فرانكشتابن في بغداد

مراجعة كتاب بقلم نور ياسر شلغين

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تأتي هذه القراءة لرواية "فرانكشتاين في بغداد"، بهدف رصد محاولة الكاتب أحمد سعداوي إعادة المشهد العراقي إلى الصدارة، بكل ما بات يُثقله اليوم من فوضى وألم ومظلومية، وحاجة هذا المجتمع الماسَّة إلى عودة العدالة الغائبة منذ عقود. مستحضراً مسخ رواية "فرانكشتاين" للكاتبة البريطانية ميري تشيللي لصناعة كائن خارق مشابه باسم الشِسْمه، لكن من بقايا أشلاء ضحايا الانفجارات اليومية في العاصمة العراقية بغداد، مضيفاً إليه روح واسم ضحيتين آخرتين، تُدِبَّان الحياة في هذا الجسد العراقي الفسيفسائي، فيقوم منتقماً للثارات التي تراكمت عبر السنين، إلَّا أنّه لا يلبث ليقع في شِرك هذه الثارات مرَّة جديدة، معلِّقاً نفسه في شبكة جديدة من الفوضى والعبث واللاجدوى والموت.

مقدمة

لا بدَّ أنَّه لم يكن في حسبان الروائية البريطانية ميري تشيللي، حين كتبت روايتها الشهيرة "فرانكشتاين" عام 1817، أن تدبَّ الروح في مسخها البشع مرة جديدة في قطب بعيد من العالم، وبعد حوالي قرنين من الزمن.

مسخ بطل رواية تشيللي، فيكتور فرانكشتاين، كان رمزاً صاعقاً ابتدعه خيال الكاتبة التي برعت في خلق أسطورة تدور أحداث حكايتها في عدد من البلدان الأوروبية، وتنتهي بالقطب المتجمد، في إشارة إلى حالة اللا انتماء والغربة التي تتمخض عن الغرابة ورفض المحيط. فتصيغ ردَّ الفعل انتقاماً قاسياً غير عاقل، يدفع المسخ نهايةً إلى الانسحاب بكل أحزانه وهزائمه وانتصاراته بملء إرادته إلى القاع، بعد أن يردي صانعه قتيلاً مهزوماً. ليعود إلينا في حلَّة صادمةٍ مرَّةً أخرى، عبر رواية الكاتب العراقي أحمد سعدواي "فرانكشتاين في بغداد"، والصادرة عام 2013 في 351 صفحة عن دار الجمل في بيروت.

 

الانتقامُ العراقي المُنتظر

يوم كتبت تشيللي روايتها، أثارت المجتمع الغربي الذي بدأ يميل إلى تحجيم قيمة الإنسان ودوره بعد بداية الثورة الصناعية، فكانت حكاية المسخ الـمُصنَّع صرخةً في وجه توظيف العلم لغايات غير نبيلة، فضلاً عن تشييء الإنسان (أي تحويله إلى مجرد شيء) وسلبه من إنسانيته وروحه. من تلك النقطة الحسَّاسة انطلق الروائي العراقي أحمد سعداوي في بناء مسخه الجديد، الذي جاء بدايةً رفضاً لانخفاض قيمة الإنسان جسداً وروحاً، جرَّاء قسوة الحرب والظروف المأساوية المتتالية في التاريخ العراقي الحديث، صارخاً في بداية روايته: ((أنا عملتها جثة كاملة حتى لا تتحول إلى نفايات ... حتى تُحترم مثل الأموات الآخرين وتُدفن يا عالم)). ويأتي المسخ الجديد مرتدياً حُلَّة جديدة والعديد من المعاني والوجوه الإبداعية، التي تمخَّضت عن هذا التناص الفريد الناتج عن تزاوج المخيلات الأدبية، وانصهار الخيال في بوتقة الظروف المأساوية منذ الغزو الأميركي لبغداد بداية العقد المنصرم، مستفيداً من كل ما نتج عن ذلك من أزماتٍ إنسانية، أخلاقية، اقتصادية وسياسية، عمل سعداوي على توظيفها تماماً في قوالبه الدرامية، السردية، والخيالية.

يُحيكُ سعداوي تفاصيل مسخه من تجليَّات الثأر والقدسية والمجهول، فيُشعِل أول شرارة في جسده على يد شخص معتوه، أصابته الحرب بجروحٍ ومآسٍ نفسيةٍ هائلة، توقع في روحه حبَّاً غامضاً لجمع أشلاء ضحايا التفجيرات اليومية التي تتعرض لها العاصمة العراقية. فيقوم بلصق تلك الأشلاء والأعضاء معاً في وقت لاحق، مكوِّناً هيكلاً مسخاً يحمل في جسده كل جينات المظلومية والانتقام التي بقيت عالقةً في خلايا أشلائه، أو كما أراد له أن يكون في تأويل آخر: المواطن العراقي الأول، لما يحمله من جذاذات تنتمي إلى أطياف وأعراق عراقية متنوِّعة.

تبدأ حكاية المسخ العراقي من رفض لهبوط قيمة الإنسان، إثر اعتيادية مشهد الموت اليومي، بكل ما يأتي به من قسوة تذهب بالإنسانية إلى وحشة ووحشِّية وخوفٍ وهواجس. جسدٌ يحمل من المظلمة أشلاءً بشريةً من انفجارات كثيرة تترصَّد الشارع العراقي يومياً، يُضاف له روحٌ شجاعةٌ فقدت جسدها الذي تناثر أيضاً إلى أشلاءٍ من غير الممكن جمعها مرةً جديدة، يوضع عليهما اسم ضحيةٍ أخرى تنتظر انتقاماً لها منذ عقود. ولايمكن بحال من الأحوال المقارنة بعد ذلك بين مسخ الروائية البريطانية ميري تشيللي، ومسخ سعداوي، إذ يفترق المسخ العراقي عن نظيره البريطاني في مرحلة مبكِّرة من الرواية، وتفترق الأهداف، فلا يرمز المسخ هنا إلى الغربة والوحشة والرَّفض كما في رواية تشيللي، بل يكون بداية الأمر أسطورةً مُنتظرة لتحقيق العدالة الغائبة منذ عهودٍ طويلة، إلى جانب الأهداف السامية والنبيلة التي يأتي الأبطال الخارقون عادةً لتحقيقها.

ومع أول تفجير في أحداث الرواية، وقبل الأخير في تمام اكتمال المسخ، يأتي التجلِّي الأول لآخر حصاة تسند -ولو وهماً- جرَّة الاستقرار في "حي البتاويين" البغدادي. الحصاة المتمثِّلة بالسيدة العجوز المسيحية الآشورية إيليشوا، المنتمية إلى أقلِّية الأقليات التي ما تزال متشبِّثة بالبقاء في بغداد بعد سقوطها في هوَّة الحرب، واشتداد حدَّة الصراع الطائفي السنيِّ الشيعي في العاصمة العراقية الجريحة، ونيلها ما نالته جرَّاء الثارات والمؤامرات الطائفية بين الطائفين المسلمتين، فضلاً عن الفوضى المستمرَّة بلا رادع أو فاعلٍ معروف. إلَّا أنَّ إيليشوا كبغداد لا تزال تحمل داخلها جرحاً قديماً، يدفعها إلى التشبث بالمكان العتيق القاسي بكل ما تملك، حاملةً داخلها بذور البقاء الذي يتحوَّل إلى انتقام، ثم سبب للرحيل بعد حين.

 

توثيق العراق الجديد

وفي السياق تبدو محاولات سعداوي دؤوبةً لتكوين صورةٍ واقعيةٍ وموضوعيةٍ لما آل إليه العراق الجديد، بعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. إذ تبدأ الرواية بترتيب الصور المحاكية للواقع، برغم تأكيد الكاتب على أنَّ نماذجه المكتوبة وأماكنها وظروفها كلِّها من خياله الصرف، فيما عدا شخصية العجوز إيليشوا.

هي نماذج تُعيد رسم المشهد العراقي. تبدأ بالجيل الذي قضى حياته بين بطش النظام السابق، والفوضى التي نتجت من زواله وحلول القوات الأميركية بديلاً مُشابها إلى حدٍّ ما، وأسوأ غالباً. فيما تُطِلُّ الطبقة الـمُهيمنة اقتصادياً كنموذجٍ لا يغيب عن أي حرب، متمثِّلةً بالعناصر التي تبدأ نموَّها حيث ينهار الآخرون، عبر استغلال ظروفهم والاستيلاء على كلِّ ما يمكن ابتلاعه في هذا الخراب الكبير.

ولا يغيب عن البال الإشارة إلى العدد الكبير من الشخصيات، التي يحملها إلينا "حيُّ البتاويين" البغدادي، الذي يصبح ساحة الصراع الأساسية، بكل ما يتضمَّنه من صراعاتٍ فرعية؛ بين من كان مهيمناً أثناء سطوة النظام السياسي الحاكم سابقاً، وبين من نَمَت سطوته بعد زوال هذا الحكم، عبر القاعدة الشعبية المبنية على صلات القربة والخوف والرهبة، فضلاً عن العلاقات ذات السطوة التي فرضها الواقع الجديد مع الأمريكيين.

تنسحب اللغة الشعرية من الرواية، لصالح لغة التوثيق واستقصاء الشعور العراقي منذ هبوب رياح الحرب على البلاد، بشكله الأكثر واقعية. فتصوِّر الانفجارات كجزءٍ أصبح اعتيادياً في المشهد اليومي، الذي سيصنع من بقايا الظلم المتراكم، الفوضى، العبث، الثأر والرغبة بعودة بعض العدل لتتوازن كفة الحياة قليلاً.

الانفجارات في الرواية لا تحمل الطابع الطائفي الفجّ الذي يُراد إظهاره غالباً على أرض الواقع وفي الأخبار العراقية اليومية. بل الانفجار هنا مجرَّد خيطٍ يحرِّك الأحداث للوصول إلى الحبكة، وإلى مسخ هادي العتّاك الهجين عن مسخ فيكتور فرانكشتاين. الانفجار لا يستهدف طائفةً معينة، وليس بافتعال أخرى، بل إنما يأتي من المجهول، ويستهدف العراقيين فقط.

ما يحصل، أنَّ الكاتب يبدو وكأنه يتحايد التطرُّق إلى النزاعات الطائفية في المشهد العراقي اليوم، ليركِّز أكثر على حبكة روايته، لكنه يحلُّ فيما بعد هذه العقدة، مُظهراً جانباً آخر أكثر موضوعيةً وواقعية وإقناعاً لهذا العنف المُسيطر على الحياة هناك.

 

المسخُ النبيل

((لا فائدة من العدالة لاحقاً، يجب أن تكون هنا أولاً، أما لاحقاً فسيكون الانتقام الرهيب؛ عذاب متصل من الرب العادل، عذاب لا نهاية له على الإطلاق، فهكذا يكون الانتقام)).

تتجلّى عبر صفحات الرواية بشكلٍ غير خفي تلك الرغبة التي يميل إليها البشر عادةً للانتقام، ولو جاءت الإنسانية بمفاهيم كابحة لها، كالتسامح والغفران، والتعزِّي بالانتقام الإلهي الذي يُمهل ولا يُهمل. يحاول السعداوي أن يعطينا تبريرات وأسباب الحاجة النفسية والاجتماعية، إلى الخضوع لتلك الرغبة الملحَّة للعراقيين الذين ذاقوا من المرِّ أصنافاً عبر التاريخ. مايبرِّرُ لهم في حكايته الوقوف إلى صفِّ المسخ النبيل الشِسْمَه[1]، الذي سرعان ما يبدأ بهذا الانتقام دون تأجيل.

ما يحصل عبر سلسلة من الأحداث هو رد الاعتبار لثارات قديمة، تشفي غليل الكثيرين ممن أجَّلوا انتقامهم بانتظار المخلِّص، لكنَّ مايلي ذلك لن يكون في صالحهم، عندما يقعون ضحية لفوضى المعايير الخاضعة للمطلق الذي جاء الشِسْمه باسمه. المطلق صعب التطبيق على الواقع، فيصبح المنتظر قوةً خارجةً عن السيطرة، تصارع الوجود من أجل البقاء لا أكثر؛ ((فلا أحد يرغب بالموت من دون أن يفهم لماذا يموت، وإلى أين يتجه بعد الموت، وهو لا يعرف جواباً على هذين)).

في الرواية يؤكِّد المسخ على أنَّه لم يأتِ بهدف الجريمة بحدِّ ذاتها أو الإخافة، وإنَّما لأداء مهمة إعادة العدالة الغائبة، إذ يقول: ((كلُّهم مساكين، وأنا الردُّ والجواب على نداء المساكين. أنا مخلِّص ومُنتَظر ومرغوبٌ به ومأمولٌ بصورة ما)). ولا يخفى على أحدٍ هنا التناص الديني، الذي يأتي عبر محاكاة فكرة الشِسْمة، لأفكارٍ دينية كثيرة تتحدَّث عن عودة المخلِّصين الإلهيين، الذين يأتون بعد أن يبلغ الظلم مداه، ليقيموا العدل بأيديهم مرَّة أخرى، معلنين بذلك بداية النهاية.

كما محاكاة هذه الفكرة لأفكار أخرى تأخذ طابعاً آخراً اجتماعياً، كإيمان الشعوب بمجيء الزعماء المخلِّصين آخذي الثأر، مقيمي العدل، ومعيدي الكرامة إلى كبريائها الأول، كوعودٍ لابد أن تكون صادقة، وغير قابلة للنقاش أبداً لدى البعض.

المهم في كلِّ ذلك هو ما يأتي بعد إنجاز الثأر العالق. ولو جئنا بتناص تراثيٍّ آخر، بعيداً عن أسطورة فرانكشتاين وحدها، يمكننا الحديث عن حكاية الزير سالم، فهي الأكثر تجسيداً لفكرة الثأر في السرد التراثي العربي. حيث يحمل الزير ثأر مقتل أخيه كسببٍ للبقاء، حتى بعد إنجازه، ولا يتخلى عنه لأن انتهاءه يعني نهاية الوجود وأسبابه لدى الزير. كما يحصل هنا بعد تحلل أعضاء الشِسْمه، مع الأخذ بثأر كل الأشخاص الذين ساهموا بأعضائهم في بنائه، تأتي النهاية، لتكون بداية غرق الرمز المطلق في فوضى الواقع. إذ أنَّ المسخ يرفض الفناء والموت بل ويخشاه، ما يدفعه مجبراً إلى التورُّط بالجريمة ليبقى على قيد الحياة، ولإكمال مهمتِّه التي يُفترض أنَّها نبيلة. هذا ما تحاول الحكاية التنويه إليه، وربما التحذير منه؛ أنَّ الواقع قادرٌ على صناعة عقابنا الجديد مما نعتقد أنَّه بداية الخلاص.

 

صناعة الجريمة من القضية العادلة

لا تنقطع الرمزية عن الظهور والتجلي في الرواية التي يريدها الكاتب غريبة، وفي نفس الوقت بعيدة عن الغرائبية. فهو يُنتج المسخ على يد العتَّاك الذي يُعرف بلقب الكلاوجي، أو الكذَّاب، مُبقياً على هذا الرمز طبقة شفيفة من الغموض وعدم التأكُّد. إذ يبقى العتَّاك؛ المشكوك بصحة كلامه وسلامة تفكيره دائماً، إلى جانب العجوز إيليشوا؛ المُقتربة من عمر الخرف، هما فقط صلة الوصل المباشرة مع الشِسْمة، الذي يتجلى للآخرين بطرق أكثر إخافة ومهابة ورهبة. فيصبح مثاراً لتأليف الحكايات وإحاكة الأساطير والخرافات، ما يستسيغه العقل الجمعي بسهولة في بلدان العالم الثالث غالباً، وما يجد صدىً ومريدين ببساطةٍ أيضاً.

هذا ما يكون للمسخ بعد حين، إذ أنَّه يحصل على سلسلة رموز أخرى تتجلى في مريديه الستَّة، الذين يطلقون العنان له بإيمانهم المطلق به، ويرتضون خدمته والإقامة إلى جانبه في المنطقة صفر، التي يقطنها هرباً من ملاحقة العيون والسلطات المتنوعة له، فيكوِّن في تلك المنطقة الصغيرة بعد ذلك؛ مصغِّراً متخيِّلاً للمشهد العراقي. وقد لا يكون التأويل مبالغاً به، لو افترضنا شبهاً بين هذا المشهد والمشهد العربي أيضاً، بثوراته التي بدأت -أول ما بدأت- نيرانها بالتهام أبنائها أنفسهم.

ما يجتمع عليه المريدون هو الإيمان بالمسخ وقضيته العادلة، إذ هي البطانة والجمهور اللازم لأيِّ فكرة نبيلة المغزى لأن تتطوَّر. فينطلق كلٌّ منهم مُعيناً له بطريقته ومواهبه. بدءاً من الساحر، فالسفسطائي والعدو، إضافةً إلى المجانين الثلاثة؛ الصغير، الكبير والأكبر. ومن هنا تبدأ نواة الشعبية التي تواصل التكاثر ككرة ثلج، لا تلبث أن تنقلب على قضيته وعليه، مع انهيار عدالتها، وانزياحها عن المسار الذي بدأته، بفعل فوضى الواقع وهؤلاء المريدين أنفسهم. إذ يسعى كلٌّ منهم إلى جذب المسخ لتحقيق ما كان يتوسَّمه منه في البداية، ومايخدم أهداف كلٌّ منهم على حدة، فضلاً عن ما أراد للفكرة أن تكوِّنه. إلى أن ينتهي الأمر بالمسخ العادل ليجد نفسه هو المجرم ذاته، وعدو نفسه والجميع.

 

خاتمة

عددٌ هائلٌ من المقالات النقدية، كُتبت حول الرواية، تكاد تُجمع كلُّها على أنَّها عملٌ يؤسِّس لبيئةٍ روائيةٍ عراقيةٍ جديدة، يحملها إلى أفقٍ جديد. كما يحمل سعداوي إلى مصاف الكُتَّاب العراقيين الأوائل، لما يبديه من نضج روائي في بناء عمله الثالث في هذا المجال، بعد روايتيه السابقتين "البلد الجميل" و"إنّه يحلم أو يلعب أو يموت" اللتين حازتا على جوائز عربية، إلى جانب عمل شعري بعنوان "عيد الأغنيات السيئة" قبلهما. لكنَّ الجديد الذي يضفيه سعداوي في عمله الأخير هو ما يبتدعه من دمجٍ متجانسٍ لأساليب ومستويات سردية شتَّى، فضلاً عن استخدام الزمن بالشكل الأكثر ملائمةً في سياق الحدث والأشخاص، ومزاوجة الأساطير ورمزياتها بالشكل الأمثل لخدمة حبكة القصة المُحاكة بمآسي الشعب العراقي.

وفي النهاية أمكن القول إنَّ أهمية هذه الرواية تأتي من جوانب كثيرة، تبدأ من كونها عملاً بُذِل فيه جهدٌ روائي كبير لتكون على الشاكلة التي خرجت فيها. فضلاً عن الحلول الدرامية الذكية التي عمل سعداوي على ابتداعها لإحكام السيطرة على بناء الرواية الهندسي، كإدخال شخصياتٍ مساعدة؛ كالمؤلف، المساعد الثاني، نوال الوزير، وليس انتهاءً بأبي سليم. الشخصيات التي بدت عبر العمل كمسدَّاتٍ مُحكمةٍ لفجواتٍ كانت لتعترض السياق المنطقي لعرض أفكار العمل، أو تجعله يبدو بدونها عملاً أقرب إلى التقليدي، إذ أنَّ مستويات السرد المتنوِّعة التي عمل الكاتب على زرعها في جسد العمل، أتت لتُسهِم أيضاً في جعل القصة تبدو أكثر امتاعاً، إلى جانب عمق أبعادها السايكولوجية والرمزية والفكرية.

ولا ننسى أيضاً الإشارة في الختام، إلى أنَّ حيازة الرواية على جائزة الرواية العربية "بوكر" لعام 2014، إنَّما أسهم بشكلٍ كبير في انتشارها لاريب، وبالتالي إلقاء المزيد من الضوء على عمق المشهد العراقي الاجتماعي اليوم، بعيداً عمَّا تتناقله وسائل الإعلام والصحافة، ومايُراد له أن يظهر بعيداً عن الواقع.

 


[1]  الشِسْمه: الّي شو اسمه! أي الذي لا اسم له باللهجة العراقية الدارجة، كما جاء في هوامش الكتاب.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR