النزوح الحلبي إلى اللاذقية

ريبورتاج بقلم زين حسان خزام

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تعتبر مدينة اللاذقية واحدةً من المدن السورية الآمنة نسبياً، لذلك استقطبت أعداداً كبيرةً من سكان مدينة حلب الذين اضطرتهم ظروف الحرب الطاحنة إلى مغادرة مدينتهم بحثاً عن وطنٍ بديل. يحاول هذا الريبورتاج تسليط الضوء على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والديموغرافي الجديد الذي تشهده المدينة، سواء من وجهة نظر الوافدين أو من وجهة نظر أهل المدينة، مع تقديم عرض أولي لبعض الرؤى المستقبلية في ظل الظروف الراهنة. وأخيراً يشير المقال وبصورة مقارنة ومختصرة إلى الحالة العنصرية اللبنانية-السورية، والحالة العنصرية السورية-السورية.

((بعيش أنا وبابا لحالنا.. ماما واخواتي ماتوا بقذيفة نزلت ع بيتنا بحلب))

هي أول الكلمات التي تفوَّه بنا الطفل محمد نور (8 سنوات) حين استوقفته لسؤاله عن حاله، بعد أن سمعتُ لهجته الحلبية، وهو يتحدث بحياديةٍ قاتلة وابتسامةٍ ثابتةٍ ترتسم على شفتيه المشققتين.

محمد هو واحدٌ من مئات الأطفال الحلبيين الذين تاهوا في شوارع اللاذقية بعد أن نزحوا من حلب منذ اندلاع أعمال العنف فيها. حين تحاورتُ معه تاهتْ نظراته أيضاً بين حجارة الرصيف، وعيون المارة، ودفتري الذي أسجِّل الملاحظات عليه. يسترسل في الحديث: ((إجيت مع أبوي من سنتين ... احترقت كل ألعابي ... لك خيتو بتصدقي كان عندي ألعاب بشي تلاتين ألف؟ كلن دابوا لأننن نايلون ... والنار بتدوب النايلون)). يحبُّ هذا الطفل الحديث عن ألعابه، ولم يخشَ المقابلة الصحفية، وإنْ رفض إظهار وجهه، لأنه يخاف من أبيه الذي يعمل في الأماكن العامة والمقاهي، بينما يبقى هو سارحاً بين المارة يستجديهم لبيع العلكة مقابل أي مبلغ مادي.

يركضُ محمد كلَّما شاهد أحد المارة، وفي كلِّ مرة أطرح عليه سؤالا، ينظر قليلا ثم يجيب، إلى أن سألته عن أحلامه فقال: ((بتمنّى ارجع ع المدرسة ... وبحب كتير صير أستاذ بس أكبر ... لازم عاقب الأشرار يلي بيضربوا الولاد التانيين ... بس هلأ ما عم أقدر فوت ع المدرسة لأنو وقت كنت بحلب كنت صف أول ... وأنا ما معي شي يثبت هاد الشي ... لا إخراج قيد ولا ورقة تسجيل ... هيك قلي أبوي)).

حاولتُ مراراً التقاط صورة له، لكنه كان دائم الاضطراب، وفي المرة الأخيرة حمل علبة العلكة الفارغة وهمَّ بالرحيل قائلاً بلهجة حلبية محبَّبة: ((لا لا الله يوفقِك ... بيضربني أبوي))، فاكتفينا بصورةٍ ليديه.

 

المدينة الإسفنجة؟ ربما!

تعدُّ اللاذقية واحدةً من المدنِ الصغيرة، إلَّا أنَّها تعجُّ بالقاطنين والوافدين، فرغم بعد المسافة بين حلب واللاذقية (حوالي 220 كم)، ومع أن الطريق صارت أطول بضعفين بسبب التحويلات الكثيرة، إلَّا أنها بقيت الوجهة الأولى لمعظم الحلبيين الذين أجبرتهم الظروف على مغادرة مساكنهم، فهي الأكثر استقراراً وأماناً. وقد ساعدت الصدفة أن تقودنا لواحدة من الشابات اللواتي يعملن في مجال الإغاثة بمدينة اللاذقية، والتي سمعت حديثي مع الطفل محمد نور، وأحبَّت تقديم بعض المعلومات المساعدة، لكنَّها مجدداً رفضت ذكر اسمها (وسنستخدم اسم سناء).

تعتمد سناء (25 عاما) في معلوماتها على آخر إحصائيةٍ قامت بها منظمة الهلال الأحمر السوري، حيثُ تشير النتائج إلى أرقامٍ صادمةٍ فيما يخص عدد سكان مدينة اللاذقية الذي قفز، خلال عامين فقط، من مليون نسمة، إلى مليونين ونصف نسمة، بزيادةٍ بلغت حوالي 150%. مليون ونصف هم من المهجَّرين، ومن هؤلاء يشكل الحلبيون النسبة الكبرى بحوالي المليون مهجَّر من حلب وريفها.

قسَّمت سناء الوافدين الحلبيين إلى ثلاث فئات. فهناك الفئة الـمُعْدَمة ممن تركوا كل شيء خلفهم، بما في ذلك أرزاقهم ومتاعهم وأوراقهم الثبوتية، وخرجوا هرباً من رحى الحرب الطاحنة، جاؤوا في معظمهم من الريف الحلبي الذي عانى الكثير من التهميش والإهمال أيام السِّلم، والكثير الكثير من العنف الدموي أيام الحرب. هؤلاء يقطنون مراكز الإيواء، أو يعيشون كمتشردين في شوارع المدينة، ويعتمدون بشكل أساسي على الإعانات التي تقدمها لهم الجمعيات العاملة في مجال الإغاثة، والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية.

تتابع سناء: ((أما الفئة المتوسطة وهم من أرباب الحرف وأصحاب التجارة وطلاب الجامعات. معظمهم يشتغلون بالأعمال الحرة التجارية والصناعية)). وتضيف: ((أوضاعهم المعيشية المتوسطة نسبياً أتاحت للكثيرين منهم إمكانية السكن خارج مراكز الإيواء والاستئجار ضمن المدينة)). وتختم أخيراً: ((بفئة البرجوازيين والتجار الكبار وهم ممن استطاعوا إحضار رؤوس أموالهم أو جزءٍ منها، والذين يشكِّلون النسبة الأقل بين المهجَّرين ويعيشون حياةً أكثر من ممتازة. غادر الكثيرون منهم إلى خارج البلاد منذ بداية الأزمة وحتى الآن)).

 

النزوح الحلبي، والنصف الآخر من الكأس

فصَّلت سناء كثيراً في وضع النازحين، واختصرت المشكلة بالقول أنَّ مدينة اللاذقية شهدت تضخماً سكانياً هائلاً بلغ 150% من عدد السكان، من ناحية كان لهذا التضخم آثاره السلبية، وخاصةً على الوضع المعاشي، نظراً لارتفاع أسعار السلع والآجارات بشكلٍ غير مسبوق، وزيادة الطلب على المواد الاستهلاكية وموارد الطاقة مما أدى في كثير من الأحيان إلى ندرتها.

لكنها حين تنظر للنصف الممتلئ من الكأس فترى أنَّ هناك بعض الآثار الإيجابية، فمدينة اللاذقية لم تكن مفعَّلة بالشكل الكافي ما أكسبها قدرة على الاستيعاب. وقدوم الوافدين حرَّك العجلة الاقتصادية نظراً لأن الحلبيين أتوا حاملين معهم خبرتهم الكبيرة في الصناعة والتجارة والحرف. مما جعل الأسواق تنتعش وتمتلئ بالكثير من الخيارات التي تختلف من حيث الجودة والنوعية بحيث تغطي احتياجات شريحة كبيرة من الناس.

 

الجمعيات الإغاثية: مهمة وتكليف أم منصب وتشريف؟

تعتبر المدينة الرياضية أهم مراكز الإيواء في اللاذقية. لكنَّ الدخول والخروج منها وإليها يترافق غالباً مع درجة عالية من التشديد الأمني. وأمَّا المسؤول عنها بشكل أساسي فهو كلٌّ من منظمة الهلال الأحمر السوري وجمعية البستان الخيرية وعددٌ من الجمعيات الأخرى العاملة في مجال الإغاثة، حيث تقدم هذه الجمعيات الدعم للمهجرين على عدَّة مستويات، إذ أنَّ لكلٍّ من هذه الجمعيات اختصاصها وأهدافها ومصادر تمويلها المختلفة.

تتابع سناء حديثها وتقول: ((إنَّ أوضاع المهجرين في المدينة الرياضية على المستوى الإغاثي جيد نسبياً، على الرغم من وجود العديد من المشاكل والثغرات التي يجب ملؤها، ومن هذه المشكلات عدم وجود تشبيك كافي بين هذه الجمعيات، إضافةً إلى عدم وجود تشبيك كافي بينهم وبين الحكومة، ما أدى إلى حالةٍ من الفوضى. على سبيل المثال بعض العائلات يتم تخديمها من قبل أكثر من جهة، فيما توجد عائلات أخرى لا تحصل على أي نوع من أنواع الدعم،كما أن بعض الجمعيات للأسف تعتبر أن الموضوع هو موضوع تنافس فيما بينها. وهذا يؤثِّر سلباً وبشكل كبير على نوعية العمل وعلى النتائج المرجوة. يجب أن يدركوا أنَّنا بصدد مهمةٍ على درجةٍ عاليةٍ من الأهمية والخطورة وهي محاولة إنقاذ جيل كامل من الضياع، والانخراط في مسارات لا تُحمَدُ عقباها)).

 

أطفال حلب: الحلقة الأضعف!

سمح عمل سناء الإغاثي بدخولها إلى دائرة الأطفال التي عانت ما عانته من الحرب، حيث أمسى عملها الحالي في مجال الدعم النفسي للأطفال المهجَّرين، كما أنَّها تشارك في برامج تعليم الطوارئ، وهي برامج تُعنى بتقديم الخدمات التعليمية للأطفال الذين خرجوا دون أوراق ثبوتية.

تتابع سناء: ((الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، ومعظمهم يعاني من مشكلات نفسيةٍ عميقة، تتعلق بقدرتهم على التأقلم مع بيئةٍ جديدةٍ مختلفةٍ تماماً عن بيئتهم، إضافة إلى معاناتهم من مشاعر الفقدان والإحباط واليأس. هؤلاء يشكلون بيئةً خصبةً لجميع الانحرافات الممكنة، التي تبدأ بالتشرُّد والتدخين، ولا تنتهي بالانخراط في مجموعات تستغل هؤلاء الأطفال في أعمال أقل ما يقال عنها أنها غيرُ أخلاقية)).

تختم أخيراً: ((إنَّنا اليوم ندفع ثمن أخطاء الأمس، وغداً سندفع ثمن أخطاء اليوم، لذلك يجب تكثيف الجهود من أجل تحسين البيئة التي يعيش فيها هؤلاء الناس، والتعامل مع موضوعهم على أنَّه قضية بلد بأكمله وليس مجرد مجموعة من المكتسبات الشخصية. أجيال اليوم هم سوريا المستقبل)).

 

حلبيون خارج الأسوار ووجوه أخرى

في أحد مقاهي المدينة، التقيتُ مع طالب هندسة ميكانيك، سيمون نكزة (25 عاماً)، يصدفُ أيضا أنه كان من بين الطلاب الثلاثة الأوائل على الدفعة في المعهد الهندسي في جامعة حلب، ما أهَّله للدراسة في كلية هندسة الميكانيك، ويصدفُ أنه انتقل إلى مدينة اللاذقية بعد أن دخلت جبهة النصرة حارة الجْدَيدَة حيث كان يقيم، لكنه عمل على تطوير نفسه في المجال العملي كرديف للدراسة، ما أكسبه خبرةً مهمة، واطِّلاعاً على كثيرٍ مما يجري في كل من المدينة الصناعية في حلب والمدينة الصناعية في اللاذقية.

عندما وصلت وجدت أمامه على الطاولة ورقةً وقد رُسم عليها مخطط ٌحول النقاط التي سيتناولها في شهادته. ضحكت، فضحك وقال بلهجته الحلبية: ((مشان أعرف منين دا أبلش ... لأنو قلبي مليان)). يقول سيمون: ((خرجنا من المنزل تحت تهديد السلاح، ونزحت عائلتي إلى اللاذقية فيما بقيت وحدي في حلب عند أحد الأصدقاء كي أنهي سنتي الدراسية في الجامعة، لكنني لحقت بهم بعد عام من مجيئهم، ثم انتقلت إلى جامعة تشرين، وسرعان ما لاحظت كمية الحلبيين النازحين من أبناء الطبقة المتوسطة، معظم هؤلاء جاؤوا ومعهم خبرات عملية قاموا بتفعيلها واستثمارها نظراً لحاجتهم لإيجاد سبل للعيش والكسب، إضافة إلى أنَّهم وجدوا في اللاذقية تربة خصبة لهذا التفعيل. وضعهم المعاشي يتراوح بين المتوسط والجيد كما تلعب تكاليف الآجار الدور الأكثر تأثيراً على نوعية حياتهم، ولاحظتُ غلاءاً كبيراً في أسعار العقارات، لكن يمكنني فهم ذلك، وتعليله إلى أغنياء مدينة حلب الذين جاؤوا إلى هنا في البدايات، نظراً إلى المبالغ المرتفعة التي دفعوها مقابل الحصول على مأوى، ما حذا بأصحاب العقارات إلى رفع سقف الأسعار عموماً باعتبار أنَّ الحلبية عالم دفّيعة، وما فاقم المشكلة هو اعتماد أصحاب العقارات إلى توقيع عقود آجار مدتها ثلاثة أشهر كي يتاح لهم رفع الأسعار دورياً)).

ويتابع: ((على سبيل المثال ارتفع آجار منزلنا خلال ثلاثة أشهر بمقدار الضعف. إنَّني أتحدَّث عن حوادث تكررت لدرجة أنه أصبح بالإمكان أن نطلق عليها صفة ظواهر، لكن لا بدَّ لكلِّ قاعدةٍ من شواذ. مازال هنالك بعض الناس الذين يأخذون الجانب الإنساني بعين الاعتبار.. إن خليت خربت)).

 

الري بالتنقيط

عندما طلبت من سيمون أن يتحدث عن تجربة عمله في المدينة الصناعية بدء حديثه معي بمثال توضيحي: ((عندما تتم سقاية الأرض الزراعية بطريقة عشوائية، تتوزع المياه بشكل غير عادل على مساحة الأرض، عداك عن الهدر الكبير الذي يحصل. الطريقة التي ابتُكرتْ لحل هذه المشكلة كانت الري بالتنقيط. بهذه الطريقة تتوزع المياه بشكلٍ عادل على جميع الأراضي وينخفض الهدر إلى الحد الأدنى. ومنه، عندما جاء العمال الحلبيون إلى هنا وجدوا ترحيباً من قبل أرباب العمل، نظراً إلى أنهم يد عاملة، أرخص ثمناً وأعلى إنتاجيةً من اليد العاملة المحلية؛ أرخص ثمناً لأنَّهم في وضعٍ معيشيٍ صعب، يجعل منهم أكثرَ مرونة لقبول شروط ربِّ العمل. وأعلى إنتاجيةً بسبب خصوصية مدينة حلب في هذا المجال، كونها تعتمد في اقتصادها بالدرجة الأولى على الصناعة، إضافةً إلى أنها حَوَتْ، على مر العقود الأخيرة، على العديد من  المعاهد المهنية والصناعية التي خرَّجت نخبةً من الحرفيين والصناعيين ذوي الخبرة، ما جعل العمال الحلبيين معتادين على وتيرةٍ معينة في العمل لم يكن العامل المحلي قد اعتاد عليها. أما دخول رؤوس الأموال الحلبية إلى سوق العمل فقد واجه بعض الصعوبات، تتمثل بشكل أساسي في عدم وجود صيغة للتعاون مع رؤوس الأموال المحلية التي كانت موجودة، إضافةً إلى عدم تقديم تسهيلات كافية لهم من قبل الدولة، وخاصةً من كانوا بصدد نقل معاملهم من حلب إلى اللاذقية. أقصد بالتسهيلات تأمين موارد طاقة أو توفير الكهرباء على سبيل المثال. هذه العراقيل حذت ببعض أصحاب المعامل إلى الهجرة، لأن بعض الدول كمصر مثلاً قدمت لهم شروطاً أفضل للعمل مقابل تشغيل اليد العاملة المحلية. مما انعكس سلباً على الواقع الاقتصادي. برأيي الشخصي وبالعودة إلى مثال الري بالتنقيط، هذه أشياء من الطبيعي أن تحدث في البداية، نظراً إلى أنَّه لم تكن هناك استراتيجيةٌ واضحةٌ لكيفية دمج التجربتين الحلبية واللاذقانية. لكن الآن، وبعد ثلاثة أعوام على بدء التجربة، أصبح بالإمكان تلافي مثل هذه الأمور عن طريق تنظيم العمل وإيجاد صيغٍ للتعاون والتنسيق، مما سينعكس بشكل إيجابي على سير العجلة الاقتصادية وسيعود بالفائدة على الجميع)).

يختم سيمون: ((لستُ خبيراً اقتصادياً حتى أبتكر الحلول، لكني مؤمنٌ بطاقاتٍ هائلة لم يتم استثمارها بعد، أو أنَّها تتبدد بفعل بعض الممارسات غير المدروسة جيداً)).

 

وماذا عن السكان المحليين في اللاذقية؟

في هذه المدينة أصبح من الطبيعي أن تمشي في الأسواق والشوارع وعلى الكورنيش البحري وتسمع اللهجة الحلبية ذات الوقع القوي فتشعر وكأنَّك في فسط حلب.

في وسط المدينة، تعثرتُ بعيادة الدكتورة سحر جبُّور، وهي طبيبة أطفال تعمل في عيادتها الخاصة، وعلى احتكاك قريب مع شرائح عدة من الناس، وسألتها عن شعور السكان المحليين وخاصةً الدراويش منهم، تجاه الضيوف الجدد؟ وما هي تداعيات هذا التضخم السكاني الهائل على يوميات حياتهم؟

تقول الدكتورة جبُّور: ((إذا أردنا أن نتكلم عن السلبيات، فهي بعناوينها العريضة تتمثل بالاكتظاظ السكاني وغلاء الأسعار وأزمة المواصلات نظراً إلى الأعداد الكبيرة للوافدين. وفي التفاصيل كان لاختلاف البيئة الاجتماعية بعض التداعيات السلبية أيضاً، وذلك بمعزل عن الوضع المعيشي ... أما في الحديث عن الإيجابيات فيمكن القول أنَّ هذا الاحتكاك قد أثَّر على طبيعة سكان المدينة الأصليين التي هي طبيعة ميالة إلى الراحة، عكس طبيعة الوافدين الحلبيين المعجونة بالنشاط. ابن المدينة أدرك أهمية أن يعطي العمل حقه من الجهد والاهتمام من أجل أن يعود عليه بالمكاسب المرجوة. أكيد هنن ولاد البلد لكن تبقى لكل منطقة خصوصيتها، على أية حال هذا طبيعي في أي تجربة دمج لثقافتين مختلفتين. أعتقد أنَّنا سنخرج من التجربة بأقل قدر ممكن من الخسائر)).

 

أين نحن من العنصرية؟

طرحتُ هذه الجدلية على شخصين، فحصلتُ على نتيجتين مختلفتين. في البداية دار هذا الحوار بيني وبين الطفل محمد نور:

-          هل أزعجك أحدٌ ما فقط لأنَّك حلبي؟

-          نعم. البعض يصرخون في وجهي عندما أبيعهم العلكة، ((روح من هون ولاك.. وإذا ما عجبك رجاع عحلب)).

-          هل يقولون لك هذا من تلقاء أنفسهم أم أنَّك تكون قد قمت بشيء ما أزعجهم؟

-          كلا ... من تلقاء أنفسهم.

-          هل حاولت مرةً إخفاء لهجتك الحقيقية؟

-          نعم. لكنَّ الأشخاص الذين كنت أتحدث إليهم اكتشفوا بأني أمثِّل فضحكوا كثيراً.

في حين دار هذا الحوار مع الطالب سيمون نكزة:

-          هل يمكننا انتقاد الحالة العنصرية التي مورست ضدنا من قبل الآخرين، اللبنانيون على سبيل المثال، إذا ما قورنت بالحالة العنصرية التي مارسناها تجاه بعضنا البعض؟

-          أعتقد أن الحالة العنصرية السورية/السورية تختلف بحسب المناطق وبحسب الأشخاص. يمكن القول بشكل عام أنَّها ترواحت في درجتها بين الطبيعي والمتوسط ولم تتفاقم لتبلغ سوء الحالة اللبنانية/السورية.

أقولُ هذا انطلاقاً من مشاهداتي اليومية. فعلى الرغم من وجود حساسيات معينة بين الحلبي وابن البلد، هناك من جهة أخرى علاقات تنشأ وتنضج في جو خصب. الكثير من الزيجات تمَّت والكثير من الصداقات تتشكل، الأمرنسبي. ومنضل كلنا ولاد سوريا وكلنا بالهوا سوا.

 

الخاتمة

عشرون يوماً من السير في شوارع اللاذقية، ومئات المرَّات نسيتُ أنَّني في المدينة المقابلة للبحر، وكادت الخطى تحملني إلى منزلي في حلب، في اللقاء الأخير مع سيمون كنَّا نضحك كلانا ضحكةً تخفي ما تخفيه من الوجع، وأطفأنا جهاز التسجيل على أمل أن يأتي يوم تصبح فيه آلام المخاض هذه مجرد قصص للذكرى.

تضمُّ اللاذقية اليوم مئاتُ الآلاف من الحلبيين، وما عرضناه ليس إلا قصةً أو قصتين، فيما تبقى الكثير من الحكايات على شاطئ بحر اللاذقية غارقةً بالصَّمت والألم.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR