رتق وترميم غشاء البكارة في المجتمعات العربية

مقالة بقلم محمد الإدريسي

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

يرتبط الحديث عن موضوع الجنس والجنسانية داخل البنية النسقية للمجتمعات العربية عموماً بمجموعة من الأُطر المرجعية السوسيو-ثقافية التي ليست بالضرورة محافِظة أو متحرِّرة، وإنَّما غير مستدمجة بعد لتناول هذه المواضيع للقابلة الدراسية والتحليلية سواء العلمية أو الاجتماعية، بل تبقى تلك المرجعيات هي المتحكمة في الفعل الجنسي سواء كان صائباً أو خاطئاً.

يرتبط الحديث عن رتق وترميم البكارة داخل المجتمعات العربية عموماً بمجموعة من الصعوبات الذهنية والموضوعية المحدَّدة ثقافياً واجتماعياً. فنظرة سوسيو-مورفولوجية تبرز لنا بجلاء الطابع المركِّب للمجتمع ككل، في إطار التداخل بين ثقافة المركز وثقافة الهامش. يتبين لنا أنَّ البنية التقليدية المستدمجة لمجموعة من الأُطر الدينية والعرفية في تعاطيها مع إشكال رتق وترميم البكارة، تجعل من هذا الأخير كمعيار أساسي للشرف، تعرف نوع من التغيير والتغير الاجتماعي في جوهرها النسقي لبنية الفعل الجنسي ككل، لكن في اتجاهٍ من الصعب تحديد توجيهاته الأساسية وفق منظور أنثروبو-سوسيولوجي واضح المعالم في ظلِّ غياب دراساتٍ متخصصةٍ وحديثة.

لا يتناطح كبشان كما يقال، على مبدأ حرية الفرد في اختيار نسقه الخاص داخل الجماعة التي ينتمي إليها، بل حتى أن يتموقف من جذورها الأساسية أو يتبنَّاها ويحتفظ بها كمحرك لقراره السوسيو-ثقافي، لكنَّ الجمع بين المرجعيات التقليدية وتبنِّي نمط الحرية الشخصية والعودة الاجتماعية إلى الأبعاد التقليدية والعرفية كمحدِّد للوجود الاجتماعي للفرد داخل الجماعة الاجتماعية، يثير الكثير من الإشكالات.

إنَّ المقاربة السكسيولوجية "علم الجنس"، في إطار تحليلها للظاهرة العذروية داخل المجتمع والثقافة، سعت إلى الكشف البراكسيولوجي[1] عن طبيعة الترسيمات الموضوعية المتحكِّمة في بروز انتشار رتق وترميم البكارة، من جانب الممارسين والممارس عليهم، أي من جانب الأطباء والمتخصِّصين[2] الذين يشرِّعون لهذه العمليات، ومن جانب النساء والفتيات المقبلات على هذا النوع من العمليات، إضافةً إلى موقف وموقع الأسرة داخل هذا النسق البنيوي لظاهرة رتق وترميم البكارة.

ويمكن تقسيم فئة الأطباء والممارسين من الناحية البراكسيولوجية إلى ثلاثة فئاتٍ أساسية، فئةٌ تجيز القيام بهذه العمليات وفق مرجعياتها الحداثية والعقلانية التي تُعطي للمرأة الحرية التامة في جسدها، وتأطير المؤشِّر المادي لتعاملاتهم البراغماتية مع النسوة مقابل عمليات رتق البكارة، وفئةٌ ثانية رافضة إطلاقاً لمثل هذه العمليات لكونها تتنافى مع الأخلاقيات الديونطولوجية لمهنة الطب من جهة، ولكونها تتنافى مع المرجعيات الدينية والتقليدية المحافظة باعتبارها تدليس وخداع وتشجيع على العلاقات الجنسية خارج مؤسَّسة الزواج من جهةٍ أخرى، وفئةٌ ثالثة يمكن توصيفها بالفئة الجبانة اجتماعياً لعدم تموقعها وتموقفها في نسق الظاهرة، من منظور أنَّ رتق البكارة لا يعنيها في شيء، وبذلك يبرز التعقيد الكبير في بنية الإقبال على مزاولة عمليات رتق وترميم البكارة بين الأطباء، والتعارض بين القيم التقليدية والقيم الحداثية المؤسِّسة للسلوك الجنسي داخل الثقافة المجتمعية.

وبالحديث عن موقف الأُسر والنساء والفتيات المقبلات على مثل هذه العمليات، وجب التأكيد على غياب الدراسات الجنسانية حول المنطقة العربية، والطابع المركِّب لنسيج العلاقات داخل المجتمع، وسيادة النمط التقليدي المؤطِّر للفعل الجنسي في تفاعله مع التغيرات السوسو-اقتصادية التي تعرفها المنطقة بفعل الحرب الأهلية الأخيرة، وما تفرضه من توجيهات ذهنية وموضوعية لطبيعة السلوك السوسيو-جنسي للفرد داخل المجال الاجتماعي.

إنَّ الملاحِظ السوسيو-أنثروبولوجي للبنيات الذهنية والبنيات الموضوعية المؤطِّرة لنسق العلاقات السوسيو-ثقافية داخل المجتمعات العربية، سيدرك سيادة نمط العلاقات المساومة[3] في نسيج الأُسر والعائلات المحلية، من منظور استدماج الأسرة لإمكانية قيام الفتاة؛ تحت تأطير وإشراف أفراد الأسرة؛ بعملية رتق وترميم البكارة إن ثبت فقدانها لبكارتها في ارتباطه بعرض زواج مقدَّمٍ لها، في إطار سيطرة الفعل الواقعي على نمط التصرف الاجتماعي، حيث يتم العمل على استغلال رهان الشرف وفق تأطير جمعي وإنَّما تأطير مصلحي مرتبط بموقع الفتاة والرهانات السوسيو-ثقافية والاقتصادية المرتبطة بعرض الزواج، دون الأخذ بعين الاعتبار نمط العلاقات العقلانية أو حتى التقليدية القائمة على مبدأ الثقة الاجتماعية، بل يتم الاعتراف الضمني بأحقِّية الفتاة في القيام بعلاقاتٍ جنسية خارج مؤسسة الزواج، والشرعنة السوسيو-ثقافية لمثل هذه العلاقات، من منطلق أنَّ الزوج المنتظر هو الآخر قد شرعن لنفسه وشرعنت له الثقافة المجتمعية الأهلية القيام بعلاقات جنسية خارج مؤسَّسة الزواج، تحت مبدأ أحقيته الرجولية بالمعنى الثقافي للهيمنة الذكورية.

إنَّ تطور السلوك الجنسي وتأطيره السوسيو-ثقافي في ارتباطه بمؤسَّسة الزواج من جهة، ومؤسَّسة الأسرة من جهة أخرى، يجعلنا نقف عند ما يسمى بحيلة الضحية داخل المجتمع العربي، أي سيادة نزوع ثقافي من لَدُن الثقافة المحليَّة نفسها، نحو الشرعة البراكسيولوجية لانخراط الفتاة في علاقاتٍ حميميةٍ خارج مؤسَّسة الزواج، مع احترام مبدأ الهيمنة الذكورية الذي يجعل من الفتاة ضحيةً لكلِّ علاقةٍ جنسيةٍ مع الرجل، وليست فاعلةً فيها، وهذا ما يبرز معه اللجوء إلى عمليات رتق وترميم البكارة كحيلةٍ دفاعيةٍ من طرف المرأة ضد الرجل، أي أنَّ انخراطه في الفعل الجنسي المنفتح خارج مؤسسة الزواج ينطبق على الفتاة أيضاً، وفق منطق كما تدين تدان.

إنَّ هذا المقال يسلِّط لنا الضوء على قضيةٍ من قضايا الواقع الجنسي والجنساني بالمجتمعات العربية عموماً، في إطار تفاعل السلوك الجنسي مع النظم والمعايير التقليدية والعقلانية المؤطِّرة للفعل الجنسي داخل نسيج العلاقات السوسيو-ثقافية، من منظور التغير والتغيير الاجتماعي الذي يعرفه جوهر المجتمع ككل. وهذا ما يؤدي إلى ثقافة تسود في بنياتها النسقية سلوكياتٌ تستدمج الرهان المادي مع الرهان المصلحي في العلاقات الاجتماعية، ونمط من التنفيذ البراغماتي لعلاقات الإنتاج السوسيو-اقتصادية. 

ويمكن القول أن هذا المقال عبارة عن مقال كشفي أولي، يرسم للقارئ والباحث العربي الخيوط الأولى لنسيج الجسم الموضوعي للظاهرة الجنسانية بالواقع العربي المعاصر، في محاولة استمالة المجتمع العلمي والمراكز البحثية نحو الاهتمام بثيمة البكارة، ليس فقط من حيث جذورها التاريخية والجينالوجية أو علاقتها بالثقافة العربية الإسلامية، ولكن كظاهرة مرتبطة بمرحلة مجتمعات ما بعد التصنيع، ومجتمعات العولمة والتحوُّلات الكوسموبوليانية. لذلك يتوجَّه الباحث بمجموعةٍ من المقترحات قصد تنميتها من طرف الباحثين والمؤسسات البحثية، يمكن توضيح بعض منها كما يلي:

-        الاهتمام بالبكارة كظاهرة سوسيو-اقتصادية، وليس كظاهرة ثقافية فقط.

-        العمل على تتبع الظاهرة الجنسانية بالدول العربية لما بعد حركيات الربيع العربي. 

-        الإدراك الموضوعي للجنس كمحرك بنيوي لنسيج المجتمعات المعاصرة، في علاقته بالتحوُّلات الكوسموبوليانية الكونية.

-        تبنِّي رؤى بحثية موضوعية لاختراق الظاهرة الجنسانية بالعالم العربي، من منظور العلوم الاجتماعية.

-        الوعي البنَّاء بضرورة تتبُّع ظاهرة رتق البكارة أو البكارة الصناعية من طرف السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الطبية، في إطار العمل على اختراق الخفي، والتابو داخل نسيج المؤسسات الصحية العمومية/الخاصة.

-        ضرورة استعانة الباحثين والمؤسَّسات البحثية بالمنطق الانعكاسي البورديوي في دراسة الظاهرة السوسيولوجية، والاهتمام أولاً بسوسيولوجيا السوسيولوجي وإبستيمولوجيا الباحث الملتزم لتجاوز منزلقات الذاتية والنسق التيولوجي (النسق الغائي).

 


[1] - يستعمل الباحث مصطلح "البراكسيولوجيا" Praxiologie، انطلاقا من جذوره الجينالوجة الماركسية praxis، لكنه تفادى ترجمته بمفهوم الممارسة وفضل الاحتفاظ بحمولته السوسيولوجية، الممارسة العملية الاجتماعية، في إطار التفاعل السوسيولوجي مع البراكسيولوجيا كعلم دراسة السلوكيات الإنسانية الاجتماعية المقصودة.

[2] - من الناحية الطبية والعلمية.

[3] - سيادة نمط العلاقات البراغماتية في جوهرها، والتي تعتمد على دمج الرهان المادي بالرهان المصلحي في نسق العلاقات الاجتماعية، الشيء الذي ينتج ظاهرة التنقيد المصلحي لعلاقات الإنتاج السوسيو-اقتصادية.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR