لا أحد يعلم العصافير الطيران

مقالة بقلم سومر شحادة

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

يتحدَّث المقال عن الاستبداد وآليات التخريب الناعم للمجتمع، عندما تتحوَّل الفكرة إلى قيد، والقيد إلى لذَّة وقناعة. عندما يعتقد السجين أنَّ في سجنه صونٌ لحريته. لذا، حين يكتشف الخدعة ويهمُّ بتحطيم السجن، فإنُّه يحطِّم ذاته!

قيود الوهم

    يخبرنا ميشيل فوكو عن سلاسلَ تفوق السلاسل الحديدية قوة، وهي الأفكار إذ تتشكَّل من مادةٍ يجهلها المقيَّدون بها. وبالتالي، أخطر ما يبلغه الاستبداد بسلاسله المختلفة، هو النجاح في أن يزرع عقولَ المستبَدُّ بهم فكرةً مفادها أنَّهم شعبٌ فاشل. تكمن خطورة هذه المقولة في أنَّها محصِّلة فعل تراكمي، تحتاج سنين طويلةٍ من هدم الوعي وتأسيس وعي منتهك، يولِّد من تلقاء ذاته تلك الأفكار المقيَّدة التي شبهها فوكو بالسلاسل. هكذا تبدو حتى الفكرة الكارثية أصيلةً في أذهان ضحايا الاستبداد، ويبدو المستبِدُّ بريئاً منها تماماً، ما يؤهِّله لأن يظهر بصفة المخلِّص والمنقذ. من هنا نستنتج صعوبة ابتكار آليةٍ فعَّالةٍ للتخلُّص من الفكرة الهدَّامة التي باتت تحيا داخل المستبَدُّ بهم. ليس سهلاً على سبيل المثال إقناع شعبٍ يعيش انتكاساتٍ تاريخيةٍ كبرى بأنَّه شعبٌ عادي، يكبو وينهض، ينكسر ويندفع للنضال مجدداً، وهذا التبدل في الأدوار إنَّما يعزِّز الأصل الإنساني فيه.

    مضحكٌ ومبكٍ في آنٍ معاً، ترافق تلك النظرة البائسة لدى المستبَدُّ به حيال نفسه بأُخرى مشرقةٍ حيال المستبِدِّ وسلطانه، فهو إذ يحسب نفسه عاجزاً عن حكم ذاته بذاته، تبعاً لتصوُّرات الدولة الحديثة ومفاهيمها، يهزأ بالعملية الانتخابية مثلاً، ولا ينثني يكرِّر أنَّ صوته لا يمكن أن يُحدِثَ فارقاً، وقد تبلغ به الطرافة حدَّ شتم من يعارض السلطة ولو اعترفت هذه الأخيرة ذاتها بضرورة وجود معارضين لها. هو يكتفي بكونه من الرعية، دون أدنى طموح بالمشاركة في الفعل، ولا يكفُّ عن القول إنَّ الدولة أكثر فهماً منه، حتى بات صعباً إقناعه بأنَّ المشكلة بدأت عند من صاغوا ثقافة شعب وهو يتفرَّج كيف يُرسَم مصيره، وتُبنى له الأبراج وتُشرى ثقافته بالمال، وتُخلَق القيود تلو القيود على الفكر وأصحابه. إنَّه يرفض مبدأ تحميل السلطة مسؤولية الأخطاء، ويحمل وحده مسؤولية كلَّ عيب، في حين يهدي للمستبد كلَّ نجاحٍ شخصي، وأقصى طموحه أن ينال تكريماً، ويأخذ صوراً تذكارية يفاخر بها في محيطه الاجتماعي. ولعلَّ أكثر ما يعبِّر عن هذا، هو مشهدٌ تنحي عبد الناصر إثر نكسة حزيران، اعترافاً منه بالهزيمة، لكنَّ الجماهير رفضت اعتراف القائد بالمسؤولية وارتضت حمل وطأة الهزيمة منزِّهةً السلطة عن أيِّ خطأ. هكذا، تجرَّع المحكوم الهزيمة وراحت تسري في جسده كالدم، مواصلاً النظر إلى الحاكم نظرة فخر وتنزيه.

 

    عرش من القشِّ في بيدرٍ محصود

    لكي نفهم كيف يملك المستبَدُّ بهم صورةً بائسةً عن أنفسهم، إلى أن يصيروا عاجزين عن التمييز بين كونهم فاشلين بالفعل أو مخدَّرين بالفشل، يمكننا استخدام حالة التلميذ الذكي الذي يرافق تلميذاً فاشلاً دراسياً لكنه قوي ويهابه الجميع، فالتلميذ الفاشل لا يرفع صوته للحديث في مسألة رياضيات بوجود زميله حتى لو صدف وكان يعرف الجواب، إنَّه لا يكتفي بألَّا يُعمِل عقله أو يُجهد نفسه بالتعبير، بل يجعل عقله مسترخياً ويعزم على الصمت الأشبه بخنوع الجاهل، يتنبَّه فقط للأوامر التي توجه إليه، وللمعلومات التي تُلقَّن له تلقيناً. ليست المقدَّرات العقلية موضع بحث، وإنَّما ذاك التردي العقلي الذي يصيبه بعد التعوِّد على الاسترخاء، إنَّه لا يتوقف عن التطور فقط، بل بات مقتنعاً بعدم ضرورته، لقد بات مسيطراً عليه وبالإمكان التحكم به بسهولة أكبر، ذاك التحكم الذي يقود إلى الولاء، ما يجعل المستبَدُّ به لا يتخيل وجوده بغياب المستبِد، نجد هذا في الضياع الذي يصيبه عند غياب المستبِدِّ في وقت اختبار ما، إنَّه يهرب من واجبه وقد يغادر الصف، وأقصى إجابة يستطيع تقديمها: لا أعرف.

    الاعتراف بعدم المعرفة هو ما يمكن التأسيس عليه كون الاعتراف هو الخطوة الأولى في درب الخلاص. لكنَّ الفخ الذي يقع فيه المستبِد، هو رفضه رغبة المستبَدُّ بهم بالتطور، بهذا الفعل يصنع من نفسه طاغية ومن المستبَدُّ بهم أضحوكة. يجعل الاستبداد محكوميه نوعاً من الناس، يوقنون أنَّهم فاشلون مهما فعلوا، ينظرون في أحوالهم فيجدون تجارتهم خاسرة وزراعتهم فاشلة وأوطانهم مهدَّدة وثقافتهم غيرُ مرغوبة. وبالتالي يفقد الاستغلال جدواه، فعجلات العربة تبدأ بالتفكك والانهيار، ويفقد المستبِدُّ ذاته القدرة على التواصل مع المستبَدِّ بهم، عندما تخرج العلاقة بينهما عن استكانتها يملأ العنف الفجوة التي تأخذ بالتَّوسع. الآن، يمكن لنا أن نفهم كيف يكون الطريق إلى الثورة هو ذاته الطريق إلى مقتلها، حيث ينطلق المستبَدُّ بهم من تفكير مهزوم يتَّخذ من الفوضى نموذجاً للعيش ومن القتل أسلوباً في التعبير، يندفعون إلى الثورة، لأنَّهم يعتقدون خلاصهم فيها. وبأنَّها تتكفَّل بالحل، لكن الرغبات المنفعلة وحدها لا تحقِّق سوى القتل، وتعزِّز شعور الفشل واللا جدوى. لو نظرنا إلى سلوك المحكومين بالسجن لسنواتٍ طويلةٍ بعد خروجهم، إنَّهم يعجزون عن الوقوف في موقف باصٍ مزدحم، ويتلعثمون بالنطق والتصريح بحاجاتهم، أقصى جهدهم إعادة الارتباط بالواقع، واكتشاف سجن الحياة الكبير من جديد.

    إن كان الاستبداد هو من يزرع الريح، فإنَّ الثورة عليه هي من تتكفَّل بحصاد العاصفة. كذلك فإن كان هو من يحصد حقل القمح، فإنَّ الثورة ستتربع على عرشٍ من القش. ويغرق المستبَدُّ بهم في عالمٍ سحريٍّ من اللامبالاة، حتى يصيروا أبناءً أبراراً للعبث. و حسبهم من الحياة انتظار نهايتها!

 

    لا أحد يُعلِّم العصافير الطيران

    إن كان فوكو يرسم لنا صورة جدار، فإنَّ محمود درويش يفتح نافذةً في جدار فوكو، باقتراحه: "المنفى هي الأفكار". يحيلنا المنفى إلى الاغتراب، وهو آلية المقاومة ضد التخريب الذي يتعرض له ضحايا الاستبداد بأشكاله وصيغه المختلفة، ما يفسِّر حالة الاغتراب التي يعيشها بعض الأفراد عن محيطهم متى عجزوا عن تغييره أو تغيير أنفسهم، ما يفسِّر أيضاً حالة الاغتراب التي يعيشها الفرد عن ذاته، ويبرِّر الجروح والندوب أثناء سعيه إلى العيش النظيف من ثقافة الإنسان المسخ.

الخيال هو ابن الاغتراب الحي، والتخيُّل قد يأخذ شكل الكتابة أو الحب أو الموسيقى والحلم، يكابد الفرد السلاسل خلال سعيه إلى إنسانيته، ويبتكر الأفكار، للخروج من حلقات الاستبداد القاتلة، ها هو يخبط جناحيه ذات اليمين وذات الشمال، يرفع رأسه ويجاهد التحليق، مدركاً أنَّ لا أحد يُعلِّم العصافير الطيران، بل الجميع يحاول اصطيادها! 



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR