذكريات والماضي ضمن لحظة الحاضر، وكأنه من خلال الرقص يستدعي الماضي الجميل، وكأن شيئاً لم يدمَّر. استدعاء الماضي كان ضمن لقطات فلاش باك، وكذلك ضمن لقطة الحاضر، نفسها عبر تجسيد ذات الشاب وهو يرقص بالتوازي مع فعله الآني، ليتَّحد الجسدان المنتميان لزمنيين مختلفين في جسد واحد. الحدث عند يزيد ليس بالقدر الكبير من التعقيد، إلا أن البساطة والإيقاع، ومن خلال الضوء واللون وتكوين الصورة ذاتها، يصبح الفيلم أكثر شعرية، وتصبح تفاصيل الصورة أهم من الحدث ذاته.

يزيد يتحدث عن السينما بأن تهدف إلى إيصال حقيقة أو وجهة نظر بوضوح، وهذا الوضوح لا يتناقض مع الإبهار في الفيلم، ويضيف أن: ((السينما بإمكانها تعريفك على كل شيء)). وبالنسبة للوضع السوري وأثره على عمله يتحدث يزيد عن صعوبات التمويل وعدم الاستقرار، والحد من حرية التصوير. بعض هذه العوامل إضافة للتطور التكنولوجي الذي جعل من أدوات السينما الأساسية متوفرة، كل هذا شكَّل دافعاً كبيراً للسينما المستقلة، والتي بالرغم من قلتها إلا أن ذلك لا ينفي أنها من الممكن أن تحدث أثراً، حيث في النهاية هي تجارب غير ربحية وغير مؤدلجة. إن حلم يزيد السينمائي هو إيصال وجهة نظره بطريقة إبداعية، وهو لا يطلب أي دعم مالي، فقط يريد حرية التصوير.

لين عيسى سورية، فلسطينية، كندية، مقيمة في كندا منذ 4 سنوات، لدراسة الإنتاج السينمائي film production، وتخصصت في المونتاج. تقول لين إن ((السينما هي لغة، صوت، صورة، زمان، وبالتالي هي تحمل لغة عالمية تجعلها الأكثر قدرة على تجسيد التجربة الإنسانية))، وترى أن الفيلم الناجح أمام طريقين، إما أن يتقاطع مع تجربتنا الإنسانية، أو يقدم تجربة جديدة لمعايشتها. الطريقان لا ينفصلان بحسب عيسى، التي تقول إنها تحاول ((تشكيل رؤية جديدة للظواهر ضمن عملها، ولفت نظر المشاهد لأمور لم يكن منتبهاً لها))، وتضيف أن ((رغبات الناس ومخاوفهم قريبة من بعضها بشكل لا يصدق))، وهي ستوضح ذلك بنقل تجربتها للآخرين.

لين لا تعتمد على حبكة تعتمد الخط القصصي الهرمي ولا على السياق الزمني الأركيولوجي، بل إن الزمن في أعمالها مختلط وهو بذلك أقرب للتجربة الإنسانية الواقعية، فالحياة ليست بداية ونهاية؛ هي مجموع ذكريات وتخيلات تأتي مشوهة وغير مترابطة في كثير من الأحيان، وكأنها أقرب لفعل المونتاج ذاته في السينما. ربما آراء لين تبدو منطقية نتيجة تأثرها بمخرجين أمثال جودارد، كوبريك، فيلليني، وودي ألين، وهي تعلق على سبب إعجابها بهم لقدرتهم على تشكيل هوية سينمائية مختلفة، وكسر أي تابو في السينما.

لين المنتمية للكثير من الأمكنة بحسب الأوراق، تتحدث عن نفسها بوصفها إنسانة أولاً، وهذه الحالة تمتد لأفلامها المبتعدة عن أي خلفية ثقافية أو عرقية، وتقول لين إنها تناقش التجربة الإنسانية بذاتها، وتستمتع بالانطلاق من الحالات السيكولوجية الفردية نحو الدلالات الكبرى. وعن حلمها تقول إنها: ((تريد صناعة فيلم عن وضع المرأة العربية داخل الوطن العربي)).

فيلم لين الأول هو infrahuman. الفيلم لا يتجاوز ثلاث دقائق، ويدور حول حالة تسليع الإنسان ورغباته ضمن عصر الاتصالات ومابعد الحداثة، ضمن مقارنة بين أسلوبين للحياة وضمن ثنائيات معروفة، الكتاب/الإنترنت، التواصل الشخصي/العزلة، ورغم بساطة الفكرة، إلا أن الفيلم ذو احترافية في المجال التقني بالمقارنة مع غيره من التجارب السورية، ويعود ذلك لخلفية لين الدراسية في هذا المجال. وبالعموم فإن المونتاج أكثر نقطة يمكن التركيز عليها في عمل لين، حيث أن اللقطات كانت ضمن موقعين تصويريين فقط، إلا أن سرعة اللقطة وتتالي اللقطات، والانتقال، كل ذلك شحن المتلقي بحالة شعورية قصدت إتعابه بخصوص الحياة الرقمية المنعزلة، بالمقارنة مع الهدوء في الانتقال والبرودة في الألوان في مشاهد الشخصية بحياتها مع الكتاب والطبيعة. إن نتاج لين تحضر فيه التقنية بشكل كبير لتشكيل المعنى، وهذا يعطيها حيزاً يختلف عن باقي المجربين السوريين.

داخل سوريا الحرب، هنالك فراس محمد الذي يصف نفسه بمتذوق للسينما بالدرجة الأولى، فراس ليس أكاديمياً سينمائياً بل يدرس هندسة تصميم ميكانيك، وقد ألَّف كتاباً يتحدث عن السينما باختلاف لغاتها ويتناول نقد 400 فيلم سينمائي، فضلاً عن مشاركته مؤلفاً ومخرجاً لعدة أفلام قصيرة مستقلة، وكتابة السيناريو لفيلمين طويلين.

الثقافة السينمائية العالية والتأثر بمفاهيم بعض المخرجين أمثال تاركوفسكي واضح في حديث فراس، حيث من الممكن ملاحظة التناص بين حديثه عن السينما مع نظرية النحت في الزمن لتاركوفسكي، إذ أن فراس يرى السينما فناً زمنياً، يعتمد على إدراك قيمة الزمن والحركة والصمت واللون وما يتفاعل معها من مؤثرات صوتية وموسيقية، وبالتالي فإن السينما تعتمد على الحساسية العالية بالظواهر، ويرى أن السينما هي الفن الأكثر قدرة على التفاعل والمعايشة وانفتاح الخيال.

يتحدث فراس عن السينما السورية ضمن عدة عوامل؛ ضعف الدعم المادي وكذلك أزمة القراءة والثقافة السينمائية سواء للجمهور أو للقائمين على العمل الفني، ويرى أن على السينما السورية الخروج من الأطر النمطية. ولكن بالرغم من كل ذلك فإن السينما السورية قادرة على تقديم ومضات بين فترة وأخرى، وهذا ينبع من كونها حالة جهد فردي دائماً وبالتالي تحتاج للكثير لتتحول إلى صناعة سينمائية.

ومن خلال تجربته يركز فراس على الصعوبات المادية، والتي تحدث أزمة على صعيد المعدات، إضافة لمكان عرض أعماله الذي يقتصر على الشبكة الرقمية، حيث في المستوى الأدنى لا يوجد مكان ذو قيمة فنية لعرض الفيلم، وهذا ينتج صعوبة تتمثل بإقناع المشاهدين بأهمية الفيلم ومشاهدته على محمل الجد.

يقول فراس بأنه لا يتوجه لنخبة معينة في أفلامه، إذ أن أي فيلم مهما بلغ حداً من التعقيد والتجريب فهو لا يحتاج سوى إلى اهتمام المشاهد. وبالرغم من ضرورة وجود حدٍّ معين من القدرة على القراءة البصرية لدى المشاهد، إلا أن ذلك لا ينفي بأن وجود الاهتمام بما يشاهد كفيل بخلق القدرة على الربط بين الفكرة والصورة لدى أي متلقي.

أما بالنسبة لحضور سوريا في تجربة فراس، يرى الأخير أن ((المجتمع السوري معقد، مركب، يملك كماً من التشابكات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية التي تعتبر أرضية غنية للأفكار السينمائية، وهذه الميزة لا تملكها الكثير من المجتمعات، والسينما تحتاج لمناخ بهذا التعقيد)). وفي مجال السينما السورية المستقلة، يرى فراس أن التجربة السورية في هذا المجال لها تفردها، حيث أن السينما المستقلة في معظم البلدان تستعمل كتعبير عن كسر القيود الاقتصادية والفكرية، إلا أن الاستقلالية في السينما السورية هي قيد بحد ذاتها، وهذا يحدُّ من انتشارها وبالتالي من تأثيرها.

في قراءة سريعة لفيلم The Outside لـ فراس محمد، نلاحظ جرأةً عاليةً في مجال التجريب، فلقطات الفيلم تأتي معظمها بتقنية one shot واللقطات الطويلة تأتي مشبعةً بالزمن الحقيقي، حيث أن فعلاً كحلاقة الذقن يأتي عرضه ضمن زمنه الحقيقي. هذه الحالة الغارقة بتفاصيل أفعال مجانية، أضفت دلالة ثبات الزمن على الفيلم، وأيضاً فإن فراس لا يعرض أي لقطة عامة للمكان وبالتالي يلغي حالة السياق العام المكاني، وبالمقابل فهو يحدد المكان من خلال تفاصيل خارجة عن السياق تكسب الشخصيات بعض الدلالات، كلقطات منفصلة لخزانة كتب أو لصور فنانين مثل سلفادور دالي أو صورة لألبوم فرقة بينك فلويد.

الشخوص في الفيلم تشعر بالاغتراب وحالة العزلة تتصعد من خلال الحوار أو ثبات الزمن الذي يتم تأكيده عبر الأفعال المجانية والصمت، وكذلك بعض التفاصيل كالشمعة التي تبقى مشتعلةً سواء بوجود الكهرباء أو عدمها، وعلاقة الداخل بالخارج تأتي على شكل عزلة هذا الداخل وتطبع الشخوص بالثبات، ويبقى الخارج حاضراً عبر صوت الماء والمطر أو من خلال زاوية صغير عبر النافذة التي تطل على شارع عام، الحركة فيه دائمة لكنها مجانية كذلك. ومن جهة فإن الفيلم بالأبيض والأسود ما أعطى حالة لا يقينية بين الحقيقة والوهم. هذا الخط السينمائي يذكرنا لحد ما بالمخرج المجري بيل لاتار في بعض النقاط. ضعف الإنتاج واضحٌ على عمل فراس سواء جودة الكاميرا أو مواقع التصوير أو اختيار المؤدين، إلا أن فراس طرح سينما تجريبية بكل ما للكلمة من معنى وهذا يحسب له.

((أنا شخص معتر بالنسبة للجهد يلي بعملو)) يصف علي ياغي نفسه. علي استغل كل المحاولات والتجارب المتوافرة أمامه وضمن إمكانياته. فمنذ الطفولة شارك بتجارب مسرحية، واستمر بالعمل في مسارح الشبيبة والمسارح البديلة والخشبات المكسورة على حدِّ تعبيره، إضافة للمشاركة في الكثير من ورشات العمل المسرحي، هذا الجهد كان مترافقاً مع خيبات دائمة تجسدت بفشل القبول في المعهد العالي للفنون المسرحية/قسم التمثيل.

يقول علي أنه بعد الكثير من التجارب في شتى المجالات وجد أن السينما هي الأداة القادرة على أن يعبر عن نفسه من خلالها، إضافة إلى أن توافر التقنية (الكاميرا) جعل المهمة أسهل. وبالفعل اتجه علي لصناعة الأفلام منذ أربع سنوات، وكانت البداية بكاميرا ديجيتال دقة 5 ميغا بيكسل. يضيف علي أن الصعوبات لم تكن في التقنية آنذاك بل كانت في السؤال الذي طرحته على نفسي: ((هل أنا قادر على أن أكون صانع أفلام؟، والإجابة على هذا السؤال إلى الآن حاضرة، وربما هذا ما حرَّضني على أن اكتشف وأتعلم باستمرار لأعرف الإجابة)). أما بالنسبة للصعوبات الأخرى فربما هي متشابهة لدى الجميع كما في ضعف التمويل وموافقات التصوير بخاصة في الوقت الراهن، إضافة إلى غياب فريق من المختصين في العمل، حيث أن أغلب التجارب هي فردية تأتي بمساعدة ثلاثة أو أربعة أشخاص، كذلك فإن كيفية المشاركة في المهرجانات هي من أصعب الأمور بالنسبة لي على الأقل.

بخصوص رأيه بالسينما السورية يرى علي بأنها فقيرة من ناحية الرواج والإنتاج إلا أنها غنية كمادة فنية، ويذكر بهذا الخصوص مخرجين مثل محمد ملص وعمر أميرلاي، ويضيف أن ((هذه السينما تحاول أن تثبت وجودها على أرض الواقع إلا أن هذا الواقع لا يرغب بها)). وبخصوص التجارب المستقلة يقول أنه يحترم أي تجربة مهما كانت، ويرى في الكثير منها نواة لسينما حقيقية تحتاج لوقت فقط، ويضيف أن هذه التجارب تستطيع تحقيق نشوة لدى صانعها لا يمكن تحقيقها في الأعمال الربحية، وهي تضيف إلى مخزون الخبرة بالتأكيد إلا أنها ربما لن تحقق القوت اليومي، لكن رغم أهمية الإنتاج في جودة العمل إلا أن ذلك لا ينفي إمكانية إيصال المعنى عبر وسائل بسيطة، إذ أن السينما هي فكرة قبل أن تكون تقنية بصرية، وهذا لا ينفي أهمية التقنية. ويخشى علي أن تأخذ التجارب هذه طابع الدراما التلفزيونية بشكل لاشعوري نتيجة سيطرة التلفزيون على الساحة الجماهيرية، وبالتالي فإن على هؤلاء الشباب، وهو منهم، الارتقاء بذائقة المشاهد الذي اعتاد المادة الفنية السهلة التي لا تحتاج إلى تحليل.

يتحدث علي بأنه لم يتوجه بأفلامه إلى فئة محددة، ويرى أن كل تجربة له استهدفت تلقائياً فئة معينة، وفي الآونة الأخيرة زاد عدم اهتمامه بتحديد جمهوره، إذ يرى أن شعوره الشخصي بالفيلم هو الأهم، ويضيف أنه يحاول صنع كل شيء في السينما أو ربما لاشيء، فالجغرافيا والأحداث والسيرة الذاتية لا تعنيه، ومع أنه لا ينفي الآثار اللاواعية لتلك المتغيرات في نتاجه، إلا أنه يحاول جاهداً صناعة فن لا ينتمي إلى جغرافيا محددة ولا يعرف إن كان نجح أم لا.

من أعمال علي ياغي فيلم "غزل البنات". في هذا الفيلم يدمج بين مشاهد وثائقية ودرامية، متناولاً الأنثى الشرقية من خلال عدة رموز. فغزل البنات جوهر في الأنثى الشرقية التي لا يدركه الرجل الشرقي، هو حالة الطفولة أو البراءة العفوية التي تدفن بواسطة الرجل الشرقي. وضمن مشاهد رمزية يعرض ياغي اغتيال هذه الطفولة لدى الأنثى، كمشهد فض العذرية الذي يترافق مع ذوبان قطعة غزل البنات باللون الأحمر، أو مشهد قيام الفتاة بإزالة شعر قدميها بواسطة غزل البنات. علي يحاول في الفيلم إبراز فكرته من خلال مشاهد رمزية تتشكل عبر الأحداث والخط الدرامي بالسياق الأول، وبالتالي فإن فكرة الفيلم يتم تجسيدها عبر الأفعال الدرامية بمستوى يفوق رمزية اللون أو الإضاءة أو آلية التقطيع، فالأهم إيصال الفكرة والسيناريو.

نبراس اسكندر طالب في كلية الهندسة المعلوماتية، كان له أيضاً عدة تجارب مستقلة في صنع الأفلام، وبعيداً عن التنظيرات يقول نبراس: ((أنا عاشق للسينما بكل بساطة، هذا العشق بدأ منذ حضوري لحفل توزيع جوائز الأوسكار عام 2004، حينها حلمت أن أكون هناك، ثم بدأ اهتمامي بالسينما يزيد تراكمياً، ونظرتي للسينما تتغير كلما تعمقت أكثر)). ولا يرى نبراس أن عدم تحصيله تعليماً أكاديمياً في هذا المجال هو عائق كبير، فهنالك العديد من المخرجين المهمين توقفوا عن تحصيلهم الأكاديمي السينمائي بعد تسجيلهم بالجامعة بعدة شهور، وبالتالي فليست الدراسة الأكاديمية هي المحدد للإبداع، لكن بالعموم فهو لا يستطيع الجزم بهذا الخصوص لأنه لم يخض التجربة الأكاديمية، ويضيف أنه عوض ذلك جزئياً من خلال متابعة مخرجين هامين أمثال هيتشكوك، كوبريك، هينكه، لارس فون، تراير، وآخرون، إضافة إلى قراءة المقالات والكتب.

السينما تختلف عن باقي الفنون لصغر سنِّها، بحسب نبراس، وبالتالي هنالك إمكانية كبيرة لخلق أساليب وأفكار جديدة، كذلك فإن الذهاب إلى صالة عرض سينمائية يعتبر تجربة طقسية، من خلال التفاعل مع الآخرين والمشاركة الشعورية.

نبراس يرى أن السينما السورية لا تمتلك هوية إلى الآن، وهذا يعود لأسباب منها ضعف الكم المنتج سينمائياً، كذلك هنالك مشكلة على صعيد التسويق، إضافة إلى ضعف الثقافة السينمائية لدى المتلقي السوري، فربما لازال الاهتمام السينمائي لدى الجمهور عند حدود أفلام مثل Twilight، لكن نبراس يرى أن ذلك يوفر مساحة كبيرة لانطلاق أي تجربة جديدة، وربما هذه التجارب ستساهم ليس فقط ببناء هوية سينمائية سورية بل أيضا بتجميل صورة سوريا الحضارية.

وبالنسبة للسينما المستقلة السورية، يتحدث نبراس عن تكرار في الأفكار والأسلوب، وربما أحس بذلك بعد حضوره مهرجان سينما الشباب، وبالعموم يرى نبراس أن السينما السورية بحاجة لفترة زمنية طويلة من التجارب.

أما الصعوبات المتعلقة بحريّة التصوير، والتمويل الذي أثر بدوره على الكادر الفني، فقد كان لها دور كبير في نتاج نبراس الذي يقول أنه بدَّل مواقع تصوير كانت محددة بالسيناريو نتيجة العوائق، لكن بالمقابل فإن الأحداث التي تمرُّ بها سوريا لم تكن دافعاً لسفره، بل على العكس كانت محرضاً للعمل في ظلها، وربما لولاها لم يبق هو في سوريا، مضيفاً أنه سيحاول كل ما يستطيع وضمن الحدود، وسيقدم لمنحة المؤسسة العامة للسينما القادمة.

أحد تجارب نبراس فيلم "ألوان"، الذي يتحدث عن الحالة الطائفية ضمن تفاصيل قصة عشق تجمع شاب وشابة سوريين. الفيلم من التجارب المستقلة القليلة التي لا يكون المخرج فيها هو المؤلف نفسه، والعمل تم تصوير ضمن موقع تصوير واحد هو منزل دمشقي، ويركز على الحدث الدرامي ويتناول رموزاً مبسطة، وكذلك فإنه يفتقر للتقنيات العالية.

التجارب المستقلة في معظم البلدان، تأتي ضمن سياق التمرد، سواء على الاحتكارات الإنتاجية أو على أصحاب الرأسمال الرمزي الذين يشرعون القواعد الفنية وأحياناً لتجاوز الرقابة، أما في سوريا فإن السينما المستقلة تولد نتيجة العجز ومن أجل إيجاد هوية سينمائية، وليس لأجل إحداث التمرد أو خلق حالة جدلية تفضي إلى حل جديد، إذ أن السينما السورية تنطلق من أرضية قاحلة، وبالتالي فإن الخاصية التمردية والمدى التجريبي المسموح به للفيلم المستقل، هذه الخاصية تتلاشى في الأفلام السورية المستقلة التي يبقى هدفها الأول الوصول إلى الجمهور أو محاولة إيجاد ملامح سينما سورية.

إن خاصية السهولة في الإنتاج والعرض التي سمح بها التطور التكنولوجي كانت عاملاً حاسماً في زيادة الإنتاج للسينما المستقلة، لكن السؤال هل تكفي كاميرا ومنصة نشر رقمية لصنع فيلم؟ ربما يكون الجواب بأن التقنية تبقى عاملاً ثانوياً في الإبداع، وأن العديد من التجارب العظمى خُلقت من عدم، كما حال الفيلم القصير الأول لديفيد لينش "ستة رجال مصابون بالغثيان"، الذي كلف 200 دولار وتم صنعه في أحد الغرف الفندقية. إلا أن هذه التجربة تختلف عن التجارب السورية، ليس فقط على صعيد القيمة الفنية، بل من خلال الأرضية الاجتماعية التي تم إنتاجها فيها، فمجتمع كالولايات المتحدة أو فرنسا أو إيطاليا، عايش ويعايش التجربة الأكاديمية للسينما والتجربة التجارية الربحية للأفلام، لا يمكن إسقاطه على مجتمع لم يعرف الأكاديميات أو المعاهد السينمائية، ولا يمتلك أي شركة إنتاج خاصة، وعدد دور العرض السينمائي فيه لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وتعيش سينماه على وقع مشاركات المهرجانات، وبالتالي فإن السياق الاجتماعي لأي تجربة يحدد من قيمتها بشكل كبير.

إن ضعف الإنتاج السينمائي وغياب الأرضية التي يمكن بناء صناعة سينمائية عليها، ترك أثره في الجمهور، الذي تلاشى اهتمامه بالسينما كما حال المسرح السوري مثلاً الذي يتعرض لمعضلات مشابهة لحد ما، وحتى متابعي السينما الشغوفين، والذين يواجهون فجوة كبيرة بين نتاج بلدهم والنتاج السينمائي الذي يتابعونه، فقدوا ثقتهم بأي عمل سينمائي سوري جديد، وربما يكون حكمهم عليه تعسفياً.

لا يمكن إنكار الثقافة السينمائية لدى المجربين الشباب، فأغلبهم تعرض لأفلام بيل لاتار وجودارد وتاركوفسكي وميازاكي، لكن هل ذلك يكفي؟ فالسينما هي صنعة تقنية قبل كل شيء ومهما بلغ المعنى الإبداعي من عظمة إلا أنه يحتاج دراية بالأداة التي تجسده. ومن هنا فإن ضرورة تأسيس أكاديميات وورشات فنية متخصصة تتعاظم، على الأقل لإحداث مقارنة مع التجارب غير الأكاديمية، وليكون للفن المتمرد سلطة يتمرد عليها.

السينما السورية المستقلة تحمل ثقلاً مضاعفاً، إذ أن جهودها لا تقف عند إنتاج عمل جيد أو إحداث فرق، بل تتجاوز ذلك إلى إيجاد أرضية لها وربما لغيرها، وإيجاد قاعدة فنية سينمائية من عدم.

إن التجارب المستقلة تحتاج لدعم مالي بالتأكيد، لكن ليس بالضرورة من جهات حكومية كالمؤسسة العامة للسينما، بل من شركات إنتاجية مختصة ممكن أن توجد كما حدث في فن الدراما التلفزيونية، لكي لا تبقى هذه الأفلام عند حدودها، فالإنتاج الشخصي هو بداية وحجر أساسي لصناعة أسماء عظيمة، ولا يمكن بأي حال فصل التطور الذي يمكن أن يحدث للتجارب المستقلة عن تطور السينما الرسمية والممولة، وغزارة الإنتاج سواء في الأفلام المستقلة أو المدعومة ستشكل كماً كبيراً ينتج نوعية أفضل من خلال الاصطفاء الطبيعي.

من خلال الأمثلة التي وردت في هذا المقال وغيرها، تبدو التجارب المستقلة متباينة لحد كبير من خلال الأسلوب التقني وكذلك على صعيد الفكرة. هذا التباين يلغي القدرة على الحديث عن خصائص تيار واضحة، إلا أنه في المقابل يشكل حالة إيجابية عند نقاط معينة، ولا يمكن بأي حال الوقوف سلباً حيال هذه التجارب، أو إسقاط الهوية الفنية لأصحابها، إذ أنه في ثنائية الرغبة/الموهبة تبقى الرغبة العامل الحاسم لبروز الإبداع، وجميع المجربين السينمائيين المستقلين في سوريا لديهم رغبة بالحد الأدنى. هذه الرغبة هي حالة شغف من الممكن استثمارها بدرجة كبيرة.

هل يجب أخذ كل نتاج صوري على Youtube باعتباره فيلماً سينمائياً؟ ربما لا، لكن ذلك لا ينفي أن التجارب الحاضرة هي محاولات للوصول إلى العمل السينمائي المحترف قبل كل شيء، خاصة بانعدام أي طريق آخر.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR