أوجاع وطن

مقالة بقلم علاء تلجبيني

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

في سوريا، وسط الدم والنار والخراب، في فوضى من التحالفات السياسية واقتصاد يصارع الانهيار، وواقعٍ اجتماعيٍ يرثى له، في وطنٍ لطالما عانى من كونه نقطة استقطابٍ وجذبٍ من المشاريع السياسية الإقليمية والدولية لابدَّ أن نقف، كي نتطلع إلى الوراء ونتساءل لماذا؟ أيُّ قدرٍ ساقنا إلى مانحن فيه؟ وأيُّ أثرٍ للماضي في رسم أحداثِ الحاضر؟ أضيءُ من خلال هذا المقال على مرحلةٍ تاريخيةٍ مهمةٍ من حياة سوريا، ساهمت بشكل كبير في خلق الأسباب التي ساقت البلاد إلى ما هي فيه اليوم، فماضي الأوطان هو انعكاسٌ لحاضرها ومستقبلها، وماتزرعه اليوم ستحصده في الغد. فما خلَّفته الوحدة المصرية السورية وراءها كان تركةً أثقلت كاهل الوطن على كلِّ الصُّعد، وخلقت أعرافاً لم يألفها المشهد السوري. وسرعان ما تحولت هذه الأعراف إلى شبه قوانين أطاحت بما كانت تفتخر به سوريا.

استيقظ السوريون صبيحة 22 شباط/فبراير 1958 على ضجيج الفرح وصيحات الابتهال؛ مع إعلان صوت العرب من القاهرة قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر. لم تكن في تلك اللَّحظة من كلماتٍ سوى كلماتُ الانتصار وعبارات الزهوِّ المليئة بالشعارات التي تُكيلُ المديح لرجل العروبة، لصانع الانتصار على القوى العظمى: جمال عبد الناصر!

 كانت سوريا في تلك المرحلة تعيش على مرجلٍ من الغليان السياسي، يحكمها شكري القوتلي، أحدُ صانعي الاستقلال، الآتي إلى سدَّةِ الحكم عبر انتخابات رئاسية هي الأولى من نوعها وتميزها في تلك البقعة المشتعلة من العالم (الشرق الأوسط)، ومجموعة من الجنرالات استهوتهم المغامرات الانقلابية، إضافةً إلى مجموعة من الأحزاب ذات التوجُّهات المتضاربة والصاعدة إلى منصة الأحداث منها من بَنَت شعبيتها على مجموعة من أفكارٍ مستمدةٍ من الفلسفة اللينينية والتجربة السوفيتية الاشتراكية، ومنها من استمدَّ تجربة الإسلام السياسي في مصر، ومنها من اتَّخذ من القومية السورية منهجاً. تضافرت كل تلك العوامل مع واقعٍ اقتصاديٍ طبقيٍ مرير، ورثته سنوات الاحتلال الطوال، فطرحت تلك الأحزاب شعاراتٍ دغدغت أحلام الشباب السوري الممتلئ حماسًا، إضافةً للمشاريع الإقليمية المتناقضة لجذب الوطن السوري من الدول المحيطة لضمِّه لأحلافٍ خارجية كـ"حلف بغداد". كانت لتلك العوامل مجتمعة أن تنبثق عن حدثٍ ما. أن الأطرف السياسية في الداخل السوري لطالما نظرت بعين الريبة والتوجُّس للطرف الآخر ومع تدخلات العسكر في الواقع السياسي الهش، والذين رغم تدني رُتبهم كانوا يطمحون لصناعة انقلابٍ جديد.

في واقعٍ متقلَّبٍ متناقضٍ كهذا كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار من قبل بعض العسكريين والسياسيين نحو مصر عبدالناصر الذي سطع نجمه بعد أن هزم العدوان الثلاثي وأمَّمَ قناة السويس، فقد رأى بعض مراهقي السياسة والعسكر في سوريا في عبد الناصر الجليد الذي يمكن له تبريد الواقع السياسي المشتعل، فحدثَ مايشبه الانقلاب على مؤسَّسات الدولة الشرعية، ولكن هذه المرَّة بوجهٍ آخر تمثَّلَ باستدراج الزعيم المصري لصناعة اندماجٍ مع الوطن السوري، عبر سفر 16 ضابطاً عسكرياً وعرض مشروع الوحدة على عبدالناصر! حصل ذلك دون إبلاغ أي مؤسسةٍ شرعية. ومن هنا يمكن الاستدلال على مدى تأثير الانقلابات العسكرية المتتالية على النظام الديمقراطي في سوريا، فقد كان من المستغرب جداً أن يبادر بعض المتحمِّسين إلى طرح مشروعٍ يتعلق بمصير وطن بهذه الطريقة المتسرِّعة غير المدروسة، فمشروع وحدة بلدين هو أمرٌ إستراتيجيٌ يستلزم سنواتٍ من الدراسة. وقد أثار ذلك استغراب عبد الناصر نفسه: وحدةٌ بين بلدين هكذا في يوم وليلة؟ ما يشيرُ إلى مدى الاستهتار بالمؤسسات وبالحياة الديمقراطية في البلاد وحجم التدخل العسكري الموغل في الحياة السياسية.

لم يكن أمام الرئيس شكري القوتلي وحكومته والبرلمان المنتخب ديمقراطياً إلَّا الالتحاق بهذا الرَّكب، لأنَّ أي محاولةٍ للوقوف في وجه هذا المشروع ستُواجه هذه المرَّة من قبل الشارع السوري المشحون، الذي كان مخموراً بمصر عبد الناصر حتى الثمالة، ولم يكن في ذلك الوقت للتفكير أو المراجعة أي دور. وكما يقول أكرم الحوراني، أحد صُنَّاع تلك الحالة المتردية من الواقع السياسي السوري، في مذكراته التي كتبها فيما بعد واصفاً تلك المرحلة نادماً: ((ولكن عذري في تلك الفترة التي أستطيع وصفها  كانت فترةً طغى فيها الحلم الكبير على عقلانية الواقع المرير)).

قرأ كثيرون أو تطرقوا إلى تلك المرحلة التاريخية، وعالجوها من الزاوية التي اختاروها. فمنهم من رأى فيها نزوةً عاطفيةً كان لها كلُّ أثرٍ سلبيٍ على الوطن، أطاحت بالسيادة واستحضرت الغريب ليحكم الوطن، وهذا كان رأي الرئيس المرحوم خالد العظم في مذكراته وكذلك رأي الحزب القومي السوري الاجتماعي. ومنهم من رأى فيها حدثاً عظيماً يجب أن يتكرر ويتبلور. ولكن من عاش تلك المرحلة الحسَّاسة من حياة الوطن، وروى لنا أحداثها، لم يُغفِل أبداً مدى الخيبة التي كان يعيشها الشعب في سوريا جرَّاء الواقع السياسي المضطرب الذي نشأ نتيجة زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة، وما تَبِعَ ذلك من دعوى للتسلح والتوجه إلى الجبهات وبروز مجموعة من العسكريين حاولت تغطيةَ خيباتها على الجبهات بانتصارات دونكِشوتية دفع السوريون ثمنها غالياً ومازالوا.

بعد قيام الوحدة ونجاح عبد الناصر في الانتخابات التي جرت، وفوزه بالنسبة الشهيرة 99.99%، بدأت تظهر عورات تلك الوحدة عبر سلوك أساليب الاحتلال والهيمنة على الوطن السوري. الشيء الذي خيَّب آمال صُنَّاع الوحدة أنفسهم الذين تساقطوا عن المشهد الوحدوي واحداً تلو الآخر، حتى تحوَّلت سوريا في بداية الستينيات إلى مستعمرةٍ مصرية، ما حدا بالضابط المقدم عبدالكريم النحلاوي، والذي كان يشغل منصب رئيس مكتب المشير عبدالحكيم عامر حاكم الإقليم الشمالي، إلى القيام بانقلابٍ انفصاليٍ وبالتالي إنهاء الوحدة وعودة الحياة السياسية والدستورية إلى سوريا.  

ما هو الأثر الذي خلَّفته تلك السنوات الثلاث على مصير الوطن؟ وهل دفع المواطن السوري ثمن تلك المرحلة؟ نعم لقد كان لتلك المرحلة وما تبعها أثرٌ سلبيٌ كبير، بدأ بشرط عبد الناصر حلَّ الأحزاب في سوريا لإقامة الوحدة، وبالتالي القضاء على الحياة السياسية في سوريا التي انتهت تماماً. لقد كانت سوريا في فترة ما قبل الوحدة تعيش حياةً سياسيةً متمثلةً في تعدد الأحزاب وحرية الصحافة فضلاً عن برلمان يَجمَعُ على مقاعده تلاوين التيارات السياسية المتباعدة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كما أنَّ تأميم عبد الناصر للمعامل وقانون الإصلاح الزراعي في سوريا قد ترك أثراً كارثياً على الاقتصاد السوري، فقد انهارت الحياة الاقتصادية، وتسلَّم المعامل، التي كانت تديرها عائلاتٌ شكّلت فخر الصناعة السورية، مجموعةٌ من العمال وأبناء الطبقات الكادحة، ما ساهم في انهيار تلك المعامل وبالتالي الصناعة السورية.

أما على الصعيد الاجتماعي فقد برزت على مسرح الأحداث، مجموعةٌ من محدثي النعمة الذي تسلقوا أكتاف الأحزاب الاشتراكية واستخدموا شعاراتها البرَّاقة ليبنوا لأنفسهم إمبراطورياتٍ ماليةٍ حماها قانون الطوارئ الذي سُنَّ بعد ثورة الثامن من آذار/مارس 1963، والتي كانت انقلاباً على جمهورية الاستقلال ونهجها الليبرالي الذي كان يتبنى مبدأ اقتصاد السوق الحر. لقد تغيرت ملامح الجمهورية بعد الثامن من آذار/مارس 1963، ودخلت البلاد في مرحلة الصراعات داخل الاشتراكيين لسنوات عديدة. كذلك فإنَّ هيمنة الجيش على البلاد وتبوُّء ضباطه لمناصب عالية، ساهم في القضاء على الحياة المدنية في سوريا كما في كثير من الدول العربية. مع الإشارة إلى أن ما يُعرف بثورة الثامن من آذار/مارس 1963 قد قام بها الضباط المحسوبون على الوحدة بمواجهة أركان السياسة والعسكر المنضويين تحت لواء الانفصال، وبالتالي فهي امتدادٌ لمشروع الوحدة ونهجه.

اليوم وفي الصراع الذي تعيشه سوريا لايمكن أن نُغفِل ذيول تلك المرحلة وآثارها الممتدة حتى عام 2011 بداية أحداث سوريا. فالاقتصاد الذي فقد هويته منذ إعلان الوحدة، وما تبع ذلك من قرارات، لم يكن يملك خطةً على المدى البعيد. بل راكم مشاكل اجتماعية تمثَّلت في البطالة وتزايد عدد الشباب العاطلين عن العمل وغير المنظمين ضمن أي نوادي سياسيةٍ أو اجتماعية، وبالتالي كانوا وقوداً للنار التي اشتعلت في جسد هذا الوطن. كذلك فإنَّ قانون الطوارئ الذي وضعه العسكر في سوريا، والذي استمر لنصف قرن من الزمن، كان مرهِقاً لكلٍّ من الحكومة والشعب في ظلِّ عالمٍ منفتح، أصبح المواطن ضمنه يعي جيداً مايجري حوله وتملؤه طاقةٌ لم يعد بالإمكان لَجمُها دون أن يُترَكَ له المجال لإطلاقها.

إنَّ النهج الذي سلكه مؤيدو الوحدة مع مصر بقي سارياً حتى اليوم، والمتمثل بإقامة الوحدة العربية الشاملة والتي هي الهدف الأول لحزب البعث الحاكم في سوريا. لقد عرف السوريين متأخرين أنَّ ذلك الهدف الذي صُنِعَ على أساسه جيلٌ كاملٌ هو محض حلم، لأنَّ الوحدة التي فشلت بين قطرين عربيين لن تتحقق بين 22 بلداً لكل واحد منهم مشروعه الخارجي والداخلي الخاص به.

والسؤال المطروح دائماً أي سوريا نريد؟ هل سوريا المتوحدة مع محيطها العربي مهما طال انتظار هذا الحلم؟ أم سوريا الواحدة الموحدة التي يجب أن نقدِّسها ونبنيها بعيداً عن التحالفات والاندماجات؟ إنَّ الجواب على هذه الأسئلة سيحدد لنا مشروعنا الوطني القادم وملامحه. ربما يمكن القول إن أي مشروعٍ مستقبليٍ في سوريا لا يبدأ ببناء الوطن السوري على نهج صانعي الاستقلال سيكون محكوماً بالفشل. فالبدء بتسييج حدود الوطن هو الأولوية التي يمكن من خلالها تحقيق اتِّحادٍ جزئيٍ مع بلدٍ آخر يمكن بعدها البناء عليه لتحقيق وحدةٍ أو اندماج.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR