موزاييك الحصار لعبد الوهاب عزاوي

مراجعة كتاب بقلم محمد حجو

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

قلَّما تجتمع ضمن عملٍ نثريٍّ بصماتُ شاعرٍ ورسَّامٍ وكاتبٍ وحالم، الأمر الذي لن تخطئه لا العين الخبيرة أدبياً، ولا تلك الهاوية حال قراءتها لهذا الإنجاز المميز. الدكتور عبد الوهّاب عزاوي؛ الطبيب والشاعر والكاتب، يقدّم لنا في عمله الفريد من نوعه مزيجاً بين الواقعية البحتة والخيال الخصب. الواقعية التي ينقلنا من خلالها إلى شوارع مدينة دير الزور وبيوتها، مصوِّراً لنا حال أهلها الذين يعيشون حصاراً خانقاً فرضته عليهم انتفاضةٌ تحوَّلت إلى ثورةٍ ومن ثمَّ إلى حرب. هذه الواقعية لم تخلُ من وقفاتٍ مع خيال الكاتب وحياته الشخصية عملت على انتشال العمل من كونه مجرَّد شهادةٍ يُدْلي بها أحد الشهود، ووضعه في خانةٍ بمفرده كما يليق بتفرُّد محتواه.

مقدمة

يعرِّف الكاتب العمل بنفسه ملغياً الحاجة لتعريفه خارجياً فيصفه بأنه ((مذكرات تسعى لتوثيق حصار دير الزور الثاني والذي بدأ في النصف الثاني من شهر حزيران 2012))، ليدخل بعدها في سلسلةٍ من التوصيفات لهذه المذكرات. استخدام كلمة موزاييك ككلمة أولى في عنوان الكتاب جاء موفَّقاً للغاية؛ لكون العمل لوحة فسيفسائية بامتياز.

العمل مقسَّم إلى 129 صفحة -بعد تجاهل الصفحات الفارغة- أطَّرها الكاتب ضمن مقاطع بلغ عددها 183، تراوحت بين قصيرة يحوي معظمها أخباراً متفرِّقة تغلب عليها التقريرية في الأسلوب وتقترب من التلقائية، وأخرى طويلة اشتملت على أفكارٍ ورؤىً صاغها الكاتب في قوالب أدبية غير مطروقة بالمجمل. اللغة المستخدمة أدبية ورفيعة المستوى مع بعض الاستثناءات لكلمات باللغة العامية كان وجودها ضرورياً لتوضيح الفكرة المطروحة.

 

سردٌ وخواطر

عموماً، يتراوح العمل بين سردٍ تقريريٍّ لأحداث مرَّت بحياة الكاتب أثناء الحصار الذي عاشه في دير الزور، وبين مقاطع مشبعة بفلسفة خاصة في الحياة وصور أدبية راقية، وهو الأمر الذي يشير إليه الكاتب فيقول: ((اكتشفت أنَّ لغتي تغيَّرت بعمق بين المقاطع الأولى في هذا العمل وبين المقاطع الأخيرة، هناك انتقال من اقتضاب في تسجيل فكرة ليس أكثر، نحو كتابة مسهبة فيها استطرادات)). ولعلَّ السمة الأبرز لوصف هذا العمل هي العشوائية في الطرح؛ فتارةً يتحدث الكاتب عن متاعب الحِصار ومشاكل القصف ليأتي المقطع اللاحق مناقشاً مشاكل المثقفين ومتاعب العمل في المشفى. سمةٌ أخرى بارزة من سمات العمل هي السردية في التعامل مع أحداث متفرقة والتركيز على مواضيع دون غيرها.

تناثرت ضمن العمل لمحات توثيقية متفرقة، لكنها لم ترتقِ بالعمل إلى مستوى الشهادة التي من المفترض أنَّ هذا العمل ينتمي إليها، وإنَّما جاء العمل أقرب إلى خواطر إنسان عايَشَ جزءاً من الوضع السوري مُرْغَماً. كما أنَّ هذه اللمحات جاءت كتحصيل حاصل لوضع الكاتب كطبيب يقطن منطقة محاصرة من مدينة دير الزور؛ المرضى الذين يترددون على المشفى أو العيادة أو المنزل، والأخبار التي يتناقلها الناس، إضافةً إلى الأحداث التي يعايشها الكاتب نفسه ضمن حرم منزله، وبعض الهواجس والأحلام.

يتلمَّس القارئ أثناء رحلته بين ثنايا الكتاب حميميةً في تعاطي الكاتب مع المفردات الوجودية من حوله؛ الأثاث على سبيل المثال ينبض بالحياة أحياناً، الحيوانات تشارك الإنسان عميق أزمته فتطرأ عليها تغيرات سلوكية يرصدها الكاتب (الكلاب والحمام الذي لم يعد يخاف البشر)، تصوير وحشية الجيش النظامي التي لم تقتصر على البشر، بل تعدَّتها لتطال أسماكاً يقتلونها بالقنابل اليدوية!

قصص مروِّعة وأحداثٌ مأسويةٌ ينثرها الكاتب بين خواطره مشاركاً إيَّانا التعجُّب والاستغراب من المآل الذي وصل إليه السوريون. فقد شكلت المنامات والكوابيس التي يخوضها الكاتب الجزء الخيالي والأدبي من العمل؛ برمزيتها التي يفسِّرها الكاتب تاراتٍ ويهمله تاراتٍ أخرى خفَّفت من وطأة السردية التي تغلب على العمل.

إحدى أهم سمات الحصار التي يُلمِّح إليها الكاتب هي قدرته على تحويل الوقت الذي كان يقطع كالسيف، إلى حِمْلٍ ثقيلٍ يجثم على صدر المحاصرين ويحيل دقائقهم فترات أزلية من الزمن يحارون في كيفية قضائها. انعدام الأمان يظهر جليَّاً أثناء قراءة العمل؛ الشوارع المقفرة، القنَّاصة المنتشرون وألعابهم المريضة مع المارة الذين تضطرُّهم الظروف ليخرجوا من بيوتهم، القصف المدفعي والجوي على المناطق "المحررة"، الألغام المنتشرة بكثرة، وتحدي الموت –أو اللامبالاة بالحياة- الذي يبديه بعض الأهالي بجلوسهم أمام بيوتهم متجاهلين سقوط القذائف من حولهم.

يتساءل الكاتب عن جدوى الثقافة والمثقفين وجدوى الكتابة ككل في ظلِّ دمويةٍ تكاد تبدو عجائبية لهولها. إضافةً لذلك فهو يسخر من كتاباته السابقة التي ظنَّها ذات أهمية وقت كتابتها، ويصف المثقَّفين بالمتفرِّجين الذين لم ينالوا شرف الهزيمة.

كما يبرز في الصفحات الأخيرة من العمل خوف الكاتب على الجيل الجديد الذي تربَّى على مشاهد القتل على التلفاز بدل قصص الحب، وينسى أن يسأل نفسه: ((تُرى ما الذي قدَّمه الجيل الذي تربَّى على قصص العشق والغرام لنفسه أو لوطنه أوللعالم؟)). يقع الكاتب هنا في رأيي ضمن فخِّ النوستالجيا الزائفة التي تدفعنا إلى استعادة اللحظات الجميلة من ماضينا، وتناسي المآسي التي كان يعجُّ بها. وفي تلخيص للوضع السوري يقول لنا الكاتب على لسان أحد الأشخاص: ((ويلي من الذي يحررني (الجيش الحر)، وويلي من الذي يحميني (جيش النظام))).

 

بين الطب والأدب

يتخلَّل الكتاب ومضاتٍ من مهنة الكاتب كطبيب والتي صبغت العمل بلونٍ إنسانيٍّ فريد، ميَّزه عن غيره من الكتابات التي تناولت الوضع السوري الراهن؛ إذ لطالما كانت مهنة الطب محاطةً بهالةٍ من القدسية والإنسانية مكَّنتها من أن تمثِّل صوت الحكمة والرحمة في آنٍ معاً.

أذكر من هذه الومضات: ((ألبوم الموسيقى يتسرب كالسيروم في الوريد))، هذه الصورة الطبية البحتة ستشكل لأيِّ مارٍّ بهذه التجربة صورة حية ولذيذة ولكنَّها للأسف ستخبو أمام الذين لم يمروا بها؛ شخصياً أعجبتني جداً وأحسست بها، ((الدونكيشوت فصامي كونه يعيش في هلوساته)) ... ((المريض المتألم بصمت قد تكون حالته أخطر من القادر على الصراخ بين الغضب واليأس)).

 

الدونكيشوت السوري

نجد إسقاطاً للتجربة الخالدة لدونكيشوت في مواجهة الطغيان على الواقع السوري السياسي والثوري بعد الثمانينيات، وبخاصة بعد خروج المناضلين من المعتقلات وفشلهم في مواجهة أو مجابهة الواقع الجديد وانهزامهم تماماً  كما انهزم دونكيشوت. أسباب الفشل كما يلمِّح لها الكاتب لم تعد في ذلك الوقت محصورةً باستبداد النظام وطغيانه، بل غدت في إفلاس جيل المعتقلات بعد تحرُّره من الأسر الجسدي لاكتشافه أنَّه ما زال يقبع تحت قيود فكره. إضافةً إلى خسارة هذا الجيل لزخم المعتقل على حدِّ تعبير د. عزاوي.

يستشف القارئ أيضاً وهو يقرأ التفاصيل التي سردها الكاتب من رواية الكاتب العملاق سيرفانتس "دونكيشوت"، مقارنةً خفيةً بعض الشيء بين أحلام دونكيشوت التي قد تبدو للوهلة الأولى ساذجة، وبين أحلام الشباب الذين كانوا نواة الاحتجاجات والمظاهرات. كما وقد يتبادر سؤال مهم إلى ذهن المتبحِّر في هذه السطور؛ هل كنا دونكيشوتيين وقتما حلمنا بالحرية التي خرجنا من أجلها والتي ضحَّى الكثيرون بأرواحهم فداءً لها؟

هذا التشبيه يبرز أكثر أثناء كلام الكاتب عن الكيفية التي بدأت بها شخصية دونكيشوت ببناء أسطورتها؛ حيث ابتدأت أولاً باختيار اسمٍ للحصان والسيف والخوذة ومن ثمَّ اسمٍ لنفسه، كما وابتدأ الرواية متحدِّثاً بالضمير المخاطب لينتقل بعدها إلى ضمير المتكلم من المحيط إلى المركز. الأمر ذاته ينطبق على الشباب الثوري، الذي انطلق تحت تأثير حماسه لتدمير أصنام القمع والتخلُّف من حوله وغفل عن الجهل والعصبية والطائفية وغيرها من الأمراض المستبدَّة بأوصاله. هذه الغفلة ظلَّت مستترة في الشهور الأولى عن أعين من خرجوا بعفوية يطالبون بحقوقهم، لكنَّها لم تكن نائمة، بل استمرَّت بالنمو لتنفجر أخيراً في وجه الشعب السوري متَّخذةً أشكالاً مختلفة كالتطرُّف والولاء الأعمى والفساد..الخ. وقد يكون أكبر الفروقات بيننا وبين الدونكيشوت هو أنَّنا عندما حان الوقت لنختار اسم فروسيتنا، تحاربنا فيما بيننا وانشغلنا باقتسام الفرس ومستلزمات الفروسية عن بناء الفارس.

 

تفاؤل خاطئ في انتظار الغضب

الكاتب كما يصوِّر نفسه متذبذبٌ بين اليأس والغضب كحال معظم السوريين الذين يجدون نفسهم مشبعين بالغضب، وغير قادرين على فعل شيءٍ أمام هذا المارد الضخم الذي يحاول الخروج من قمقمه دون فائدة، فيركنون إلى اليأس الذي ينتصر هنيهة، ليتبدَّد بعدها هذا النصر بحدثٍ جلل يعيد الأمل للمارد بمعاودة محاولاته الفاشلة.

للأسف، فإنَّ بعض أفكار الكاتب المطروحة حول الانتفاضة والثورة ومستقبل سوريا يتخللها شيء من التبسيط، فهو يُعوِّل على المثقفين والمتظاهرين في منع تكرار جلوس مستبدٍّ آخر على كرسي الحكم، لتغيب عن ذهنيته اللعبة الدولية القذرة التي تُدار على أرض سوريا بين دولٍ عظمى سيكون المنتصر بينها هو من يقرِّر مستقبل سوريا وليس الشعب. إضافةً إلى أنَّ نواة الثورة الممثَّلة بالمتظاهرين السلميين الذين ابتدؤوا حراكاً شعبياً سرعان ما تحوَّل إلى صراعٍ مسلَّح، أغلبيتهم في السجون أو موتى أو مهمَّشون، وسيكون من الصعب جداً إعادتهم إلى واجهة الأحداث في المرحلة القادمة، وذلك لأنَّ وجوهاً جديدةً كالحةً ومشبعةً بالخبث السياسي قد سيطرت الآن على العملية السياسية، وأصبح اختراقها أوتغييرها في حاجةٍ إلى ثورةٍ جديدة.

 

نخبوية الطرح

يظهر الكاتب من خلال بعض المقاطع نخبوياً بعض الشيء؛ غيظه من لوحاتٍ شاهدها في متحفٍ في العاصمة البريطانية لندن، انزعاجه من بعض لوحات بيكاسو، استرساله في الحديث عن كونديرا وسرفانتس والموسيقا الكلاسيكية، إلخ. هذا التعالي أفقد الكتاب في رأيي قاعدةً شعبيةً لا بأس بها، حيث كان بإمكانه طرح أفكاره بطرقٍ أخرى لا تُظهر نبرة متعالية وفوقية.

إنَّه لمن المتفَّهم أن تكون هذه الجمل والعبارات والمقاطع الكاملة المغالية في التعمُّق الثقافي وليدة اللحظة التي كتبها بها عندما كان الكاتب يحاول أن يفرِّغ أفكاره على الورق، ولكنَّ سؤالاً هاماً كان لا بدَّ أن يزور الكاتب قبل تقديم كلماته لتنشر على الملأ: ((هل أنشر كتابي حتى أقرأه أنا والنخبة المثقَّفة؟ أو أنَّني أعتزم أن يصل شيءٌ من أفكاري إلى عموم الناس؟)). للأسف جاءت كلماته لتعمِّق الهوَّة الآخذة في الاتساع بين المثقَّف والعامة، هذه الهوة التي أضرَّت بالمجتمع السوري بشدَّة في رأيي حيث انعزل الطرفان في كينونات مفلقة على نفسها فحال ذلك بين توحيد قوَّة الفكر من جهة والقوة الشعبية القادرة على تنفيذ الفكر من جهةٍ أخرى، ما أدَّى لخسارة المجتمع لأحد أهمِّ عوامل نجاحه: العقلانية.

يستغرب د. عزاوي من الحقد والحسد الذي يعصف بنفوس بعض الأشخاص الذين يعيشون ظروفاً اقتصادية صعبة، تجاه أولئك الذين يتمتَّعون بحظٍّ وافرٍ من المال، ويصف حالتهم بـ "الحالة الثورية المريضة". وهنا لا يختلف الكاتب في شعوره عن الغرابة التي كان يستشعرها الإقطاعيون والبرجوازيون قديماً وكبار الرأسماليين في الوقت الراهن؛ حيث أنَّهم لم يجرِّبوا يوماً أن يقضوا أياماً دون طعام بينما جيرانهم يتناولون ما لذَّ وطاب.

وكما وضَّحتُ سابقاً، ربما كان بإمكان الكاتب أن يختار كلماتٍ أكثر تعاطفاً في التعامل مع ما يراه سلبياً في المجتمع، ولو كانت هذه السطور نتاج أنامل جراحٍ فقط لشفع له ذلك، ولكنَّ الغريب في الأمر أن تخرج هكذا "قسوة" من كيان شاعر.

 

مقارنة لم تُكَلَّل بالنجاح

ينفي الكاتب امتلاكنا لإرثٍ ثقافيٍّ كان يمكن أن يظهر على شكل مسرح كما يُشاع عن بيروت أيام الحرب الأهلية، وينسى أو يتناسى أنَّ بيروت قبل الحرب الأهلية لم تكن محكومةً من قِبَل سلطة ديكتاتورية طمست الفنون والمسرح والثَّقافة وغيَّبَت الفكر في دهاليز السجون والسراديب، كما أنَّه يغضُّ طرفه عن حقيقة أنَّنا نعيش عصراً رقمياً عمل على نقل النشاطات الشبابية إلى شاشات الكومبيوتر والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

ربما لو بذل الكاتب بعض الجهد لشاهد صوراً رائعة الجمال من إبداعات الشباب ضمن هذه الأدوات، فخشبة المسرح ليست المكان الوحيد للتعبير عن الذات في هذه العصر، والتحدُّث عنه كممثّلٍ وحيد للثَّقافة يندرج تحت الكليشيهات الثَّقافية التي يمتاز بها مجتمعنا العربي.

 

ماذا عن المستقبل

يشارك الكاتب في استغرابه كثيراً من أفراد الشعب السوري الذين هالتهم قدرتهم على اعتياد الأهوال التي يعايشونها يومياً؛ الجثث المترامية والمتفسِّخة هنا وهناك، صوت إطلاق النار والقذائف، أخبار الموت اليومية وأعداد القتلى المتزايدة، الانقطاع المتواصل للكهرباء والماء، وغيرها من مظاهر هذه الحرب التي لم يكن ليجرؤ الكثيرون على مجرَّد التفكير بالعيش بين طيَّاتها، ولكنَّها غريزة البقاء التي تجعل كلَّ شيءٍ مستساغاً إذا ما قورن بفقدان الحياة!

عندما يعلم الناس باقتراب حصارٍ ما، فإنَّهم يلجؤون لتخزين الطعام وقايةً لأنفسهم من الجوع، إلا أنَّ انقطاع التيار الكهربائي المتكرر لفتراتٍ طويلة أدى إلى خلق معضلة التخمة والجوع. التخمة الناتجة عن الحاجة لاستهلاك الطعام قبل أن يفسد، والتفكير بالجوع المستقبلي الناجم عن الإسراف في استهلاك الطعام. هذه المفارقة يمرُّ عليها الكاتب مرور الكرام غير أنَّها تعتبر في حقيقة الأمر من أصعب ما يواجه الإنسان المحاصر. يبدو الكاتب حائراً في وصفه للأحداث من حوله، ومتذبذباً بين الآراء والإشاعات وحتى المواقف.

تتجلى إحدى أهمُّ المشاكل التي واجهت الثورة السورية -ألا وهي انعدام الرؤية المستقبلية- من خلال كلمات الكاتب التي تتحدَّث عن الحراكين السلمي والمسلَّح. وإذا كان كثيرٌ من المثقفين لم يستشعروا خطر التسلُّح على الثورة السلمية، فذلك للأسف عائدٌ إلى فشلٍ مستفحلٍ على الصعيدين السياسي والتاريخي.

تاريخياً؛ لم يكن من المنطقي بمكان أن يتوقَّع أي مثقَّف خَبِرَ النظام وجرائمه، أن تتخلَّى عائلة الأسد عن الحكم بالبساطة التي تنازل بها زين العابدين وحسني مبارك عن كرسيٍّ تشبَّثا به لعقود، وذلك ببساطة عائدٌ للتاريخ الذي سطَّرته الدبابات والصواريخ والسكاكين في ثمانينيات القرن المنصرم في حماه.

أما سياسيَّاً؛ فإنَّه من غير المستبعد أن تنطلي حيل الديموقراطية وحقوق الإنسان على العامة، إذ أنَّ كثيراً منهم كان يظنُّ أنَّ المجتمع الدولي لن يسكت على جرائم الأسد وسيتدخَّل لحماية المدنيين، ولكن أن ينخدع المثقَّف بهذه التصريحات المزيفة والعروض المسرحية التي يؤديها ساسة المجتمع الغربي فذلك يدعو للدهشة من انعدام النضج السياسي لهذه الطبقة المثقَّفة.

يستغرب الكاتب من موقفي كوبا وفنزويلا من الثورة السورية واللَّتان يترأسهما دكتاتوران تشافيز وكاسترو ومن بعده راؤول، لا يقلَّان استبداداً ووحشيةً عن بشار الأسد، إضافةً إلى عتبه الخفي على الأحزاب السورية واللبنانية الشيوعية واليسارية لإحجامهم عن دعم الانتفاضة السورية. هذا الاستغراب المتكرِّر ضمن مقاطع هذه الشهادة من بدهيات المجتمع  السوري والدولي على حدٍّ سواء، ساهم في إظهار ابتعاد تصوُّرات الكاتب قبل الثورة عما يجري حقيقةً من حوله.

 

هزيمة الوطن في دواخلنا بين مدينيتن

((وطني هو أسرتي وحدود منزلي!!)) هذه الكلمات التي تبدو مشبعةً بالعواطف والحنان الأسري، يمكن أن نلخِّص بها أحد أسباب فشلنا في القيام بثورة في سوريا. فإذا كان هذا لسان حال الشعب السوري بمعظمه، فأنَّى لانتفاضةٍ أن تقوم؟ وهيهات لهذا الشعب أن ينتصر. أنا لا أدافع بأيِّ حالٍ عن الأيديولوجيا العروبية الذي لقَّنتنا إياه كتب القومية الاشتراكية في المدارس، ولكن لا أرى أنه من المنصف اختصار الوطن في العائلة والمنزل. فلماذا دعونا كمثقفين للثورة ودافعنا عنها إن كنَّا لا نحتاج هذا الوطن؟

في النص مقارنةٌ بين العيش في مدينتين هما دير الزور؛ المحاصرة -مسقط رأس الكاتب- والتي يُعتبر أهلها ممن خرجوا بكثرةٍ في مظاهرات ضد نظام الأسد، إضافةً إلى سيطرة الجيش الحر على مناطق واسعة منها، ومدينة الرقة؛ التي فرَّ إليها الكاتب لسببٍ لم تفسره كلماته، التي تندر فيها الاحتجاجات ويُوصَف أهلها بالجُبن والولاء لبشار الأسد.

يتوضَّح ضمن هذه المقارنة مقدار الأحقاد التي بدأت تنمو بين الفئات المختلفة من الشعب بعد بدء الثورة وانقسام الشعب على نفسه؛ فالمؤيد للنظام يحقد على المعارض كونه يعدُّه سبباً في تعكير صفو معيشته وجلب دمارٍ لا طائل منه على البلاد، إضافةً إلى تسببه بظاهرة النزوح الداخلي والتي خلقت مشاكل لا حصر لها؛ كغلاء بدل إيجار المنازل، وقلَّة فرص العمل، إلخ. أما على الطرف المقابل، فقد امتلأ صدر المعارضين والثوار بالغلِّ تجاه المؤيدين والصامتين الحياديين ووصفوهم بالجبناء والمتخاذلين، وذلك لتقاعسهم عن نصرة إخوتهم الذين ضحُّوا بأرواحهم من أجل الثورة.

 

سقى الله أيام الفرنسيين والبحث عن بوعزيزي سوري

مقارنةٌ لجأ إليها العديدون ممن عايشوا الاحتلال الفرنسي وجدت مكانها بين مقاطع الكتاب؛ حيث يروي د. عزاوي قصةً أخبرته بها خالته عن تعامل الجيش الفرنسي مع رمي الأطفال للحجارة عليهم، إذ أعطوهم البسكويت ليمتصُّوا غضبهم، بينما لجأ نظام الأسد إلى الإجرام المبالغ فيه كوسيلةٍ للتعامل مع أبناء جلدته!

رمزية الموت حرقاً كعقابٍ للتفرج الصامت وصفعةٌ على وجه النظم الدكتاتورية. تجسيد بوعزيزي كشرارةٍ أشعلت المنطقة برمَّتها والتساؤل عمَّا إذا كانت رمزيته وبطولته لتستمر. فيما لو انتهج زين العابدين بن علي نهج نظام الأسد مع الشعب السوري. إضافةً إلى الإشارة إلى أنَّ اعتياد السوريين للموت وحضوره الدائم في يومياتهم قد سلب من الشهداء والأبطال حقَّهم في الخلود ضمن ذاكرتنا، وذلك لازدحامها بالآلاف منهم وتعبنا من حمل وزر خذلانهم جميعاً.

لم يوفَّق الكاتب في اختيار كلمة الأسطورة لوصف بوعزيزي وتوجَّب عليه في رأيي أن يقتصر على وصفه بالرمز. السبب في ذلك كون بوعزيزي أولاً: شخصية حقيقية وليست خرافية، وثانياً: ليس بذلك القِدم الذي يجعل قصته عُرضةً للتحوير، وثالثاً: أنَّنا نعيش عصراً بات فيه توثيق المجريات اليويمة قمةً في السهولة.

 

الأسد عنواناً للأزمة السورية

قد يكون من أهم ما أشار إليه هذا العمل حسب رأي كاتب هذه السطور؛ رمزية بشار الأسد لدى مؤيديه وطغيانها على أيِّ رمز أو بطل ثوري. أهمية هذه النقطة تنبع من كونها صحيحة لدرجةٍ مرعبة، فليس هنالك جدال بين مؤيدي النظام حول أحقيَّة بشار الأسد في حكم سوريا أو سداد رأيه، بل وحتى قدسيته عند البعض، بينما لا نجد أيَّ شخصيةٍ معارضة يمكن أن تقترب بشعبيتها أو التفاف الناس حولها لدى الثوريين والمعارضين.

ليس ذلك وحسب، بل إنَّ رمزية بشار الأسد وعائلته تطغى على المعارضين أيضاً؛ إذ أنَّهم بكليِّتهم -باستثناء ما يسمى المعارضة الوطنية التي يجمع الثوريون على كونها عميلة للنظام- يهدفون إلى الإطاحة ببشار الأسد وعائلته من على كرسيِّ الرئاسة. كل ما سبق أدَّى إلى تصيير بشار الأسد ممثلاً للأزمة السورية بلا منازع -وذلك قبل ظهور داعش وجبهة النصرة- حيث أنّه ببقائه أو زواله تنتهي الأزمة.

ينهي الكاتب العمل بالحديث عن قراره بالسفر خارج سوريا متوجهاً إلى اليمن. الحديث جاء موجزاً للغاية ومتبوعاً باعتراف بالهزيمة الفكرية أمام ما تحوَّلت إليه البلاد، بالإضافة إلى نظرةٍ تشاؤمية للمستقبل يتخلَّلها بعض الأمل بمستقبلٍ أفضل لابنتيه.

 

في الختام

إنَّ المراقب للأعمال النثرية الصادرة بعد الثورة السورية لا تغيب عنه صفة الشَّخْصَنَةِ الطَّاغيةِ عليها. لقد عملت هذه الصفة على تقريب هذه الأعمال من قلب القارئ الذي وجد فيها مزيجاً من أدبٍ افتقده طيلة السنوات الماضية، وواقعيةٍ هو بأمسِّ الحاجة إليها في هذا الواقع السوريالي الذي يعيشه السوريون كلَّ يوم.

ومن الأعمال التي تندرج تحت الوصف السابق؛ كتاب "تقاطع نيران" للكاتبة السورية المميزة سمر يزبك، حيث حاولت من خلال خبرتها كصحفية وأديبة توثيق الشهور الأولى من الثورة أو الانتفاضة السورية من خلال شهادات بعض الناشطين وشهود العيان، بالإضافة لما خَبِرَتْهُ بنفسها من مظاهر القمع والتضييق من قِبَلِ أتباع النظام السوري.

ولعلَّ أكثر التجلَّيات وضوحاً لشخصنة الأدب المعاصر للأزمة السورية تتمثَّلُ بـ "دار بيت المواطن" للنشر والتوزيع والتَّابعة للرابطة السورية للمواطنة، حيث أخذت على عاتقها نَشْرَ سلسلةٍ من الشَّهادات السورية والمكوَّنة من كتاباتِ أشخاصٍ ليسوا بالضرورة مُحْتَرفين للأدب، لكنَّهم عايشوا جانباً أو أكثرَ من المعاناة التي ترْزح تحتها سوريا وقدموها بأسلوبٍ أدبي رفيع: كالاعتقال، كما في كتاب "إكثار القليل" و"كمن يشهد موته"، أو الحصار، كما في كتاب "موزاييك الحصار" الذي تناولناه بالتحليل في هذه المراجعة حيث نجح د. عبد الوهاب عزاوي، من خلال هذا العمل، في تقديم عملٍ يمتاز بالحداثة والأصالة في آنٍ معاً، ووظَّف لتحقيق ذلك خبرته العلمية والأدبية.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR