الرواية المفقودة لفاروق الشرع

مراجعة كتاب بقلم ميلاد العودة الله

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تقدم هذه المادة مراجعة نقدية لجانب من مذكرات وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع في كتابه "الرواية المفقودة". جاءت هذه المذكرات لتؤرَّخ حتى وفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، الذي تم تقديمه في صورة مثالية كشخص منزَّه عن الأخطاء والنقد. رغم هذا التحيز إلا أن الكتاب مهم عبر تأكيده لكثيرٍ من الروايات التي لم يكن القارئ العربي يستطيع تأكيدها بشكلٍ قاطعٍ قبلاً. ركز الكتاب في جانب كبير منه على المفاوضات السورية الإسرائلية قبل عام 2000، لكنه أغفل سنواتٍ عشر من تاريخ سوريا المعاصر، اشتملت على المرحلة الثالثة من المفاوضات التي حدثت بوساطةٍ تركية عام 2008، وقد كانت الأكثر أهمية، رغم عدم شهرتها، فقد كادت أن تؤدي لتوقيع اتفاقية سلامٍ بين سوريا وإسرائيل. لا بدَّ من الإشارة بأنَّ هذا الكتاب كان مفيداً بشكلٍ كبيرٍ في الاستدلال على حلقاتٍ مفقودة من تاريخ سوريا المعاصر، وبخاصَّةً مسألة المفاوضات مع إسرائيل، ومجرياتها وآلية اتخاذ القرار في سوريا بشكلٍ عام.

مقدمة

أصدر "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" مذكرات نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، وقد كان هذا الإصدار مفاجئاً لأكثر من سبب؛ فالكل بات منشغلاً بشكلٍ مطلق بتطورات ثورات الربيع العربي، والتي تشكِّل الثورة السورية أهم حلقاتها، حيث باتت تسبب صراعاً إقليمياً وعالمياً، وقد ظهر السيد فاروق الشرع منذ بداية الاحتجاجات التي وقعت في مسقط رأسه درعا، داعياً للإصلاح والحوار مع الطرف الآخر، ونبذ العسكرة وسياسة الحديد والنار، التي انتهجها النظام السوري بشكلٍ متواتر مع تطور الأحداث، ما أدى لتوسع رقعة الاحتجاجات، لتتبلور وتتشكَّل صورة لأهم ثورة في القرن الواحد والعشرين، والتي لا يدري أحدٌ كيفما ستنتهي.

لقد جاءت هذه المذكرات في وقتٍ لم يكن أحدٌ منتظراً أيَّ مذكراتٍ لأشخاصٍ عملوا في الدولة السورية، رغم أهمية الشهادة التي تأتينا اليوم في كتاب سماه مؤلفه "الرواية المفقودة"، نكايةً عن سرده للرواية السورية لأحداثٍ طالما التزم الطرف السوري الصمت تجاهها، وأهمُّها مسألة المفاوضات السورية الإسرائيلية، فقد كان من المستحيل أخذ أيَّة معلومات من الطرف السوري، إلا ما أرادوا تسريبه عمداً. إلَّا أنَّ ما حدث في الدولة السورية بشكلٍ عام ،ثم ما حدث مع فاروق الشرع بشكلٍ خاص، بسبب موقفه من تلك الأحداث. في ظلِّ الروايات الكثيرة التي تقول بأنَّه تحت إقامة جبرية. لا بدَّ أنَّها غيَّرت نظرته لكثيرٍ من الأمور التي شهد عليها، أو تجاهلها قصداً، وفي مديحه الذي كاله لحافظ الأسد، وتبريره لسياساته، فقد كان هذا الكتاب في كثيرٍ من أجزائه كأنَّه دفاع عن سياسات النظام، وعن قرارات حافظ الأسد في فتراتٍ متباعدة وهامة، لسنا هنا في صدد مصادرة شهادته على أحداث هامة عاصرها وعاشها، فهو يؤكِّد منذ البداية أنَّ كتابه مجرَّد شهادةٍ لا ترقى لمستوى التوثيق، طبعاً للكاتب الحرية في قول ما يعتقد والدفاع عنه، وتبرير أيَّة أحداثٍ حصلت معه، ولكنَّ هذه الشهادات تعتبر وثائق هامَّة لا بدَّ من توخى الحذر في نقلها أو تبريرها..

لست أدري كذلك، إن استطاع الناشر أخذ الموافقة على النشر من فاروق الشَّرع، مع استحالة الأمر حسبما أرى، ولكنِّي أعتقد أنَّ الكاتب الآن، يريد بشدَّة تعديل الكثير مما كتب، وإضافة أشياءٍ أكثر على روايته المفقودة لتصبح مكتملةً في كثيرٍ من أجزائها. فدور فاروق الشرع لم ينته بعد ما دام حياً، فما زال الكثير من السوريين يعلِّقون عليه الأمل الأخير في منع انهيار الدولة بعد سقوط النظام، وهذه اللحظة قادمةٌ لا محالة، لذلك فشهادته لم تنته بعد، وبعدها ربَّما يجد الشرع الوقت لإعادة توثيق ما سقط أو أُسقِط، لست أفهم كذلك دفاع الناشر عن هذا الكتاب، أهو خوفٌ من سقوطه بالضربة القاضية قبل أن يمنح للقارئ فرصةً قراءته ثم الحكم عليه، أم هو اقتناعٌ بروايةٍ مفقودةٍ في كثيرٍ من أجزائها ومنقوصةٌ مجتزأةٌ في نقل الأحداث كما حدثت!! هذا الكتاب الذي يتغنَّى بالنظام السوري، كان يجدر بالناشر الذي تبنَّى الثورة السورية، أن ينقل الكتاب دون ذلك المديح، ليس لأتَّه لا يستحقه، ولكن بسبب الحساسية المفرطة التي تفرضه الأحداث المصاحبة في التعامل معه.

وفي النهاية لا بدَّ من التأكيد، بأنَّ ما ذكرناه وما سيُذكر، لا يقلِّل أبداً من أهمية الكاتب وشهادته، ولكن مهمة الناقد تتجاوز مهمة القارئ للبحث فيما كتب، وفيما لم يكتب، وكذلك التعقيب على التعليقات والآراء والأفكار الجديدة التي طُرحت، فهناك كلمات في هذا الكتاب الصامت أصدرت ضوضاء كبيرة لا يمكن تلافيها:

((كلما استرجع هذا الجدل الذي كان يحتدم عند كلِّ منعطفٍ وطنيٍّ صعب، استرجع معه صورة أهل درعا يوم الانفصال، وهم يخرجون إلى الشوارع بالآلاف ساخطين على الانفصال، والرصاص ينهمر عليهم من قبل الأجهزة ذاتها التي كانت تتعقبهم وتطاردهم أيام الوحدة، وكنت أتساءل كلَّما عادوني هذا المشهد متى ستُصحَّح الأمور، ويصبح الشعب كلُّه في موقعٍ واحدٍ مع الجيش العقائدي في مواجهة العدو الإسرائيلي)) ص31.

إنَّها الفقرة العاطفية الأخطر بامتياز، فلم يتغير شيءٌ منذ تلك الأيام، وما زال الناس يحتجون، وما زال الرصاص ينهمر من قبل الأجهزة ذاتها، وبالتأكيد ما زال المشهد يعاوده في ظلِّ الأحداث الدامية في الثورة السورية، ولكنَّ الشيء الأكيد أنَّ تصحيح الأمور كان يحتاج ثورةً حقيقية، بكلِّ آلامها وجراحها وأهوالها وأحلامها، وقد اقتربت ساعة الإجابة عن سؤاله كثيراً.

 

حياته المبكرة

وُلِدَ فاروق الشرع في مدينة محردة بريف حماة عام 1938، ولم يتسنَّ له التعرف على مسقط رأس والديه إلا في التاسعة من عمره بسبب تنقُّلهما المستمر، حيث عادا أخيراً إلى مدينة درعا، وهنا يعود الشرع بذاكرته لأيام الطفولة المبكرة بكثيرٍ من الحنين والدفء مضيفاً عليها البساطة والحيوية، كما يُعرِّفنا للبيئة التي نشأ فيها وترعرع، بيئةٌ قوميةٌ بامتياز. تلك الذاكرة الطفولية، التي داعبت ذكرياتها أوجاع النكبة الفلسطينية المبكرة عام 1948، التي تجسَّدت في شخصية صديقه الفلسطيني محمود عرب، الذي يؤكِّد أنَّه عائدٌ لا محالة، وجاء ثِقل المأساة، ليُلقِ بظلاله على الداخل السوري، عندما حدث انقلاب حسني الزعيم، وعلى الرُّغم مما قرأنا عنه كجيلٍ لم يعش اللحظة تلك، أستغرب كون هذا الانقلاب على الشرعية السياسية قد قابله مسيراتٌ وهرجٌ وفرح، حيث يذكر الشرع أنَّ هذا الانقلاب: ((ملأ الدنيا والإذاعات صخباً، وربطناه من حيث ندري أو لا ندري بفلسطين عند سماع البلاغ رقم /1/ الذي بدا كأنَّه الضوء الساطع للخروج من نفق النكبة)) ص22.

وجاءت الانقلابات السياسية التي أطاحت بالقادة العسكريين واحداً تلو الآخر، إلَّا أنَّ الشيء الأكيد ازدياد أهمية المؤسسة العسكرية، وسيطرتها بشكلٍ كبير على السياسة آنذاك، حيث يفسِّر الشرع هذا الأمر بالقول: ((لقد شعر الكثيرون من التيارات السياسية التقليدية أنَّ المؤسَّسة العسكرية في سوريا، وفي كثير من بلدان العالم الثالث، هي المؤسَّسة الأكثر تنظيماً وتماسكاً، مقارنة بالمؤسسات المدنية، وأنَّ عناصرها الشابة القادمة لخدمة العلم من مختلف أرياف الوطن هم الأوفر حظاً، والأقدر على التعامل مع التقنيات المتطورة، والعتاد العسكري الحديث، فضلاً عن تمتع المؤسَّسة العسكرية بميزانية مرتفعة، وغير قابلةٍ للنقاش)) ص25.

إنَّ ما ذُكِر كان يمثِّل الصراع الدائر داخل المجتمع، بحكم فجيعته الأولى بالنكبة، والتَّبعات التي أحدثتها خسارة الحرب الأولى، كما كان يمثِّل صراعاً بين الطبقة البرجوازية المستنيرة التي كانت تسيطر على كلِّ شيءٍ في البلاد من طرف، وبين أبناء الريف القوميين، الذين جاؤوا من قراهم ليسيطروا على الجيش، ثمَّ على الحياة السياسية في البلد آنذاك.

وبهذا يتصاعد تأييد فاروق الشرع للفكر القومي، الذي ينطلق منه لتبرير أسباب الإخفاق، والانهيار العربي الحاصل: ((لقد ثَبُتَ بالدليل القاطع أنَّ الإخفاقات، والهزائم والاتفاقات المذلَّة منذ النكبة الأولى عام 1948، ما كانت لتحصل لولا الفصل بين حرية الوطن وحرية المواطن، أو الادعاء غير المبرهن عليه بأنَّ حرية المواطن، لا يمكن تحقيقها من دون ضبط حركات المواطن، وكبت أنفاسه، فبقيت الحرية ماركة مسجلة لأمريكا وللغرب حصراً)) ص31، هذه الجملة غير واضحة، ويصعب فهمها، فإن كان القصد أنَّ الفصل هي بين حرية الأرض الملموسة، وحرية المواطن السياسية، هو الذي جلب الهزائم، فيجب التذكير بأنَّ ما حصل في سوريا من عسكرةٍ للمجتمع، وإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، كانت أولى تبعاته الاستبداد، وقمع الحريات، فلا شيء يعلو فوق صوت المعركة! كما يجب التذكير أيضاً بالطفرة السياسية التي كانت تشهدها سوريا في الخمسينات من القرن الماضي، من تنوعٍ حزبي، ونشاط سياسي وحركة فكرية مستنيرة، قضت عليها الانقلابات وجفَّفتها، فلم تَسلَم أيام الوحدة، ولا أيام الانفصال، ثمَّ جاء انقلاب آذار 1963 لتكون أولى قراراته فرض حالة الطوارئ، وإلغاء الصحف، هذا الانقلاب الذي يعده فاروق الشَّرع ثورةً بمفهوم تلك الأيام: ((لقد كان مفهوم الانقلاب في ذلك الوقت بمنزلة الثورة التي داعبت أحلام الكثيرين من الضباط والسياسيين الصاعدين. ولا غرابة أن ترد في النص الرسمي لدستور حزب البعث أنَّ البعث حركة انقلابية شعبية، ولم تسمَّ ثورة إلا تجاوزاً في آذار 1963)) ص24.

لقد أظهرت الأيام بأنَّ الانقلابات التي حدثت في سوريا مُبرَّرة بأولويات الحرب على إسرائيل وتحرير فلسطين، كانت نتائجها القمع والاستبداد والفساد وسلب الحريات، ولا يمكن التحرير انطلاقاً من الاستبداد، كما لا يمكن تبرير الانقلاب وجعله ثورة.

 

الدراسة الجامعية

انتقل فاروق الشَّرع لدراسة الأدب الانكليزي في جامعة دمشق، وقد جمع بين الدراسة والعمل، حيث استطاع الحصول على وظيفةٍ في مؤسسة الطيران، وبعدها تعرَّف على حافظ الأسد قبل حدوث ثورة 1963 بفترةٍ قصيرة. وتأتي الفترة الأصعب في تاريخ حزب البعث بين عامي 1963 و1970 التي: ((شهدت شتى أنواع الانقلابات الفاشلة والأزمات المستعرة، على غلٍّ ــ بين شخصياتها المؤثِّرة في الساحة السورية. ترافقت بعض هذه الأزمات مع أشكالٍ غريبةٍ من الانشقاقات والاعتقالات والإعدامات من دون محاكمة، بعضها بدوافع شخصيةٍ طامحة لبلاغ رقم /1/)) ص33.

لقد كانت هذه الفترة بمجملها تشهد صراعات داخل حزب البعث بين اليسار واليمين، وبين طموح قادة عسكريين برزوا في تلك الفترة، لتفرز الصراعات بقاء الأقوى، وليس مثلما يذكر فاروق الشرع عن ترفُّع حافظ الأسد عن هذه الصراعات: ((كانت مشاكل حماة 1964، على الرُّغم من إخمادها في غضون أيام، ذات تداعياتٍ خطيرة على المشهد السوري، فبرز في صفوف حزب البعث ميشيل عفلق المؤسِّس لحزب البعث وصلاح البيطار، المؤسِّس المشارك وصاحب القفزة النوعية، واللواء محمد عمران الوجه المعتدل من المؤسَّسة العسكرية في مواجهة أقطاب حركة 23 شباط 1966، وفي مقدمتهم صلاح جديد ويوسف زعين ونور الدين الأتاسي الأكثر يسارية في الحزب، وكان حافظ الأسد وزير الدفاع وقائد القوى الجوية آنذاك، يراقب من علٍ ما يحدث على الأرض)) ص35.

لقد أدَّى هذا الصراع الذي احتدم على السلطة بين البعثيين، إلى تشكيل مجلسٍ عسكريٍّ ثوريٍّ من الضباط البعثيين يحكم الدولة، إضافةً إلى: ((انحراف القيادات البعثية لأقصى اليسار، حتى أصبحوا على يسار الاتحاد السوفييتي، وخبرتهم لا تتجاوز سنوات ثلاث))ص36، وهذا ما يشبِّهه الشرع "باليسار الطفولي" في أكثر من مكان.

وجاءت حرب حزيران/يونيو 1967 ليُمنى الجيش السوري بفاجعةٍ كبرى، وهزيمةٍ مذلَّة وخسارة الجولان كاملاً. لم يحلِّل الشرع سبب الهزيمة إلَّا من زاوية الأخطاء المرتكبة، رغم أنَّ ما حدث أكبر من ذلك بكثير: ((في معظم الجيوش لا تحدث عادةً مراجعة علنية للأخطاء التي ارتكبت، لأنَّ المراجعة في بعض الحالات قد تقود إلى نوعٍ من الانقلاب. لكنَّ المراجعة السياسية في الوقت المناسب لا بدَّ أن تحصل بشكلٍ أو بآخر، وحافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع إبان عدوان حزيران 1967، لم يكن سعيداً بما حدث على الرغم من استبسال بعض الوحدات العسكرية السورية حتى الرمق الأخير عند بعض مواقع جبهة الجولان. لكن من يعرف حافظ الأسد عن قرب، يعرف بأنَّه كان يشعر بعمق الحرج، وفداحة الخسارة التي لحقت بالجيش وبه شخصياً)) ص38. هل نحن هنا بحاجةٍ لفتح ملف الجولان التي سقطت بدون أيَّةِ مقاومة، وقرار وزير الدفاع آنذاك للجيش المرابط بالانسحاب الكيفي؟ وما ترتَّب عليه في الداخل السوري حيث حملت هذه الهزيمة لبعض الأشخاص؟

كذلك يحاول الشرع التعليق على الميلودراما التي كانت تحصل في بعض الأحيان، ومنها ذلك المذيع الذي ظهر على التلفزيون الرسمي يقرأ نشرة الأخبار، حاملاً على كتفه بندقية، وأيضاً تلك الحفر التي وُضِعت للاحتماء من الغارات في دمشق، لكن الناس هم من سقطوا فيها لعدم وجود إشارات ضوئية تدلُّ عليها.

ويستمرُّ الصراع الداخلي بين النخب العسكرية الحاكمة، حتى قامت الحركة التصحيحية بقيادة حافظ الأسد، حيث نجح بالسيطرة على مقاليد الأمور: ((من المفارقات الغريبة التي أدهشت الكثيرين أنَّ الطروحات النظرية غير الواقعية من جهة، وإخفاقات الفصائل الفلسطينية في معركتهم غير المسؤولة مع الملك حسين من جهةٍ ثانية، سهَّلت من مهمة حافظ الأسد في إزاحة خصومه السياسيين من دون ضجَّة تُذكر. فأُودع صلاح جديد الأقوى في البلد وبعض رفاقه السجن بسهولةٍ لا يمكن تصديقها)) ص41.

يجب التذكير بأنَّ ما ذكره الشرع في شهادته على الأحداث السابقة غير مُجْدٍ، ولا يستحقُّ الوقوف عنده فهو ليس سوى تبريرٍ غير منطقيٍّ للأحداث التي شهدتها سوريا في تلك الآونة. وهناك من قام بشرحٍ أكثر لجهة ما حصل مثل كتاب رزق إلياس "مسيرة تحرير الجولان"، ولا بدَّ من ذكر الكتاب الفذ للباحث نيقولاس فان دام "الصراع على السلطة في سوريا"، الذي كان موجزاً ومكثَّفاً ولا بدَّ من الرجوع إليه لمن أراد الاستزادة، وكذلك كتابَيْ باتريك سيل عن سوريا.

 

العمل الدبلوماسي

عُيِّن فاروق الشرع سفيراً في إيطاليا عام 1976، وقد بدأ عمله بمفاجآتٍ كبيرةٍ وصعبة، تمثَّلت باقتحام السفارة السورية في روما، بعد تقديم أوراق اعتماده بأيامٍ من قبل فلسطينيين من جماعة أبو نضال. ثم جاءت بعد فترةٍ قصيرةٍ قصة اختطاف رئيس الوزراء الايطالي ألد مورو من قبل الألوية الحمراء اختباراً آخر، بسبب اتهامهم باختطافه، أو التلميح بذلك من قبل جهاتٍ معادية.

ويأتي عام 1979 الذي كان مثقلاً بالأحداث، فقد وُقِّعت اتفاقية كامب ديفيد بهذا العام: ((لعلَّ من المحزن أن يبدو ثمن توقيع الميثاق القومي بين سوريا والعراق هو زيارة السادات للقدس 1977، وأن يكون ما كسبته القضية الفلسطينية بنجاح الثورة في إيران عام 1979، يعادل ما خسرته بخروج مصر عن التزاماتها القومية، بموجب المعاهدة المصريةـ الإسرائيلية في العام نفسه. فلا شيء يحصل مجاناً في الشرق الأوسط، لكنَّ الزعيم المغرور في هذه المنطقة العربية، يمكن أن يدفع الثمن مرتين، ويتوهم أنَّه هو الرابح)) ص53. أعتقد أنَّه لا شيء يمكن أن يعوِّض خروج مصر من معادلة الصراع، رغم إيجابية بعض الأحداث التي صبَّت في صالح القضية الفلسطينية، وهذا ما دلَّت عليه الأحداث فيما بعد.

وتتالت الأحداث حيث بدأت العلاقات تتوتَّر بين سوريا والعراق، عندما أطاح صدَّام حسين بالرئيس أحمد حسن البكر، واستمرَّت العلاقة بالتوتر، حتى أعلن العراق عن مؤامرةٍ سوريِّةٍ عليه، تلك التي كانت كافية للإطاحة بالميثاق بين البلدين، وتحويل الحالة بينهما إلى توتُّر وربَّما لعداء.

 

الشرع وزير دولة للشؤون الخارجية

عُيِّنَ فاروق الشرع في مطلع عام 1980 وزيراً للدولة للشؤون الخارجية، وقد كان له شهادةٌ هامة حول حادثة الاغتيال التي تعرَّض لها الأسد عام 1980: ((أثناء زيارة الرئيس النيجيري في 26حزيران/يونيو1980، وعند توديع الرئيس عند الدرج أمام قصر الضيافة وقع الانفجار. أبعد الرئيس الأسد بشكلٍ عفويٍّ القنبلة الأولى بقدمه بينما ارتمى مرافق الرئيس الخاص اللواء خالد الحسين بجسده على القنبلة الثانية. أصيب الرئيس للتو بخدوش جارحة في ساقيه وصدره، بينما كان جسد الحسين مخردقاً بالكامل)) ص63. لكنَّ الشيء الغريب وصفه لما جرى فيما بعد: ((وكان المجرمون واثقون من أنفسهم، فلقد فرُّوا ببساطةٍ من مفرزة الأمن العسكري في القصر، اختفوا في اتجاه الأزقة المجاورة لساحة النجمة)) ص 63. ويتابع الشرع تحليلاً أعمق لحادثة الاغتيال متَّهِماً الحرس الرئاسي بالخيانة: ((كانت القنابل بدائية، ومن النوع التدريبي الذي لا يقتل بل يترك خدوشاً عديدة. لماذا لم يستخدموا قنابل فتَّاكة في حال أنَّ قصدهم هو القتل؟ وكان ذلك في متناولهم. هل كانت قنابلهم إلى الرئيس رسالةً خلاصتها نستطيع أن نقتلك إذا ما أردنا؟ أم كانت عملية استخدام هذه القنابل لإيقاع الفوضى والاضطراب، والمضي في خطةٍ أشمل؟ في تقديري كان التسلُّل إلى مفرزة حرس قصر الضيافة، قد تمَّ تسهيله من منافذ المؤتمنين على هذه الحراسة)) ص 64. لقد بُني على هذه الواقعة أشياء كثيرة منها الحرب المفتوحة التي شُنَّت ضدَّ تنظيم الإخوان المسلمين، تلك التي أدَّت لمجازر في حماة راح ضحيتها عشرات الآلاف، إضافةً للردِّ المباشر على حادثة الاغتيال التي كانت في مجزرة سجن تدمر الشهيرة.

 

المشاكل في كلِّ مكان

تتالت الأحداث بوقوع الحرب العراقية الإيرانية، الذي رفض الأسد تأييد العراق فيها أو مؤازرته عسكرياً، حيث كان يعتقد أنَّ أمريكا وراء توريط صدام حسين بهذه الحرب، والتي ستطول عكس ما يعتقد العراقيون. وبعدها جاءت إدارة ريغان مع وزير خارجيته هيغ المعادي لسوريا إلى البيت الأبيض، حيث اشتعلت أزمة الصواريخ التي نشرها الجيش السوري رداً على التصعيد الإسرائيلي، وتصاعدت وتيرة الأحداث في لبنان، فكان الضَّغط ينهال على الأسد من كلِّ جهة، حيث يؤكِّد الشرع بأنَّ عام 1980قد: ((كشف عن تغيِّر خطير في موازين القوى لمصلحة إسرائيل بعد خروج مصر، وفشل القمة العربية وتعميق الانقسام العربي حول الحرب العراقية الإيرانية، مع دخول ريغان للبيت الأبيض الذي سارع وزير خارجيته إلى توقيع مذكرة تقاهم مع أرييل شارون حول التعاون الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، تمهيداً لعملٍ خطيرٍ في المنطقة)) ص71.

لقد قوبِل تقدُّم شارون في حزيران/يونيو 1982 إلى بيروت بعرضٍ إيراني: ((بإرسال مئة ألف مقاتل إلى لبنان لصدِّ الإسرائيليين، أبدى الرئيس اهتماماً بالعرض الإيراني، وقلقاً في الوقت ذاته. اهتمَّ به من زاوية إفهام الأطراف المعادية لسوريا، بأنَّ سوريا ليست وحدها، وقلقَ منه بسبب أنَّه يشكِّل حرجاً لنا ولحلفائنا الفلسطينيين، حول النقص لدينا في القدرة العددية على مواجهة الغزو. لكن نتج منه بعد فترةٍ في المحصِّلة دخول أعداد محدودة من الحرس الثوري الإيراني، لدعم عملية إخراج القوات متعددة الجنسيات من لبنان، وفي لقاءاته اللاحقة مع بعض القادة العرب والمسؤولين الأمريكيين، استخدم الرئيس الأسد عدم قبوله لعرض الخميني، كي يسير إلى حدود الموقف السوري من إيران)) ص79. إنَّها قمة الدهاء في التعامل مع أحداث بالغة الدقة والصعوبة، والتي يمكن أن تؤدي إلى سقوط النظام، فهو يحارب الولايات المتحدة وإسرائيل، وقوات متعددة الجنسية، في ظلِّ صمتٍ للحليف الروسي، وانشغال إيران بالحرب مع العراق. وقد تتالت الأمور في لبنان لتزداد تعقيداً، حيث خسر الطرف السوري معظم طائراته في معركةٍ غير متوازنة مع الإسرائيليين، في حين ردَّ الاعتبار في معركة السلطان يعقوب، حيث استمرت المعارك حتى تمَّ التوصل إلى إجلاء اللواء السوري والفلسطينيين من بيروت، في ظلِّ سيطرة إسرائيل على لبنان وقراره السياسي، كما تمَّ انتخاب بشير الجميل تحت الحِراب الإسرائيلية رئيساً للبنان، لكنَّه لم يعمِّر بعدها طويلاً، حيث قُتِلَ في أيلول/سبتمبر 1982.

من الملاحظ في سردِ الشرع المكثَّف حول أحداث لبنان، ذِكرَه تفاصيلَ مجتزأة فقط دون ذِكر أسباب حدوثها أو النتائج السلبية لها، حيث يضَّطر القارئ إلى العودة لكتبٍ أخرى من أجل مقارنة الأحداث واستكمال ما أهمله الكاتب.

عودٌ على بدء، فقد تمَّ انتخاب شقيق بشير الجميل الرئيس أمين الجميل رئيساً، الذي كان يقدِّم نفسه بشكلٍ مختلف عن أخيه، وعن استعداده التعاون والعمل مع السوريين، ربَّما لأنَّه لا يريد مصيراً مشابهاً لأخيه. وقد جاءت تطورات الوضع في الاتحاد السوفييتي بوفاة بريجينيف، وتسلم أندروبوف القيادة، الذي وافق على دعم الحليف السوري، وتعويضه عن خسائره الفادحة في لبنان مع الإسرائيليين، وتبنِّيهِ لنظرية التوازن الإستراتيجي لسوريا مع إسرائيل، والعمل على تحقيقه: ((عاد الرئيس الأسد من موسكو بدعمٍ إستراتيجيٍّ سوفياتيٍّ قويٍّ لسوريا، ولإعادة بناء قدراتها العسكرية الدفاعية، وبأضراسٍ دفاعيةٍ فعلية. وشكَّل هذا الدعم أساس إعادة الرئيس الأسد النظر بنظرية التوازن الإستراتيجي بين مجموع القوى العربية وإسرائيل، إلى توازنٍ بين سوريا وإسرائيل على مختلف المستويات. وقرَّر الرئيس الأسد في ضوء هذا المتغيِّر الدخول في مواجهةٍ مع السياسة الأمريكية، التي تقوم على "مشروع ريغان"، وفرض اتفاق سلامٍ منفرد على لبنان، واتفاق حكمٍ ذاتي على الفلسطينيين. وكان قرار الرئيس الأسد يعني تحميل سوريا العبء الباهظ لتجسيد هذه النظرية، بعد أن كانت مسؤولية عربية)) ص84.

وجاء توقيع اتفاقية 17 أيار التي كانت أشبه باتفاقية سلام إسرائيلية لبنانية، على غرار اتفاقية كامب ديفيد، حيث صادق عليها البرلمان اللبناني، إلَّا أنَّ الأسد الذي وصفها بأنَّها "اتفاقية إذعان"، عمل منذ اللحظة الأولى على إسقاطها. فجاءت الاشتباكات على أكثر من جبهة، وخاصةً عملية تفجير مقر القوات البحرية الأمريكية والفرنسية، التي أدَّت لمقتل أكثر من 300 جندي، وأعقب هذين التفجيرين إسقاط طائرةٍ أمريكية كانت تستهدف مواقع قواتٍ سورية في البقاع، وأسر طيارها بوبي غودمان، الذي رفض الأسد تسليمه لريغان، بينما قام بتسليمه لوفد أمريكي، ولكن بالتأكيد فقد كان ثمن تسليمه باهظاً، ومنه قبول الوجود العسكري السوري بلبنان، وكذلك البدء بإسقاط اتفاق 17 أيار، وتراجع القوات الإسرائيلية للخلف.

وجاء تصاعد الخلاف بين الأسد وعرفات، لينتهي باتِّخاذ قرار إبعاده، فقد كانت فترات التصالح قصيرة يعتريها الشكُّ والريبة من قبل الطرفين، حيث وصلت الأمور لدرجة أن قرَّر الأسد طرد عرفات من دمشق إلى تونس عام 1983: ((قامت اللجنة المركزية لفتح بقيادة عرفات بفصل المنشقين، واعتبرتهم يعملون لمصلحة نقل القرار الفلسطيني إلى جهةٍ غير فلسطينية في إشارةٍ إلى سوريا. كان عرفات يذكر جزءاً من القصة، بينما يُغفل ذكر القصة الأهم، وهي الدينامية الفلسطينية للانشقاق. غضب الرئيس الأسد الذي فقد الثقة بعرفات من تحميل سوريا مسؤولية الانشقاق في فتح، فوافق دون حماس في 24 حزيران/يونيو 1983 على إبعاد عرفات عن سوريا بنصيحةٍ من عبد الحليم خدَّام وحكمت الشهابي)) ص95، الأمر الذي زاد العلاقة سوءاً، وحوَّلها فيما بعد لصراعٍ طويل، وقد كانت سياسة عرفات تقوم على التكتكة السياسية، أي أنَّه يمارس التكتيك السياسي بأبعد مستوياته، ليصبح فيما بعد إذا نجح إستراتيجية بحدِّ ذاتها: ((وإن كان فهمي لشخصية عرفات أنَّه يبالغ في التكتكة السياسية، إلى درجة أنَّها تحلُّ مكان الإستراتيجية في كثيرٍ من الأحيان... لقد كان قرار إبعاد عرفات حدثاً مدوياً، وقراراً غيرَ مبرر)) ص96.

جاءت مشاركة فاروق الشرع في الندوة التي عقدها مركز كارتر للسلام بتكليفٍ من الأسد، والتي كانت حول السلام في الشرق الأوسط، من أجل تقديم صورة جيدة عن الرؤية السورية للسلام، إلَّا أنَّ الشرع ردَّ بقسوةٍ على فيليب حبيب، وغيره ولم يوفِّر حتى الرئيس السابق كارتر: ((لكنَّ خروجي عن اللغة الدبلوماسية، كان حين وصفت المؤتمر بأنَّه لو كان صادقاً وجاداً في دعوته للسلام، لدعا الممثِّلين الحقيقيين للشعب الفلسطيني، أي ممثِّلي منظمة التحرير لسماع صوتهم. لقد لامني كارتر على هذا الوصف كما انتقدني سيسكو مستغلاً الخلاف المعلن بين سوريا وعرفات لإحراجي)) ص100. وفي المحصلة، فقد عاد الشرع بنتيجةٍ مغايرةٍ لسبب إرساله، بتقديم موقفٍ إيجابيٍّ من عملية السلام، وكذلك القيام بإحراج صديق الأسد كارتر.

 

الشرع وزيراً للخارجية

جاءت قصة الصراع بين حافظ ورفعت، بعد أن تمَّ إسعاف الأسد إلى المشفى، وقد بات رفعت يُعِدُّ العُدَّة لتسلُّم السلطة. إلَّا أنَّ حافظ الأسد الذي شكَّل لجنةً سداسية لتسيير أمور البلد، مستثنياً منها أخاه رفعت، تمكَّن من إعادة السيطرة على الوضع، هنا يذكر الشرع شهادته بالقول: ((لم أكن أستطيع التدخل، أو ما سمعته كذا)) ،كما يذكر الأزمة حاصراً إياها بالعلاقة العاطفية بين الأخوين. وفي الحقيقة فإنَّ ما ورد في كتاب الشرع لا يبيِّن ما حصل آنذاك فقد كاد ينفجر هذا الصراع، ويفجِّر البلد، ربما يكون الكاتب البريطاني باتريك سيل بكتابه "الأسد: الصراع على الشرق الأوسط"[1]، قد قدَّم صورة ًأكثر وضوحاً من تلك التي قدَّمها الشرع هنا، فالأخير يبسِّط الأمور بشكلٍ غريب: ((وفي تلك اللحظات وصَف لي الرئيس شقيقه بأنَّه ساذج ويسهل اللعب بعقله... لقد كان ساخطاً ومتألِّماً لكنَّه لم يكن خائفاً، ولا قلقاً على الاستقرار ولا على النظام في سوريا)) ص104 ... ((ومقابل ما كان يبدو للمراقبين وقوع البلاد على شفا هاوية، كان الرئيس واثقاً كلَّ الثِّقة بسيطرته على الوضع فيها، وكانت شكواه تتمحور حول سلوك شقيقه، ومغامراته والتلاعب به وليس حول وصوله إلى السلطة)) ص107.

وقد جاءت هذه الأحداث في ظلِّ إحداث الأسد تغييراتٍ حكومية وعسكرية، حيث عُيِّن فاروق الشرع وزيراً للخارجية في آذار/مارس 1984، وقد كانت المهمة الحقيقية الأولى له هي تكليف حافظ الأسد: ((بإيجاد مخرجٍ آمنٍ لرفعت))، أو بمعنى آخر نفيه للخارج بعد أن قام الأسد بتفكيك الأزمة، وإعادة الأمور لنصابها: ((قمت في ضوء كل ذلك وبطلبٍ من الرئيس الأسد، بإيجاد مخرجٍ لائقٍ لرفعت في إبعاده عن سوريا، من خلال زيارة رسمية للاتحاد السوفييتي بمراسم كاملة، باعتباره نائب الرئيس، ومنها إلى سويسرا مع حوالي 70 من ضباطه إلى أجل غير مسمى)) ص112. وقد نحج أخيراً بإقناع السوفييت بذلك، بعد أن رفض الفرنسيون طلبهم.

 

إسقاط اتفاق 17 أيار

تتالت الأحداث على الساحة اللبنانية، وخاصةً بعد تفجير مركز قوات البحرية الأمريكية، حيث استطاع الأسد أخيراً، إسقاط اتفاق 17 أيار بالتعاون مع حلفائه اللبنانيين. وقد كانت مهمة الشرع التالية هي إنهاء الصراع بين حركة أمل وحزب الله، المنشق عن الأخيرة حديثاً في عام 1982، بقيادة حسين الموسوي. وقد َتمَّت المصالحة بوجود وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي في دمشق، حيث تمَّ إنهاء الخلاف والوصول لمستوى من التنسيق بين الطرفين. إلَّا أنَّ الشرع لا ينفك مذكِّراً بابتعاده عن الملف اللبناني، وكرهه له: ((كانت اللعبة أعقد من تقديراتي، ولم أستطع تفسير السر الحقيقي لعناد الجميِّل في استلام الاتفاق، على الرغم من تلهفه للقاء الرئيس الأسد، إلَّا بعد نحو أسبوعين، وزادتني هذه المعرفة نفوراً من الغوص في الشأن اللبناني، الذي لا تنفع فيه الذِّمم واحترام العهود، فكلُّ شيءٍ قابل للانقلاب عليه والنكوص عنه. وهذا ليس عمل وزير خارجية بل عمل رجال أمن يجيدون العمل مع الميليشيات)) ص 126. لقد كان الشرع بعيداً عن التفاصيل حيث تولَّى عبد الحليم خدام نائب الأسد الملف اللبناني، بينما كان الشرع مكلفاً بالشق الدبلوماسي على مضض.

 

غورباتشوف ينهار

جاءت زيارة الأسد للاتحاد السوفييتي عام 1985، بعد تولِّي غورباتشوف دفَّة القيادة وقد قال له الأسد: ((نحن مستعدُّون لإعطاء أيَّة ضمانات يريدها الاتحاد السوفياتي. المهم أن يكون على أرض سوريا ما يردع الآخرين عن العدوان، وليس مهماً أن يكون بأيدٍ سوريةٍ أو سوفياتية)) ص 137. لكنَّ غورباتشوف قرَّر التقرُّب من الغرب والتوجه بعملية الإصلاح الشاملة في الاتحاد السوفيتي "البرويسترويكا".

وتأتي شهادةٌ أخرى لكنَّها غريبة من نوعها، لأنَّها مخابراتية بامتياز، إنَّها قصة الهنداوي الذي أرسل صديقته من لندن إلى إسرائيل، ومعها حقيبة مليئة بالمتفجرات، حيث اتُّهمت سوريا بأنَّها وراء الحادث: ((وكما علمت في مرحلةٍ لاحقةٍ بعد اجتماع عُقِد بين الرئيس الأسد، والعاهل الأردني، أنَّ السلطات الأردنية كانت قد سَحَبَت من الهنداوي جواز سفره الأردني بجريرة فعلة أبيه، الذي حكمت عليه بالتعامل مع العدو. فرأى أحد فروع الأمن السورية حينذاك ضالَّته الرخيصة فيه، للاستفادة منه في تصيُّد الأخبار الثمينة من مصدرها، فطلب منحه جواز سفر سوري دبلوماسي باسم مستعار، كما جرت العادة في بعض الدول، ومنها سوريا لدوافع أمنية)) ص 139. لقد تفاعلت القضية بشكلٍ كبير، حيث طُرِدَ السفير السوري من بريطانيا كما تأزَّمت العلاقات بين البلدين لأبعد الحدود.

وتتمثَّل العبارات الأجمل التي تعبِّر عن قراءاته الأدبية في الدفاع عن الموقف السوري: ((لنفترض جدلاً أنَّ السيدة مورفي ساذجة وبسيطة إلى درجة الهبل. وإذا افترضنا بالاتجاه المعاكس أنَّ السيدة مورفي كانت بارعةً في التمثيل، ولعبت دور المغرَّر بها لستة أشهر على الأقل مع الهنداوي، وتجاهلت عن عمدٍ ما وضعه داخل أحشائها وأحشاء حقيبتها اليدوية، ألا يستحق مساءلتها أمام القضاء البريطاني عن علاقتها بالمخابرات السورية، أو بالموساد الإسرائيلي في الوقت الذي يُخفي الموساد علاقته التعاقدية مع الأمن البريطاني)) ص 140. إنَّها لعبة مخابراتية بامتياز، عميل سوري يصادق عميلة إسرائيلية، ولكن إذا كانت سوريا بريئة من التهمة، كما يدافع الشرع خلال صفحاتٍ كمحامٍ بارع، فالأكيد أنَّه لن يستطيع الدفاع عن الغباء الاستخباراتي السوري في هذه القضية، الأمر الذي ترك العلاقة سلبية بين الطرفين السوري والبريطاني حتى عام 1990، كما عكس تبعات خطيرة وكبيرة دولياً.

وجاءت مسألة العلاقات الإستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي بالزيارة الثانية للأسد على رأس وفدٍ كبير، بما لا يشتهي عندما نقل له غورباتشوف تأييده للحل السياسي فقط، وما يعنيه هذا الكلام على المستوى الإستراتيجي. ولم تتوقَّف الأمور هنا فقد تدهور الوضع بشكلٍ كبير، حيث جاءت الزيارة الأخيرة عام 1990، ليتأكَّد الأسد من انهيار حليفه الإستراتيجي، وعلى ضرورة تغيير الإستراتيجية المتَّبعة.

 

عداء مع العراق ومصالحة مع مصر

تتمثَّل القاعدة السورية المتَّبعة في التعامل مع الولايات المتحدة بـ: ((محاولة العمل بحرفيةٍ عالية على الهامش الذي يفصل بين مصالح الدولة الأمريكية، وبين التزامها أمن إسرائيل الذي تتبنَّاه في السرِّ والعلن، وكانت هذه الفرضية على الرغم من ضيق الهامش، تسهِّل عملنا، وليست بالضرورة حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش والجدل)).

 كما يستهلُّ الشرع العلاقات مع العراق بجملةٍ مثيرة، نقلها عن الأسد بتأييده مشروع الهلال الخصيب، حيث كان الأسد يرى أنَّ قيام هذا المشروع ((ولو بغطاءٍ أجنبي لتشكَّلت دولة عربية كبرى، هي التي ستبقى، بينما الهيمنة الأجنبية ستزول)) ص 156.

لقد جاء اجتماع حافظ الأسد وصدام حسين مع الملك حسين في الأردن لتشكيل منظومة سياسية أمنية اقتصادية في صيغة اتحاد سوري عراقي أردني عام 1978، لكن تعثَّر كلُّ شيء، في ظلِّ إصرار صدام حسين إدانة الأسد لإيران -حليفته- فرفض الأخير لذلك.

يفسِّر الشرع هذا الفشل الذي منيت به المفاوضات السورية العراقية، بكثير من المرارة: ((لكنِّي كإنسان نما وعيه تحت صدمة النكبة، واختار الخط القومي بشكلٍ واعٍ كاختيارٍ سياسيٍّ موضوعي، وليس مجرَّد اختيار شوفيني، لا أستطيع القول للأجيال المعاصرة والقادمة سوى أنَّ جيلنا البعثي قد أخفق، في تحقيق المجال الجوهري لمبرِّر وجوده، وهو الوحدة. أمام كلِّ ما نسوِّقه من تفسيراتٍ وتبريراتٍ فهي لا تعادل شيئاً من تلك الحقيقة المرَّة، يجب أن نحمِّل أنفسنا المسؤولية عن الإخفاقات، قبل أن نحمِّلها للمؤامرات الخارجية)) ص 165.

وتتالت الأحداث في الساحة اللبنانية، حيث أصبحت هناك على الساحة حكومتان؛ إحداها مدعومة سورياً، وهي حكومة سليم الحص، أمَّا الأخرى فهي حكومة الجنرال ميشال عون. ورغم المحاولات العربية لاحتواء الأزمة إلَّا أنَّ ما حصل زاد الأمر سوءاً، وأشعل فتيل حرب، في ظلِّ الدعم العراقي الفلسطيني لسياسة عون الذي بدء عملية التحرير، فاصطدم مع القوات اللبنانية : ((عون لم يكن مستعداً لانتظار الموقف السوري، الذي لم يكن الرئيس يستبعده من مجال المرشحين لرئاسة الجمهورية.كان ذلك هو دور صدام وعرفات، اللذين لم يخفيا على أيِّ حال مشاعرهما تجاه سوريا. في آذار 1989 أعلن عون رسمياً بدء ما سماه بحرب التحرير، وبدأ بقصف المنطقة الغربية من بيروت. وأطلق تصريحات حربجية ومتطرِّفة وغير مسؤولة ضدَّ سوريا والرئيس الأسد. ولذلك سرعان ما تغيَّر تقييمنا السياسي له، ورأينا في تحالفاته خروجاً عن مبدأ ألَّا يكون لبنان مستقراً، أو ممراً ضد سوريا)) ص 178.

وفي ظلِّ هذه المتغيرات، تأتي عودة العلاقات السورية المصرية، بعد المقاطعة العربية بسبب توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، ويأتي لقاء الأسد ومبارك في ظلِّ تغيير الاستراتيجية السورية: ((كان اللقاء بين الأسد ومبارك، جزءاً من خطة عملٍ جديدة في ظلَّ المتغيرات الجديدة، إن اضطررنا لتقديمها إلى الرأي العام السوري في صورة لقاء تمَّ بالصدفة)) ص 178.

إلَّا أنَّ المشادات بين الأسد وصدام حسين لم تنته، وكانت تدور حول لبنان هذه المرة، حيث انتهت بتشكيل اللجنة الثلاثية، التي وصلت نهايةً إلى إقرار وثيقة الوفاق الوطني، التي دخلت نتيجة لها العلاقات السورية اللبنانية طوراً جديداً، كان عنوانه الأبرز هو إبرام معاهدة الأخوَّة والتعاون والتنسيق في تشرين الثاني/نوفمبر 1989 بين سوريا ولبنان.

 

الانتفاضة الفلسطينية ومشروع شولتز

حرَّكت الانتفاضة الفلسطينية الطرف الأمريكي، ليعلن وزير خارجيتها شولتز، عن مشروع للسلام رفضه الأسد وعرفات. وجاء وقع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية، واغتيال أبو جهاد خليل الوزير في تونس، من قبل الموساد الإسرائيلي في نيسان/أبريل 1988، ليُفشلا المشروع الأمريكي، فقد اتَّفق الأسد وعرفات على أنَّ: ((خطة شولتز تشكل استمراراً لخطة كامب ديفيد، ولا يمكن أن تقود إلى تحقيق سلامٍ شامل، وأنَّ شطب منظمة التحرير الفلسطينية، أو تمثيلها بشكل موارب خطٌّ أحمر، لا يمكن القبول به)) ص 191. وبعد هذا الاتفاق سقط اتفاق شولتز، وأصبح الموقف العربي ملتفاً حول الدعم الكامل للانتفاضة الفلسطينية، ومنظمة التحرير كممثلٍ شرعي، فجاء إعلان الأردن بفك الارتباط مع الضفة الغربية في تموز/يوليو 1988، لتصبح منظمة التحرير هي المسؤولة عن إدارة المؤسسات الوطنية الفلسطينية في الضفة. وهكذا استمرت الانتفاضة إلَّا أنَّ محدودية العمل والدَّعم أدت إلى غياب الديمومة والاستمرارية، إضافةً للأخطاء المرتكبة من قبل القيادات الفلسطينية: ((معضلة الفلسطينيين ليست مع الإسرائيليين والصهيونية العالمية فحسب، بل معنا أيضاً نحن العرب. لقد تعلَّموا من كتبنا وشعاراتنا منذ إنشاء الصهيونية الأولى على أرضٍ فلسطينية، في مطلع القرن العشرين أنَّهم قضيتنا المركزية. لا نحن قبلنا أن نتخلى عنهم، لأنَّهم استثمارنا الأفضل والأول في سياساتنا الداخلية والخارجية، ولا هم فكروا بهجراننا، وكشف حدود شعاراتنا. لأنَّنا نحن وهم من ذات التربة العطشى، ننتظر ما تجود به السماء)) ص 194.

 

الغزو العراقي للكويت

تم الاتفاق على استضافة القمة العربية في دمشق عام 1990، مع عدم ممانعة العراق، إلَّا أنَّ عرفات قام بزيارةٍ لاحقةٍ لبغداد، معلناً انعقاد القمة فيها، حيث لم تتم دعوة الأسد للحضور، مما أعاد التوتُّر والأزمة للعلاقات السورية العراقية، فضلاً عن ارتفاع حِدَّة الخطاب السياسي العراقي بشكلٍ عام ،حيث قام العراقيون بتوتير الأجواء بعد القمة، واتِّهام الكويتيين بتخفيض سعر برميل النفط، فتفاقمت الأزمة بشكلٍ كبير، لتصل بتهديد العراق بغزو الكويت: (( أعتقد جازماً في ضوء فهمي لمضمون هذه الاتصالات، وليس في ضوء وثائق لا أملكها، أنَّ الذين حرَّضوا صدَّام على الغزو كثر، وأنَّ الذين شجَّعوا على تسوية الأمور ثنائياً أكثر، لكنَّ القليل جداً فكَّروا بخطورة ما سيحصل)) ص206ـ-207.

وفي 2 آب/أغسطس 1990، دخل الجيش العراقي الكويت، حيث تسارعت الأحداث لتبلغ قمة التوتُّر بعد هذا الحدث الفريد من احتلال دولةٍ عربيةٍ لأخرى، حيث رفضه البعض، في حين سانده البعض الآخر: ((لقد رأى البعض في الساحة الفلسطينية أنَّ احتلال العراق للكويت جاء في محلِّه، وأعطى الانتفاضة دماءً وروحاً جديدة)) ص 208. وفي الثامن من آب/أغسطس، أعلن صدام حسين ضمَّ الكويت للعراق، ما أنذر بتوسيع الأزمة وتدخُّل السعودية ومن وراءها الولايات المتحدة، التي أعلنت إرسال طلائع جيوشها لحماية السعودية.

هنا بدأ الأسد بحراكٍ دبلوماسيٍّ غير مسبوق، بعد العزلة التي عاناها لفترةٍ طويلةٍ إقليمياً ودولياً، هذه التحركات التي وصفها الشرع بأنها ترتبط دائماً بـ "الهمِّ القومي": ((زخم الصورة الإعلامية وإطارها اللذان أحاطا بسوريا فجأةً في الساحة الدولية، بعد عزلتها الطويلة في الساحة العربية لا تعكسان حقيقة المشاعر السياسية للرئيس الأسد بعد احتلال الكويت، وإن كانتا من دون شك تخفِّفان عنها كثيراً من الإحباط والمرارة)) ص214. أصبحت الحركة الدبلوماسية إلى دمشق مكتظةً جداً، بزيارة وزراء عرب، وقادة الجمهورية الإيرانية الإسلامية لدمشق، كما عُقد لقاء قمة بين الأسد والرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، في جنيف تشرين الثاني/نوفمبر1990، حيث طرح الرئيس الأمريكي اهتمامه بالسلام في الشرق الأوسط، وضرورة عقد مؤتمرٍ لذلك. ثمَّ طلب بوش إيجاد مخرجٍ آمنٍ لميشال عون من لبنان إلى فرنسا، فوافق الأسد على ذلك، كما تمَّ  التطرُّق إلى موضوع احتلال الكويت، ومحاولة الوساطة بين الدولتين، وبعدها تطرَّق بوش إلى موضوع اليهود السوريين، فوافق الأسد على منحهم الموافقة على السفر، شريطة ضمان عدم سفرهم لاحقاً إلى إسرائيل. أمَّا الموضوع الذي لم ولن يتمَّ التطرق له فهو العلاقات الثنائية بين الدولتين، بسب عدم وجود اهتمامٍ من قبل الطرفين فيا  هذا الأمر.

هذا اللقاء الذي أخرج الأسد من عزلةٍ خانقةٍ إقليمياً ودولياً، وتحويله إلى لاعبٍ إقليميٍّ هام، لا يستطيع أحدٌ تجاوزه. هنا فقط، يمكن القول بأنَّ تغيير الإستراتيجية السورية قد تمَّ البدء به، بعد خسارة الحليف الإستراتيجي المتمثل في الاتحاد السوفييتي المنهار. لقد كانت هناك محاولاتٌ عدة لثني العراق وحثِّه على الانسحاب من الكويت، إلَّا أنَّ صدَّام حسين رفض، فتمَّ إخراجه بالقوة بعد تشكيل قوةٍ دوليةٍ كبيرةٍ شاركت فيها عدَّة دول عربية، وعلى رأسها مصر وسوريا.

 

إعلان دمشق

برز "إعلان دمشق" في آذار/مارس 1991، نتيجة الغزو العراقي للكويت، وحرب الخليج الثانية، التي شاركت فيها سوريا ومصر والدول الخليجية عربياً، إضافةً لتحالفٍ دوليٍ كبيرٍ على رأسه الولايات المتحدة. وقد أبرز هذا الإعلان قطبين واضحين عربياً؛ هما مصر وسوريا كطرف، والدول الخليجية كطرفٍ آخر.

لقد كانت المشكلة في "إعلان دمشق" في الجانب الأمني منه، حيث حسم الملك السعودي الأمر فتمَّ التخلي عنه، كما طرح وزير الخارجية الأمريكي بيكر أنَّه آن الأوان لخلق تعاونٍ إقليميٍّ في المنطقة، بغضِّ النظر عن اختلاف نظمها السياسية والاجتماعية. إلَّا أنَّ الشرع رفض هذا الكلام الذي يعني قبول إسرائيل في الوسط العربي، حيث شدَّد على ضرورة عقد مؤتمر للسلام أولاً. فوافق بيكر على فكرة انعقاد مؤتمر دولي للسلام، وانتقل مباشرةً لطلبٍ آخر يظهر كأنَّه ثمنٌ لذلك: ((لقد آن الأوان لإطلاق سراح رهائننا في لبنان، قلت له: سنجري الاتصالات اللازمة لتحقيق ذلك)) ص 232. وبعد الاهتمام الأمريكي بعقد مؤتمرٍ دولي للسلام، من أجل إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، بدأت الإدارة الأمريكية سعياً حثيثاً للتحضير لهذا المؤتمر.

 

تحضيرات مؤتمر مدريد

لقد كان التحضير لمؤتمر مدريد شاقاً للأمريكيين، الذين كانوا يعلنون ضرورة المشاركة السورية لنجاحه، فجاءت رسالة الضمانات الأمريكية للسوريين، بانعقاد المؤتمر على أساس "الأرض مقابل السلام" في ظل القرارين 242 و338، إلَّا أنَّ بيكر لم ينجح في إقناع الأسد بالمشاركة في المفاوضات متعدِّدة الأطراف الخاصة بالتعاون الاقتصادي: ((ولذلك كان موقفنا شديد الوضوح والحسم، في رفض المشاركة في المحادثات متعدِّدة الأطراف، قبل أن يتمَّ إحراز تقدُّم جوهري على مسار المفاوضات)) ص 239. كما طلب الأسد تعديل نص الرسالة الأمريكية، بشكلٍ تنصُّ فيه على عدم الاستيطان في القدس، وعدم توسيع بلدية القدس لتشمل القدس الغربية. وبعد تلبية المطالب السورية جاءت الموافقة السورية: ((في 14 تموز/يوليو 1991، أبلغ سفير الولايات المتحدة في سوريا إدوارد دجيرجيان الوزير جيمس بيكر قبولاً للدعوة لمؤتمر السلام، فقد جاء في البرقية بأنَّ: -سوريا تلبِّي دعوتكم للمشاركة في مؤتمر سلام تقديراً لجهود وساطتكم-، ليست هناك خدعة، وسوف تجلس سوريا على المائدة مع إسرائيل، وهكذا فإنَّها تتخلَّى عن الموقف السياسي، الذي تبنَّته منذ بدء الصراع مع إسرائيل[2]. وبعدها جاء موضوع مكان انعقاد المؤتمر، الذي طلب بيكر أن يُعقد في لاهاي بهولندا، إلَّا أنَّ الرفض السوري أدَّى إلى انعقاده في مدريد العاصمة الإسبانية.

 

مؤتمر مدريد بداية اللعبة الكبرى

تتمحور نظرة الشرع للأمور بمفهوم اللعبة الكبرى حول ما يلي: ((لقد كنت أعي على وجه الضَّبط بأنَّ هناك لعبةً كبرى بالمعنى الجيوسياسي لإعادة صوغ النظام الدولي على أسسٍ جديدة، انطلاقاً من عملية سلام الشرق الأوسط ... وأنَّ المتاح أمامنا هو إمَّا أن يكون العرب سادة منطقتهم، أو تحتل إسرائيل مكانهم، ويغدو العرب مجرَّد مراقبين لها، وأنَّ حدودنا في عملية إعادة هيكلة المنطقة محتومٌ بمدى إتقاننا لدورنا ضمن قواعد لعبة الأمم، والتأثير من خلالها، فلا يمكن التأثير فيها من خارجها إلَّا بحدود)) ص 244. هذه هي النظرة التي تغلِّف الإطار الفكري للشرع في نظرته للأمور، فدائماً هناك لعبةٌ لها شروط وتحتمل نتيجة الربح أو الخسارة لكن في النهاية لا مفرَّ من خوضها.

وجاء افتتاح مؤتمر مدريد للسلام أخيراً، إلَّا أنَّ الأمور سرعان ما ساءت، عندما اتَّهم إسحق شامير، رئيس الوفد الفلسطيني بتزوير التاريخ، كما اتَّهم سوريا بأنَّها ليست سوى "دولة إرهابية". وقد جاء الرد الأقسى عربياً على كلمة شامير من الشرع، الذي اتَّهم شامير بالإرهاب، مُبرزاً صورة قديمة تقول بأنَّه متورطٌ باغتيال وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت: ((نظرتُ إلى وجوه أعضاء الوفد الإسرائيلي عامداً متعمداً فرأيتها ممتقعة، ومن بينها وجها بنيامين نتنياهو ويوسف بن أهارون، وبقية أعضاء الوفد الإسرائيلي. أصابتهم الدهشة، ونهضوا غاضبين وحانقين، وصرخ بن أهارون، وهو يدقُّ الطاولة بيده بشكلٍ متوتر قائلاً لبيكر: ماذا جرى؟)) ص 252. وجاءت معركة الشرع القادمة لجعل الاجتماعات الثنائية بمكان واحد غير منفصل، حتى تتشاور الوفود العربية فيما بينها، وبعد صراع مع بيكر وافق الأخير مُكرهاً.

لقد عُقدت الجولة الأولى من المفاوضات وسط برودٍ وانخفاضٍ في سقف التوقعات، فلم يسفر عن هذه الجولة شيء. كما جاءت الجولة الثانية المنعقدة في واشنطن في كانون أول/ديسمبر 1991، في ظلِّ تأزُّم العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، التي جمَّدت القروض الإسرائيلية، وأعقبتها الجولتان الثالثة والرابعة بدون أيَّ جدوى أو فائدة.

وقد جاءت الانتخابات الإسرائيلية برئيس حزب العمل إسحق رابين في حزيران/يونيو 1992، لرئاسة الوزراء، حيث عقدت الجولة السادسة بظروفٍ مشجِّعةٍ تزامنت مع الإفراج عن القروض الإسرائيلية من قبل الإدارة الأمريكية، وتصريحات مشجِّعة للسلام من قبل رابين. كما قدَّم الطرف السوري وثيقةً مرجعيةً لعرضها على الوفد الإسرائيلي التي عُرفت باسم "أهداف ومبادئ الاتفاق بين سوريا وإسرائيل"، التي اشتملت على: ((تحديد هدف السلام، وصوغ تصوُّر شامل له على مختلف المسارات الفلسطينية واللبنانية والأردنية والسورية، وشمولية الحل بربط أيِّ تقدُّم في المسار السوري الإسرائيلي بما يتمُّ تحقيقه في المسارات الأخرى، وفي مقدِّمتها المسار الفلسطيني الإسرائيلي)) ص 267. إلَّا أنَّ الردَّ الإسرائيلي عليها كان طلب البدء من المفاوضات، انطلاقاً من بند الترتيبات الأمنية، على عكس الموقف السوري الذي يريد البدء بالتفاوض على بند ترسيم الحدود، هذه نقطة خلاف ستبقى مصاحبة للمفاوضات ولن تنتهِ أبداً.

وجاءت الجولة السابعة في ظلِّ قدوم إدارة ديمقراطية جديدة للبيت الأبيض، برئاسة بيل كلينتون، إلَّا أنَّ المفاوضات عادت لتتعرقل في الجولة الثامنة المنعقدة في كانون أول/ديسمبر 1992، بسبب التصعيد الإسرائيلي في الداخل الفلسطيني، وفي جنوب لبنان حيث زادت حدَّة الحملات الإعلامية بين الطرفين السوري والإسرائيلي.

 

تفكك المسارات بين أوسلو ووادي عربة

جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، ليقدِّم عرضه للأسد الخاص البدء بمفاوضاتٍ سرية بموازاة الخط العلني للمفاوضات، إلَّا أنَّ الرفض كان رد الأسد في النهاية للمسار السرِّي. وقد جاءت زيارة عرفات لدمشق المتشكِّك بحدوث شيءٍ سريٍّ بين سوريا وإسرائيل، فقد كان هناك انعدام ثقةٍ كبيرٍ بين الطرفين وتنافسٌ في المسارات: ((لا أعرف إذا كانت المشكلة في عدم قدرتنا في الإعلام والسياسة أيضاً، على إيصال اقتناعنا الرَّاسخ، أنَّ سوريا لا تستطيع أن تنفرد بالحلِّ كمصر لو أرادت ذلك، أو أنَّ عرفات لا يريد أن يصدِّق أنَّ سوريا مرتبطة بالقضية الفلسطينية، وأنَّ مصلحتها الوطنية، وليست القومية فقط، تتطلَّب أن يكون هذا الارتباط ثابتاً وليس عضوياً لا يتزعزع. على كل حال لم نكن ندري بشكلٍ كاف ماذا يجري في المسار الفلسطيني ــ الإسرائيلي السرِّي الموازي، على الرُّغم من شكوك جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني ومعلوماتها)) ص 278.

لقد تزامنت الجولة التاسعة المنعقدة في نيسان/أبريل 1993، في ضوء العرض الأمريكي للبدء بمساراتٍ سرية على جميع فرق المفاوضات العربية: ((وكانت هناك بعض التقارير السورية تتحدَّث عن شيءٍ ما يحدث من هذا القبيل، لكنَّ القيادة الفلسطينية كانت دوماً تنفي ما يصلنا، وتعتبره مجرَّد لعبةٍ إسرائيلية لتفريق صفوفنا)) ص 279.

ثم يكشف الشرع بأنَّ دنيس روس اجتمع في تموز/يوليو 1993 بالأسد حيث: ((سلَّمه رسالةً من الرئيس كلينتون، وأسرَّ له على انفراد لدقيقتين، أنَّ رابين موافق على الانسحاب الكامل من الجولان، إذا تمَّت تلبية حاجاته الأمنية. أبلغني الرئيس بعد مغادرة روس مضمون الحديث، على أن يبقى هذا السرُّ بينهما)) ص 285.

من خلال مقارنة هذا النص بما ذكره دنيس روس في مذكراته، فإنَّه يذكر بأنَّه اقترح على رابين أن يقول للأسد الآتي: ((إنَّ رئيس الوزراء يدرك احتياجكم. إنَّه يعرف إذا لم تلبَّ هذه الاحتياجات، وإذا كنتم غير راضين عن الانسحاب، فلن يبرم إيَّ اتفاق. إنَّه يبتغي اتفاقاً، لكنه لا يعتقد أنَّكم تدركون احتياجاته هو. وحتى يكون هناك اتفاق، يجب أن تُلبَّى احتياجاته تماماً، مثلما يجب أن تُلبَّى احتياجاتكم، فكيف تفهمون احتياجاته؟ وماذا تريدونني أن أقول له بشأن تلك الاحتياجات في جوابي على رئيس الوزراء؟))[3].

وتواترت الأحداث والمشاكل في جنوب لبنان، ليتطوَّر الوضع إلى حربٍ أعلنتها إسرائيل باسم "تصفية الحسابات"، ما أدى إلى توقف المفاوضات تماماً، ولم تتوقف الحرب إلَّا بعد تدخل أمريكي حيث تمَّ الوصول إلى تفاهم تموز/يوليو.

وبعد تفاهم تموز/يوليو، عرض رابين على بيكر وروس استعداده لتوقيع اتفاقية سلام، واقترح عليهم نقل ما يلي: ((إنَّه مستعدٌّ للتعهد أمام الولايات المتحدة، بأنَّ إسرائيل ستنسحب انسحاباً كاملاً من مرتفعات الجولان، شريطة أن تُلبِّى احتياجات إسرائيل، وشريطة ألَّا يكون الاتفاق مع سوريا رهناً بأيِّ اتفاقٍ آخر، كالاتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين مثلاً. واستطرد شارحاً احتياجات إسرائيل[4]:

·   يجب أن يكون هناك تطبيعٌ للعلاقات مع إقامة علاقاتٍ دبلوماسيةٍ كاملةٍ وتبادل السفراء، بعد المرحلة الأولى من الانسحاب، على أن يستغرق الانسحاب خمس سنوات على الأقل.

·        التطبيع الكامل يستلزم حُكماً تجارة وسياحة.

·        لا بد من وجود ترتيبات أمنيةٍ مرضية، تتولَّى فيها الولايات المتحدة تشغيل محطات الإنذار المبكر في الجولان.

·        ضمان احتياجات إسرائيل المائية.

وقد جاءت مفاوضات أوسلو السرية بالإعلان عن اتفاق إسرائيلي فلسطيني: ((هبط عرفات في مطار دمشق بتاريخ 5 أيلول/سبتمبر 1993 ليعرض نصَّ الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي على الرئيس الأسد قبل الاحتفال بإعلانه. قرأه الرئيس مرَّة ومرتين. استغرقت القراءة نحو نصف ساعة وأكثر، لأنَّ الرئيس الأسد كان يقرأ بعض المواد أكثر من مرة. الكلُّ صامت ينتظر. حاول عرفات أن يشرح للرئيس المستغرق بالقراءة ما هي آماله وتوقعاته من هذا الاتفاق الذي -حسب رأيه- سينتهي بدولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ ذات سيادة، وعاصمتها القدس أجابه الرئيس وهو يتابع القراءة: كلُّ بندٍ يحتاج إلى مفاوضاتٍ جديدةٍ واتفاقٍ جديدٍ بينكم وبين الإسرائيليين)) ص 291.

لقد كان من الواضح أنَّ الأسد سيقف ضدَّ هذا الاتفاق، وربما سيسعى لإسقاطه، مثلما أسقط مسبقاً اتفاق 17 أيار في لبنان، وقبله مقاطعة مصر عندما وقَّعت اتفاقية السلام، لكن ما سيظهر بأنَّ الأسد قد تغيَّرت إستراتيجيته على الأقل في التعامل مع هذه المستجدَّات الخطيرة، حيث قال للشرع: ((نحن لا يمكن أن نؤيِّد هذا الاتفاق الإسرائيلي، لكن لا نريد أن نفتح معركةً كبيرةً مع عرفات ربما يتمنَّاها الكثيرون، وربَّما يكون بعض الأشقاء من بينهم)) ص 291.

أظهرت مسألة اللعب على المسارات جديدة، في ظلِّ المفاوضات السرية والاتفاقات غير المعلنة، الشرخ الكبير بين القيادات في التنسيق والمصارحة: ((شعرنا بأنَّ لعبةً ما قد حدثت في الجولة الأخيرة من المفاوضات، وتتمثَّل هذه اللعبة في أنَّ رابين استخدم كريستوفر لإيهامنا أنَّه تقدَّم على المسار السوري لإرباك الفلسطينيين، والإيحاء لهم بأن يقبلوا بسرعةٍ ما هو معروض عليهم)) ص 292. هنا وصلت الأمور للخيبة الكبرى التي شعر بها الأسد، فقد كان الصراع دائماً من أجل الحقِّ الفلسطيني، وها هم يصالحون سراً: ((كان الرئيس الأسد في تلك اللحظات ناقماً أشد النَّقمة على ما حصل، مع أنَّه كان يضبط أعصابه جيداً. كانت مشكلة الأسد النفسية السياسية إذا صحَّ التعبير ليس التكتيكات والاتفاقات بل مع نكث العهود، وعدم الالتزام الذي لم يكن يتسامح فيه في عالم السياسة)) ص 295.

 

قمة الأسد كلينتون

جاء اجتماع الأسد بكلينتون في جنيف في كانون الثاني/يناير 1994، وقد طرح كلينتون عدَّة محاور أولها: ((موضوع حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان بناء على وساطة رئيسة الوزراء التركية، كما طرح تأكيد إسرائيل بأنَّ الطيار رون آراد ما زال حياً، وأنَّ رابين يرى أنَّ العثور عليه حياً أو ميتاً وإعادته إلى إسرائيل سيخلق جواً إيجابياً لدفع عملية السلام إلى الأمام)) ص 299. وجاء ردُّ الأسد بالمبادرة بنقطتين هامتين: ((النقطة الأولى: أنَّ إيران مهمة وذات مصداقية، وأنَّ علاقته مع الإيرانيين صريحة وواضحة، وفي أنَّ سوريا قد وقفت معهم لأنَّ العراق هو الذي هاجمهم. لكن إذا تغيَّر الموقف من الدفاع إلى هجوم على أيِّ بلدٍ عربيٍ آخر، فسنعتبره اعتداءً ضد كل العرب. وأنَّ دعم دول الخليج لصدَّام حسين مالياً شأنٌ خاص بها. ذكر الرئيس الأسد للرئيس كلينتون أنَّه قام بدورٍ في عدم دخول إيران في الحرب إلى جانب العراق بعد احتلال الكويت عام 1990. وقد كانت نقطة الأسد الثانية هي وساطة في مسألة لوكربي: إنَّني أعتبر حادثة لوكربي شنيعة، وأنا لا أطلب عدم المتابعة القانونية، بل أحب أن أبحث معكم عن إمكانية التوصل إلى الإسراع في إيجاد حلٍّ لهذه المشكلة، وكان ردُّ كلينون إيجابياً: لم يحثني شخص بمثل وزنكم السياسي، في هذا الموضع، ولذلك أتمنى أن أتمكَّن من إيجاد طريقة للتعاون معكم من أجل التوصُّل إلى حلٍّ في هذا الموضوع)) ص 301.

وفي حدثٍ مفاجئ، جاءت حادثة مقتل باسل الأسد نجل حافظ الأسد، وهو في طريقه للمطار، في كانون الثاني/يناير 1994، هذه الحادثة التي كسرت ظهر الأسد، فقد كان يعدُّه لخلافته منذ زمن، مع انتشار بعض الشائعات بأنَّ الحادث مدبَّر، إلا أنَّ الشرع يؤكِّد بأنَّ الأسد: ((أمر بإجراء تحقيقات حول الحادث، ولكنَّه في النهاية وهو الشكاك بطبيعته، أقتنع بأنَّ الأمر ليس مؤامرة بل هو قضاء وقدر، فلقد كان الأسد واقعياً، ولا يخلط الأمور ببعضها)) ص 303.

وفي ظلِّ تجمُّد المسار الإسرائيلي السوري حاولت الإدارة الأمريكية تحريكه في زيارة كريستوفر للمنطقة حيث: ((عَرَضَ على الأسد خطَّةً معقَّدة، ومرحلة تستند إلى مرجعية الانسحاب الكامل من الجولان)) ص 309، إلا أنَّ ضبابية الموقف من الانسحاب الذي عرضه رابين كانت المشكلة، حيث بقيت في صدٍّ ورد حتى زيارة 19 تموز/يوليو آتياً بردِّ رابين: ((قال لي رابين إنَّ الانسحاب الكامل هو إلى خطوط 4 حزيران/يونيو 1967. وأضاف كريستوفر: لقد بحثتم عن الوضوح، وأنا أعتقد أنَّني أتيتُ بالوضوح، وأقول إنَّ الالتزام الذي أعطاه رابين لي هو التزامٌ لا يمكن استخدامه إلى أن تقدَّموا وضوحاً مقابلاً من جانبكم، وإنَّ رابين يريد أن يتأكَّد أنَّ متطلباته أيضاً سوف يتمُّ تلبيتها، كما تمَّت تلبية مطالبكم)) ص311. وقد كانت متطلَّبات رابين هي: توقيت مراحل الانسحاب خلال خمس سنوات، وتنفيذه على ثلاثةِ مراحل، وقيامه على التداخل أو المراحل المتداخلة، وأن تكون الترتيبات الأمنية متبادلة، واعتماد الدبلوماسية العلنية، و جاء ردُّ الأسد بالآتي: ((مقابل التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل إلى خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967، والذي نقله لنا الوزير كريستوفر في 19 تموز/يوليو 1994، فإنَّ سوريا مستعدَّة للاستجابة للمقترحات الإسرائيلية التي تتضمَّن إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وترتيباتٍ أمنيةٍ متفقٌ عليها، ورفع المقاطعة، ومشاركة سوريا في المحادثة المتعدِّدة الأطراف، وجدولٌ زمنيٌّ لتحقيق ذلك)) ص 312، لقد دفعت هذه الأجواء الإيجابية إلى تشكيل قناة مباحثات سرية هي قناة السفراء برعاية أمريكية، والتي ستُسفِر عن نتائج هامة لاحقاً.

 

دبلوماسية السر و"قناة السفراء"

لقد تحوَّلت المفاوضات لتبدأ قناةٌ سرية على مستوى السفراء في واشنطن، تلك التي بُنيت عليها نتائج هامة كما سنرى، رغم عدم الاعتراف بها: ((لم يكن لقناة السفراء بالنسبة إلى الطرف الآخر قيمةٌ قانونيةٌ يُعتَدُّ بها، فهي لم تكن مفاوضات رسمية، ولم تتم في أمكنةٍ رسمية، ولم يكن فيها مدونو محاضر جلسات معتمدون، بل كانت عبارة عن تقليب أفكار ونوع من عصفٍ ذهني)) ص 313. وقد تطوَّرت مجريات هذه القناة حيث قدَّم المعلم ورقةً سوريَّة، وأدَّت إيجابية المفاوضات لدفع الأسد لإرسال عسكريين لبحث ملف الترتيبات الأمنية.

وجاء الإعلان عن تطورٍ في المسار الأردني الإسرائيلي، حيث أُعلن الوصول لاتفاق سلام وقعه الطرفان في تشرين الأول/أكتوبر 1994، دُعِيَ باتفاق "وادي عربة" الذي حظي برعايةٍ أمريكية. فبعد حضور كلينتون حفل التوقيع توجَّه إلى دمشق مباشرة بعد الاتفاق حيث قال للأسد: ((بأنَّه حصل من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين على إقرارٍ باستعداد إسرائيل للانسحاب إلى خط الرابع من حزيران/يونيو 1967 في إطار اتفاقٍ متكامل، شريطة وضع هذا التعهُّد في جيبه في انتظار توصُّل الطرفين إلى اتفاق حول بقية عناصر الاتفاق. أصبحت الوديعة في جيب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ولم تعد مجرَّد وعدٍ إسرائيليٍّ افتراضي فقط)) ص 319، وقد كان ردُّ الأسد بوجوب تخفيض مدَّة إخلاء المستوطنات بمدَّة أقصر، كما طرح أن تكون الترتيبات الأمنية متساويةً بين الطرفين: ((وجاء تقييم روس والمعلِّم الإيجابي بخصوص المحادثات في واشنطن، ليشجِّع الرئيس على الموافقة على إيفاد رئيس هيئة الأركان العماد حكمت الشهابي، للقاء رئيس الأركان الإسرائيلي إيهود باراك، والبحث معه بمجمل المسائل المتعلِّقة بالهواجس الأمنية للطرفين)) ص 323. وقد بدأت اجتماعات الشهابي مع رابينوفيتش، ثمَّ مع الوفد الإسرائيلي برئاسة إيهود باراك في كانون أول/ديسمبر 1994: ((إذ طرح الشهابي أن تكون المسافة لمصلحة إسرائيلي بنسبة 6 إلى 10 مراعاة لمساحة إسرائيل مقارنةً بمساحة سوريا. لكن استعصت أيَّة إمكانيةٍ لمواصلة المفاوضات، بسبب أنَّ الإسرائيليين يريدون الاتفاق عليها من دون تحديد خطِّ الانسحاب إلى خط الرابع من حزيران/يونيو 1967)) ص 324. من جهةٍ ثانيةٍ رفض الشهابي وجود المحطة الأرضية أيضاً بسبب عدم ضرورتها بالفعل للأمن الإسرائيلي، وإمكانية استبدالها بمراقبة فضائية، ممَّا أوقف المفاوضات، حيث جاء التقدير السوري للمفاوضات: ((أنَّ الموقف الإسرائيلي ينتهك السيادة بذريعة أمن إسرائيل، وتمثَّلت حصيلته في إخفاق المفاوضات حول الترتيبات الأمنية على مستوى رئيس الأركان)) ص 324.

إنَّ ما أثار حفيظة السوريين في اجتماعات رئيسي الأركان هو الوثيقة الإسرائيلية التي عرضها شتاوبر، والتي تجاوزها الشرع في مذكراته. إذ طلب شتاوبر ضرورة تحليل الإمكانات العسكرية لكلا الجانبين، والتهديدات والردود العسكرية التي يمكن أن يقدَّمها كلَّ طرف، والحاجة إلى ترتيبات أمنية، تسهم في بناء مفهومٍ للأمن، يؤسِّس لعلاقات ثقةٍ بين الجانبين. وقد اعتبر أنَّ المزايا الأمنية لإسرائيل في الجولان، ليست كافية كما أبانت حرب 1973، ولتعويض ذلك لا بدَّ من وجودٍ دائمٍ لقوةٍ أجنبية، ومن المهم أن تضمن قوات أمريكية ذلك، وإقامة مناطق محدودة التسلُّح على جانبي المنطقة المنزوعة السلاح، وإقامة نظامٍ متكاملٍ وترتيباتٍ كافيةٍ للإنذار المبكر والرَّصد والرقابة، وأخيراً مراقبة عمليات تجديد وإعادة بناء القوات المسلحة لدى كلا الطرفين. أمَّا فيما يتعلق بالإنذار المبكر، فإنَّ الخطة تذكر أنَّ جيش الدفاع الإسرائيلي، يجب أن يستمرَّ في تلقي المعلومات، التي لا يمكن الحصول عليها، إلَّا بالوجود في جبل الشيخ. ثمَّ تعرَّضت الوثيقة للحاجة إلى منع التعاون العسكري المعادي ضد َّالجانب الآخر، وزيادة الشفافية والثقة بين الجانبين، وإقامة نُظُمٍ بحرية وجويةٍ تُجنِّب الصدام في بلدانٍ أخرى، بما في ذلك لبنان، والحاجة إلى عزل ومنع المساعدات عن عناصر تمارس أنشطةٍ معاديةٍ ضدَّ الطرف الآخر، وضدَّ عملية السلام)) [5].

وفي كانون الثاني/يناير 1995 اتصل كلينتون بالأسد طالباً عودة الشهابي، إلَّا أنَّ الأسد رفض ذلك قبل الاتفاق على مسألة الانسحاب بشكلٍ تام، ومنذ ذلك الحين اتجهت العلاقة بينهما للبرود بعد هذه الحادثة. وفي كانون الثاني/يناير 1995 قامت المقاومة الفلسطينية بتنفيذ عملية نتانيا التي أودت بحياة 21 جندياً إسرائيلياً، حيث أعلن فتحي الشقاقي مسؤولية "الجهاد الإسلامي" عن هذه العملية من دمشق: ((هاج الأمريكيون والإسرائيليون، واعتبروا ضمنياً أنَّنا نقف خلف هذه العملية، وأنَّ قواعد نظامنا لا تتيح لأيِّ شخصٍ أن يعمل شيئاً انطلاقاً من سوريا حسب تقديراتهم من دون أن يكون قد حصل على موافقتنا أو تأييدنا له)) ص 326. طبعاً لا يستطيع أحدٌ إنكار السيطرة السورية على فصائل فلسطينية، وتوقيت السماح لها بهكذا عمليات، إلَّا أنَّ الشرع يدافع عن ذلك بقوله: ((إنَّ علاقتنا مع هذه الفصائل، لم تكن قائمةً على نظام الأمر والنهي مطلقاً، بل على ألية الحوار في حال وجود تباينٍ ما. وكان موقفنا الرسمي هو الموقف المعهود بأنَّ هذه العملية نفَّذها فلسطينيون في الداخل، وأنَّ وجود القيادات الفلسطينية في سوريا، هو وجودٌ إعلاميٌّ غير مسلَّح، وأنَّ العلميات التي تقوم بها الفصائل الفلسطينية هي علميات مقاومةٍ في الداخل، وليست علميات إرهاب)) ص 326. لا يتذكَّر الشرع هذه النبرة الخطابية العالية، إلَّا عندما تتعثَّر المفاوضات، وتشتد الكُرُب، ربَّما لأنَّهم استثمارهم الأفضل كما ذُكِر قبلاً، فهل يا ترى هناك عاقل يصدِّق كلام الشرع هذا!

وبعد فترةٍ ليست بقصيرة توصَّلت الأطراف لورقة مبادئ وأهداف الترتيبات الأمنية التي غدت سوريَّة أمريكية إسرائيلية. يطرح الشرع شهادته على المفاوضات بشكلٍ مجمل بالآتي: ((لو سئلت: ما الذي تمَّ انجازه خلال هذه المفاوضات التي استمرَّت منذ مؤتمر مدريد عام 1991 من دون أن تسفر عن اتفاق سلام أو تقدم مهم؟ لأجبت باختصارٍ شديدٍ غير قابل للتكذيب بأنَّهما موضوعان اثنان؛ الأول: ترسيخ أنَّ الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يكون إلى خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967، وأنَّ المطلوب فقط هو رسم هذه الخطوط على الخريطة من قبل الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل لتصبح حدوداً نهائية ... والثاني: هو أنَّ الترتيبات الأمنية بين الطرفين تعتبر عنصراً مهما للسلام، والاستقرار في المنطقة، وبما أنَّه تمَّ صوغها خطياً بموافقة سورية وإسرائيلة وأمريكية تحت اسم "اللاورقة")) ص 329.

 بالفعل فقد توصَّل الطرفان لاتفاق حول مسألة الترتيبات الأمنية وكذلك الاعتراف بالانسحاب من الجولان، لكن بقي رسم الخط حجر عثرة كأداء في وجه المفاوضات. أعتقد أنَّ هناك شيئاً آخر يقع في الصميم مما ذكر، وهو انعدام الثقة بين الطرفين، وخاصةً مع طرف الإسرائيليين الذين كانوا يردِّدون دائماً أنَّ السوريين يريدون أن يوقعوا السلام من أجل استعادة الأرض، وليس هناك رغبةٌ بالتطبيع أو بإقامة علاقات.

    لقد سُميت "مبادئ وأهداف الترتيبات الأمنية" بهذا الاسم للدلالة على عدم إلزاميتها للأطراف، وقد توصَّل فيها الطرفان إلى أن: الأولوية الأهم تقليص مخاطر الهجوم المفاجئ إن لم يكن إزالتها، وأيضاً منع أو تخفيف الاحتكاك اليومي على طول الحدود، كذلك تقليص مخاطر هجوم واسع النقاط أو الاجتياح، أو حرب كبرى.

وجاءت هذه "اللاورقة" لتفتح الباب واسعاً أمام احتمال سلام للمرَّة الأولى، فقد اجتمع الشهابي مرَّةً ثانيةً مع نظرائه الإسرائيليين في حزيران/يونيو 1995، حيث تمَّ البحث عن حلولٍ ترضي الطرفين في ظلِّ مرونة الطرف السوري، إلَّا أنَّ تسريب محاضر هذه الاجتماعات إلى الصحافة الإسرائيلية، وضع القيادة السورية في حرجٍ شديد، حيث باءت محاولات الأمريكيين بالفشل لإعادة السوريين للمفاوضات. ثم جاءت أخبار اغتيال رابين في تشرين الثاني/نوفمبر 1995، لتخلط الأوراق من جديد، فخلفه شمعون بيرس، وقد عبَّر الشرع عن هذه المستجدات بقوله: ((رب ضارة نافعة!!)).

 

بيريز يغيِّر قواعد اللعبة

يعيدنا الشرع دائماً للعبته الكبرى التي ينظر للأمور من خلالها: ((بالنسبة لي كانت اللعبة الكبرى التي حدَّثتُ القيادة عنها في اجتماعي قبيل انعقاد مؤتمر مدريد، وعرَّضتني إلى بعض الهجوم، وحتى إلى عتب الرئيس الأسد، قد غدت أكثر وضوحاً مع أفكار بيريز، فهنا تكتسب هذه اللعبة قوامها الواضح، كعملية إعادة هيكلة إقليمية شاملة اقتصادية أمنية عسكرية، إذا ما أخذنا أيضاً إطار مؤتمر برشلونة في الحسبان)) ص 343.

لقد عُقدت جولاتٌ جديدةٌ من أجل الترتيبات الأمنية في واي بلانتتشن لا يذكر عنها الشرع الكثير رغم قوله إنَّه ((كان يتابعها بالتفصيل مباشرةً))، مع أنَّها هي الثمرة الوحيد لمرحلة حكم بيريز. لذلك ننقل عن روس الآتي: ((لقد جرت الاجتماعات بين رؤساء الوفود وليد المعلم وأوري سافير بحضور دنيس روس، وبعد جولتين من المفاوضات، التقى وارن كريستوفر بشمعون بيريز، في تل أبيب في 10 كانون الثاني /يناير 1996، حيث لخَّص أربع نقاط استطاعت مفاوضات واي بلانتيشين إنجازها:

·        تحويل مفهوم الشمولية في الحل إلى قضيةٍ إيجابية، ومفتاحٍ لإنجاز مزيدٍ من التقدُّم، بعد أن كان الإسرائيليون يعتبرونها عقبة.

·        الإحساس بأنَّ للسلام بعداً اقتصادياً، ورغبة سوريا في أن تكون هناك مظلةٌ اقتصاديةٌ أمريكية.

·        تبنِّي مفهوم الخط الزمني، والحاجة إلى أن تقام عليه محطاتٌ حاسمة.

·        تقنية العمل عبر مجموعةٍ من الخبراء، الذين يشتركون في المفاوضات بشكلٍ متزامن.

لكن شمعون بيريز كان أقلَّ تفاؤلاً، وطلب من وارن كريستوفر أن يعرض على الرئيس الراحل حافظ الأسد صفقةً متكاملة، تقوم على أساس تسويةٍ شاملةٍ حقيقية، مع ما لا يقل عن خمسة عشر دولة عربية، وجلستي عملٍ أو ثلاثٍ معه. وقد كان الجو في سوريا إيجابياً للغاية، حيث قرَّر الرئيس الراحل توسيع صلاحيات الوفود المفاوضة، وإرسال خبراء عسكريين دون مستوى رئيس الأركان. واستُؤنفت المفاوضات في موعدها في 24 كانون الثاني/يناير 1996، وبحضور خبيرين عسكريين هما اللواء حسن خليل واللواء إبراهيم العمر، ومن إسرائيل عوزي ديان وداني ياتوم، مع استكمال بقية الوفود لاجتماعاتها. وبدا كلُّ شيءٍ يسير على خير ما يرام، إلَّا أنَّ موضوع الترتيبات الأمنية، كان مثاراً لجدلٍ كبير، حيث قدَّم عوزي دايان مفهوماً عن النظام الأمني، يتكوَّن من عناصر ستة هي:

·        منطقة عازلة منزوعة السلاح.

·        منطقة محدودة التسليح.

·        منطقة الإنذار المبكر.

·        السيطرة والتفتيش والتحقيق.

·        التعامل مع الإرهاب وبُناه التحتية.

·        إقامة آلية للاتصالات والحوار والعلانية.

لقد كان السوريون يعتقدون أنَّ تركيز شمعون بيريز على القضايا الاقتصادية، سيكون له تأثير في عدم اهتمامه بالترتيبات الأمنية، لذلك رأوا في عرض عوزي دايان سابق الذكر، خلافاً لتوقعاتهم. وما لبث أن تطوَّر النقاش بين الطرفين، ليتحوَّل إلى سجال، فمشادَّةٍ كلاميةٍ بين وليد المعلم وعوزي دايان، دفعه للخروج من القاعة احتجاجاً على كلام عوزي دايان حول وضع أماكن الجيش في دمشق إلا أنَّ وليد المعلم عاد، واقترح تأجيل البحث فيها، على أمل حلِّها بمبادراتٍ جديدة، يمكن أن تنشأ أو تنتج عقب زيارة وارن كريستوفر القادمة للمنطقة[6])).

وجاء تحرُّكٌ أمريكيٌّ جديد في ظلِّ موافقة بيريز على تعهُّد رابين، الذي اقترح لقاءً علنياً بالأسد، حتى لا يضطر للجوء إلى انتخابات مبكرة: ((لقد خبَّأ لعبةً احتياطيةً في معطفه، وهي لعبة تعليق المفاوضات بدعوى الدخول في انتخابات مبكرة)) ص 344، إلَّا أنَّ التصعيد هو ما كان في الجنوب اللبناني، الأمر الذي أدَّى لعمليةٍ عسكرية شنَّها الإسرائيليون، باسم عناقيد الغضب: ((كان قرارنا واضحاً هو جعل بيريز ينتهي إلى أواخر الشوط في طريقة)) ص 348. لقد حدثت عملية عناقيد الغضب في نيسان/أبريل 1996، وكان أبرز فصولها الدامية مجزرة قانا، حيث قامت وساطةٌ أمريكية لإنهاء الحرب، فتمَّ الوصول لاتفاقٍ سمي "تفاهم نيسان"، وقد أعلن بيريز بعدها عن إجراء انتخابات مبكرة، تلك التي أطاحت ببيريز، وجاءت بزعيم تجمع ليكود بنيامين نتنياهو: ((في الحوار بيني وبين الرئيس الأسد كان تقييمنا أنَّ جنرالات هذه المؤسَّسة العسكريةـ الأمنية ربَّما تعمَّدوا ارتكاب جريمة قانا لإحراج موقف بيريز وإسقاطه)) ص 354.

 

نتانياهو يكره اللعب!

لقد جاء نتنياهو بخطة لبنان أولاً، حيث رفض استئناف المفاوضات انطلاقاً من النقطة التي وصلت إليها، وقد تصاعدت الأمور كثيراً على جبهة الجولان الباردة نسبياً لدرجة التفكير بشنِّ الحرب أو الاستعداد لها: ((أخذنا تهديدات نتنياهو على محمل الجد، وكاد الحشد أن يبلغ ذروته لمواجهةٍ عسكريةٍ محتملة)) ص 360.

وقد جاءت الضربة الكبرى من وزير الخارجية الأمريكية: ((وجَّه وزير الخارجية الأميركية كريستوفر في 18 أيلول/سبتمبر 1996رسالةً رسمية –سرية- إلى نتنياهو يعفيه من الالتزام القانوني بورقة "أهداف ومبادئ الترتيبات الأمنية" التي تمَّ التوصل إليها في أيار/مايو 1995، وادَّعى كريستوفر أنَّ الورقة باطلة من وجهة نظر القانون الدولي، وقدَّم كريستوفر، وهو المحامي القدير في هذا المجال اجتهاداً سيئاً في القانون الدولي. فصحيح أنَّ الورقة لم تكن موقعة، ولذلك أُطلق عليها وثيقة "اللاورقة"، غير أنَّها كانت تعهداً من قبل كل من سوريا وإسرائيل برعاية ومشاركة أميركية)) ص 361.

إلَّا أنّ الطرف السوري تمسَّك بالورقة وأصرَّ عليها: ((تمسَّكنا بورقة أهداف ومبادئ الترتيبات الأمنية، التي حاول كريستوفر إلغائها كإطارٍ مرجعيٍّ للاتفاق حول الترتيبات الأمنية)) ص 362. أعتقد أنَّ المفاوضات خلال فترة بنيامين نتانياهو، لم تُحرز أيَّ تقدُّمٍ يذكر، بل ربَّما على العكس، فقد كانت سياسة حزب الليكود ترفض دائماً مبدأ "الأرض مقابل السلام"، الذي يفضِّله السوريون في مفاوضاتهم مع الإسرائيليين، في حين يدعو حزب الليكود لمبدأ آخر هو "السلام مقابل السلام"، الذي يرفضه الطرف السوري. لذلك لم يكن هناك أيَّ أفقٍ لانعقاد مفاوضات مع حزب الليكود، ومع فوز حزب العمل بقيادة إيهود باراك بالانتخابات، تجدَّدت المفاوضات مع السوريين.

 

تركيا تدخل اللعبة والحشود على الحدود

جاءت الأزمة مع الجارة التركيَّة، حيث تواترت الأمور بعد توقيع الأخيرة اتفاق تعاون عسكري مع إسرائيل ،كما كانت المشكلة الكبيرة مع الأتراك وهي مشكلة تقاسم المياه: ((كان هدف سوريا هو التوصُّل إلى معاهدةٍ بين البلدين لتقاسم مياه الفرات، وهو هدفٌ لا يعلو على هدف استعادة الجولان من إسرائيل)) ص 368. وقد تصاعدت الأمور حين بدأت تركيا وإسرائيل مناورات في المتوسط قريبة من اللاذقية: ((لم يكن ممكناً تحريك القطعات ليس بسبب طول مسافة التحرك، وبطئها المتَّسق مع طبيعة قواتنا العسكرية، بما يعنيه ذلك أن يكون على حساب جبهتنا مع إسرائيل فحسب، بل أيضاً لأنَّ تركيا لم تكن قط في خطط تصورنا الجيوسياسية عدواً لسوريا كإسرائيل)) ص 369.

وصلت الأمور للذروة عندما حشد الجيش التركي على الحدود الشمالية لسوريا، وقد كان هناك اجتماع لاجتياح تركي، إذا لم تتوقف سوريا عن دعم حزب العمال الكردستاني، وإيواء عبد الله أوجلان. ودائماً تُربط الأمور في دمشق بالمفاوضات، وإرغامهم على قبولها، حيث بات الجار التركي وفقاً لهذه السياسة عدواً: ((وكان الصمت الأمريكي مريباً جداً لنا، فلقد فسَّرناه على نحوٍ ما بأنَّه نوعٌ من تواطؤ ما غير مباشرٍ مع إسرائيل، لإرغامنا على القبول بشروط اللعبة الكبرى وما يتوخونه على مستوى النتائج في مسار المفاوضات العربية الإسرائيلية)) ص 370. وقد جاءت الوساطة المصرية لتُحلَّ المشكلة، حيث صدر "اتفاق أضنة" القاضي بإبعاد أوجلان: ((اتَّخذ الأسد في ضوء الوساطة المصرية أحد أقسى القرارات في حياته، وهو ترحيل عبد الله أوجلان من سوريا، وكان الأسد يحبُّه شخصياً ويقدِّره كمقاتلٍ من أجل الحرية)) ص 373، حيث وقَع بعد ترحيله في أيدي المخابرات التركية.

 

لاودر يفشل بإعادة الأطراف للعبة

ذكر الشرع قصة الوسيط اليهودي لاودر، الذي عرض رسالة التطمينات على المعلم في واشنطن بأنَّ نتانياهو مهتمٌّ بالمفاوضات كثيراً: ((جاءت القناة السرية بخصوص هذه الاتصالات من وليد المعلم، سفيرنا في الولايات المتحدة، الذي كان بحكم إقامته الطويلة في واشطن، قد نسج علاقاتٍ وطيدة مع مجموعةٍ مهمةٍ من اليهود الأمريكيين القريبين من إسرائيل)) ص 379. حيث نقل لاودر رؤية نتانياهو للمفاوضات، وخاصَّة مسألة رسم الحدود: ((قال لاودر حرفياً: إنَّهم في إسرائيل يحاولون الآن رسم هذا الخط، وهم ينظرون في كيفية تأثُّر المياه بخط الرابع من حزيران. وإذا أخذوا عدَّة أمتار من الأرض السوريَّة فسيعوضونها بأراض غير سوريَّة في أماكن أخرى، وبالتالي فإنَّ سوريا ستحصل على كامل المساحة. والخلاف بينكم هو فقط أنَّ سوريا قد تحصل على أمتار في مكانٍ آخر)) ص 383. إلَّا أنَّ الأسد رفض ذلك، فلا يمكن استبدال أرض بأخرى، لأنَّها أراضٍ وطنية وليست عقاراً. الجدير ذكره بأنَّ الشرع ينفي العلاقة بورقة لاودر التي انتشرت فيما بعد، وكان لها أهمية كبيرة، كما يؤكِّد بأنَّها لم تعرض عليه، ولا على الأسد، بينما يؤكِّد بأنَّ المعلم ليست لديه الصلاحيات للموافقة على هكذا ورقة دون الرجوع له، أو للأسد. كان الأجدى بالشرع سؤال المعلم عن حقيقة الورقة إنْ كان فعلاً لا يعرف حقيقتها، بينما أعتقد أنَّ هذا الكلام يعكس فيما يعكس علاقة متردية بينه وبين المعلم الذي جاء بعده وزيراً للخارجية.

والجدير ذكره بأنَّ الورقة تتألَّف من ديباجةٍ قصيرة، تفيد بأنَّ الجانبين اتفقا على تسعة أحكام هي:[7]

·        إنهاء حالة الحرب بينهما عند توقيع الاتفاقية.

·   تسحب إسرائيل قواتها من الأراضي السوريَّة التي أُخذت سنة 1967، على حدودٍ متَّفق عليها على أساس الخط الدولي لسنة 1923.

·        يتمُّ الانسحاب على ثلاث مراحل.

·   يوقِّع لبنان اتفاقية مع إسرائيل بشكلٍ متزامن مع سوريا، ويبذل السوريون أقصى الجهود لضمان عدم القيام بمزيدٍ من النشاطات شبه العسكرية أو العدائية ضد إسرائيل، انطلاقاً من لبنان.

·   على الترتيبات الأمنية أن تكون متساوية، ومتكافئة، ومتقابلة للطرفين، حيث علق الرئيس بيل كلينتون: ((يجب إعادة صياغة النص)).

·   سيكون هناك ثلاث مناطق تحدُّ من انتشار القوات: منطقة منزوعة السلاح، ومنطقة محدودة التسليح، ومنطقة خالية من الأسلحة الهجومية. يمكن أن تبقى محطات الإنذار المبكر، والمراقبة القائمة حالياً في مرتفعات الجولان، ولكن بإدارة متعدَّدة الجنسيات من أفرادٍ أمريكيين، فرنسيين، وسوريين.

·        إقامة تطبيع كامل للعلاقات، ينسجم مع القوانين السارية في كلٍّ من البلدين.

·        سيتمُّ التعامل مع الاحتياجات، والحقوق المائية وفقاً للمعايير الدولية.

·        ستسعى سوريا إلى جعل السلام مع إسرائيل شاملاً في المنطقة.

 

عودة اللعبة الكبرى في أكبر عروضها

عادت الوساطة الأمريكية للعمل مع تسلُّم باراك رئاسة الوزراء، وكذلك عادت المفاوضات السرية بين الطرفين على مستوى كبار الخبراء. المثير أن الشرع قد رفض أيَّة أهمية لورقة لاودر على الرغم من أنَّ تحريك المفاوضات قد تم انطلاقاً منها. فقد فتحت ورقة لاودر من جديد الباب للبدء بلقاءاتٍ سوريةٍ إسرائيلية، فحصل لقاءان الأول في بيرن في 26 آب/أغسطس 1999، وهو ما لا يذكره الشرع مطلقاً، والثاني في واشنطن برعاية دنيس روس.

انحصر لقاء بيرن بالقضايا الثلاث الأهم وهي: الترتيبات الأمينة، والحدود، والمياه، حيث بدأ أوري ساغي موفد أيهود باراك بالحديث عن خلفيته العسكرية، وإيمانه بأنَّ الجواب الوحيد بالنسبة لإسرائيل هو السلام، وأنَّه أكثر ما يهم الإسرائيليين هو الأمن والمياه. وبادله رياض الداوودي الشعور ذاته لكنَّه طلب صيغة خطية واضحة بشأن الانسحاب حتى خط الرابع من حزيران/يونيو 1967، إلَّا أن تهرُّب أوري ساغي من تقديم صيغة مكتوبة أدى إلى تدهور المحادثات وفشل لقاء بيرن [8].

ثم جاء لقاء واشنطن في منتصف أيلول/سبتمبر 1999، حيث تمَّ فيه لأول مرَّة: ((الدخول في نقاشٍ مهنيٍّ وسياسيٍّ عن خط الرابع من حزيران/يونيو، كما طُرحت فيه لأول مرَّة ما يمكن أن يوصف بنظرية الاحتياجات الإسرائيلية، من دون تمويهات ورتوش)) ص 387. لقد جاءت هذه المفاوضات الحقيقية لتبرز التمسك الإسرائيلي بمسألة وجود محطة إنذار مبكِّر في الجولان.

وبعدها عقد اجتماعٌ هو الأول بتاريخ المفاوضات من أجل رسم خط الرابع من حزيران/يونيو على الخريطة، حيث حدَّد اللواء أحمد العمر الخط بأنَّه: ((الخط الذي لم يكن مسموحاً بتجاوزه من قبل العسكريين شرقاً ولا غرباً لكلا الطرفين، وأنَّ الحكم في ذلك هو تقارير المراقبين الدوليين المنتشرين في المناطق المجردة)) ص 395. إلَّا أنَّ إشكالية رسم هذا الخط كانت كبيرة، فقد عارض رئيس الوفد الإسرائيلي الانسحاب على كامل الحدود، حيث طلب تجاوز الخط في أماكن تمثِّل بالنسبة لإسرائيل أهمية مائية، إلَّا أنَّ الداوودي رفض الأمر مطالباً بالانسحاب الكامل. وبذلك تكون قد انتهت أهم جولة في تاريخ المفاوضات التي استمرَّت خمسة أيام، ولكنَّها فشلت في النهاية بتحديد خطٍ للحدود متَّفقٍ عليه.

وجاءت فكرة جديدة لباراك بإحاطة البحيرة بطريقٍ لسباق السيارات عرضه عشرة أمتار سيفصل بين أرض الجولان وبحيرة طبريا، لكنها لم تفلح للالتفاف على منع السوريين من الوصول للبحيرة. حيث جاء لقاء الشرع مع الرئيس كلينتون لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، الذي وجَّه فيه كلينتون أسئلةً ثلاثةً للشرع. كان أولها حول تطوير المنطقة الحدودية، وقد ردَّ الشرع بضرورة الحصول على خط الرابع من حزيران/يونيو. وكان السؤال الثاني حول منطقة الإنذار المبكر، فاقترح الشرع موقعاً على حافة الحدود السوريَّة اللبنانية الإسرائيلية. أمَّا السؤال الثالث: حول مصافحة الإسرائيليين، فقد قرنه الشرع بمسألة الوصول إلى صفقةٍ ترضي الطرفين.

وبعد هذه الزيارة تعرض الشرع لذبحة قلبية كادت تودي بحياته، وخلال أزمة الشرع الصحية لم يرض الأسد إرسال غيره إلى واشنطن لاستكمال المفاوضات، فتعطلت فترة من الزمن. وبعدها جاءت محادثات شيبردزتاون، حيث التقى الشرع بباراك، وكان كلينتون باستقبالهم. هنا جاءت كلمة الشرع لتدخل باراك في وضع محرج أمام الإسرائيليين، ولتزيد من مشكلاته الداخلية، وقد طُرح في الاجتماع المباشر اتفاق السلام، لكن الشرع أصر على اعتراف باراك علنياً بالوديعة، إلا أن الأخير تهرب.

وفيما يتعلق بهذه المفاوضات، يلخص الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الخلافات بين الطرفين بقوله: ((أرادت سوريا استرجاع كامل الجولان، ولكنها كانت مستعدة لترك شريط بعرض عشرة أمتار (33) قدماً "للإسرائيليين" خلال ثمانية عشر شهراً، أما أيهود باراك فقد أراد أن يتم الانسحاب خلال ثلاث سنوات. أرادت إسرائيل أن تبقي على محطة الإنذار المبكر، أما سوريا فقد أرادت أن يتواجد فيها جنود من الأمم المتحدة، أو ربما من الولايات المتحدة. كما طلبت إسرائيل ضمانات على كمية ونوعية المياه المتدفقة من مرتفعات الجولان، والتي تصب في البحيرة، فوافقت سوريا شريطة أن تحصل هي الأخرى على ضمانات حول المياه التي تتدفق إليها من تركيا. وأخيراً فقد أراد الإسرائيليون تمثيلاً دبلوماسياً فور بدء الانسحاب، أما السوريون فقد أرادوا شيئاً أقل إلى أن تنتهي عملية الانسحاب))[9] .

  عاد الشرع إلى واشنطن لمتابعة المفاوضات، حيث ذكر له كلينتون أنَّ باراك يمرُّ بوضعٍ سياسيٍّ بالغ التعقيد وأنَّه: ((إذا ما أراد أن يعيد الجولان، فإن ذلك يجب أن يكون جزءاً من صفقة كبرى، وهي قلق باراك من مسائل الأمن، والإنذار المبكر، وبحيرة طبريا)) ص 422. لم تكن هناك مطلقاً أي ثقةٍ سوريَّةٍ بباراك فهو رجلٌ مخادع وماكر، كما وصفه الشرع في اجتماعٍ للقيادة الحزبية ((هذا الرجل مخادع، ومع ذلك فكما قلت لكم في اجتماعٍ سابق قبل انعقاد مؤتمر مدريد، فإنَّ هذه لعبة كبيرة سنخوضها في كلِّ الأحوال)) ص 424. لقد كان هذا الجواب تمهيداً لكلِّ الاحتمالات، ورغم ذلك تابع الشرع المفاوضات في شيبردزتاون حيث بدأت اللجان الثلاث الخاصة بالترتيبات الأمنية، والمياه، وعلاقات السلم، في حين تمَّ تأخير لجنة الحدود، ما أدَّى إلى فشل هذه المحادثات، وبخاصة عندما تسرَّبت للصحافة محاضر هذه المحادثات التي وضعت الطرف السوري في حرجٍ شديد بسبب عدم اكتمالها.

ومما تمَّ نشره وتغافل عنه الشرع ننقل هذه النقاط عن كلايتون سويشر: ((لقد وافق فاروق الشرع على تخفيض عدد القوات المنتشرة على طول الحدود، وعلى وضع مراقبين أمريكيين وفرنسيين وحتى إسرائيليين ضمن الأراضي السوريَّة إضافةً إلى وضع أجهزة مراقبةٍ إلكترونيةٍ على طول الجولان، بما في ذلك رادار يُعلَّق بمنطادٍ هوائي، كما رحَّب السوريون بمنطاد أمريكي آخر على الحدود، من شأنه كشف ما إذا كان أحد الطرفين السوري والإسرائيلي، يستعدُّ لعدوانٍ عسكري ضد الآخر، وبما يخصُّ علاقات التطبيع أو علاقات السلام وفقاً للمفهوم السوري، فقد وافق السوريون على إقامة علاقاتٍ دبلوماسية، وتبادل السفراء، وإنهاء المقاطعة الاقتصادية، وإقامة علاقاتٍ تجارية، وقد رأى السوريون أنَّ قضية المياه هي أسهل القضايا للحل، حيث وافقوا على الاستخدام الإسرائيلي للبحيرة))[10]  كما يذكر دنيس روس بأنَّه: (( تمَّ عقد اجتماعات لجنتي الترتيبات الأمنية وعلاقات السلم العادية، رغبةً من السوريين في استنفاد كل الجهد المطلوب بغية إنجاح المفاوضات، لكن ما حصل في اليوم الرابع أنَّ الإسرائيليين رفضوا انعقاد لجنة الحدود، على الرغم من المرونة التي أبداها فاروق الشرع، حيث أعلن أنَّ السيادة ستكون للإسرائيليين على البحيرة، وسيكون للسوريين السيادة على الأرض بأكملها، أما بشأن الإنذار المبكر، فقد قال فاروق الشرع: إنَّ سوريا لا تقبل بأيِّ وجودٍ إسرائيليٍّ في جبل الشيخ، لكنَّها تقبل بالوجود الأمريكي في هذه المحطة خمس سنوات بعد الانسحاب الإسرائيلي))[11].

وبعدها باشر الرئيس كلينتون بتكثيف العمل، لتقريب وجهات النظر فقد قام بالاتصال بالأسد مُعْلِماً إيَّاه بأنَّه قد تمَّت تسوية المطالب السورية المتعلِّقة بالحدود، وبأنَّ باراك قد وافق على ذلك حيث اتَّفقا على عقد قمةٍ في جنيف في 26 آذار/مارس 2000، وفي هذه القمة قال كلينتون بأنَّ: ((باراك رئيس حكومة إسرائيل أبدى مرونةً وتفهماً لمطالبكم، فهو على استعدادٍ لإعادة كلِّ الجولان باستثناء شريطٍ يبعد عن بحيرة طبريا حوالي 500 متر فقط، وربما 400 متر حسبما تتفقون عليه))ص 447. حينها قاطعه الأسد وقال غاضباً: ((هم لا يريدون السلام)) ص 447، فأكمل كلينتون دفاعه بأنَّ: ((باراك يعرف تمسَّك سوريا بأراضيها كلها، ولكنَّه لا يستطيع التخلي عن هذا الشريط الضيق، وسيعطيكم بدلاً منه أرضاً بنفس المساحة، وربما أكثر في الجنوب من هنا)) ص 447. ربَّما علم الأمريكيون بالوضع الصحي السيء للأسد، فأرادوا تمرير الاتفاق، حيث يشرح الرئيس بيل كلينتون الموقف بقوله: ((طلبت من دنيس روس بسط الخرائط التي كنتُ قد اطَّلعت عليها بتمعن استعداداً لذلك اللقاء، وبالمقارنة مع موقفه السابق في شبردزتاون بدا أيهود باراك مستعداً لقبول مساحة أقل من الأرض حول البحيرة تعادل 400 م (1312قدم)، على الرغم من أنَّه كان يريد أكثر من ذلك، وعدد أقل من الأفراد، وفي محطة التنصت وفترة انسحابٍ أسرع. لم يكتفِ الرئيس الراحل حافظ الأسد بذلك، إذ أصبح أكثر قلقاً وعلى عكس موقفه في شبردزتاون قال: إنَّه لن يفرِّط أبداً بالأرض، وأنَّه يريد الاستمتاع بالجلوس على شاطئ البحيرة، وأن يغطِّس قدميه فيها ... وقد حاولنا جاهدين لمدَّة ساعتين لجعل السوريين يتراجعون عن تشدُّدهم بعض الشيء من دون طائل))[12]، إلَّا أنَّ المفاوضات أخفقت في النهاية بشكلٍ كبير.

يلخِّص الشرع في النهاية تقييمه للمفاوضات بالآتي: ((كان جوهر التقييم في مفهوم الرواية القصيرة أنَّ: اللعبة الكبرى التي بدأها الإسرائيليون كدعاةٍ للسلام، والأميركيون كوسطاء نزيهين، قد انتهت وانكشفت. كان لسوريا ما يبرِّر لها اتخاذ السلام خياراً استراتيجياً، فالاتحاد السوفياتي انهار منذ مطلع التسعينيات، ولا ظهير مصرياً أو عربياُ منذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ولا عمق استراتيجياً مع العراق منذ انهيار الميثاق القومي، وما أعقبه من حروبٍ عبثيةٍ مع إيران والكويت، ولا أثر يُذكر لإعلان دمشق بعد أن أُلغي الشق الأمني منه بطلبٍ ملكي، هذا تاريخ حقيقي لا يجوز التلاعب به. وعلى الرغم من كلِّ ذلك، فالمستوطنون الإسرائيليون الذين سرقوا أرض سوريا لن يشعروا بالأمان أبداً، وهذه أيضاً حقيقة لا يجوز إخفاؤها)) ص 450.

 

مات الأسد عاش الأسد ... لم تنتهِ اللعبة بعد!

جاء بعد فشل المفاوضات تنفيذ باراك لخطة الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان في أيار/مايو 2000، ولم تمر فترة طويلة حتى توفي الأسد في العاشر من حزيران/يونيو 2000. يسرد الشرع شهادةً على ما حصل بأنَّ: ((العماد مصطفى طلاس كسر الصمت، واقترح مباشرة ضرورة تعديل الدستور كي يتمكَّن الدكتور بشار من تولي الرئاسة)) ص 457، الأمر الذي أدَّى لتسلم بشار الأسد السلطة. لقد كان الشرع يؤيد ما حصل، مع أنَّه لا يؤمن بالتوريث، لأنَّه يجنِّب البلد حرباً دامية: ((أنا لا أؤمن بالتوريث، ومن هذا المنطلق لم أساير طموحات رفعت، على الرُّغم من عدم وجود مشاعر نفور شخصية تجاهه. وعندما وافقت في هذه الجلسة المفصلية في تاريخ سوريا على اقتراح مصطفى طلاس فإنَّما لسببين كنت مقتنعاً بهما: السبب الأول أني شعرت أنَّ اختيار بشار الأسد سيكون مخرجاً آمناً وبديلاً سلمياً من صراع دامٍ يمكن انفجاره، إذا أخطأنا لأنَّ كلَّ عناصره ما زالت على قيد الحياة. والسبب الثاني أنَّ الدكتور بشار الذي تعرَّفتُ عليه منذ منتصف التسعينيات لديه رصيد شخصي وجملة مؤهلات أخرى تأتي في مقدمتها رغبته المعلنة في الإصلاح والتحديث)) ص 457.

لم يقم الشرع في كتابه بالتعرُّض لأيَّة أحداث سلبية حدثت خلال العقود القليلة الماضية من تاريخ سوريا المعاصر، فلم نقرأ كلمةً عن مجزرة حماة، ولا عن سياسة الحديد والنار التي حكم بها الأسد الأب شعبه، وإن كنتُ لا أنتظر نقداً من الشرع للنظام السوري، كونه أصبح أحد أعمدته الرئيسية فيما بعد، لذلك فقد كان الأجدى أن يبدأ شهادته، منذ توليه وزارة الخارجية عام 1984.

لكن رغم هذه الثغرات فهذا كتابٌ يستحقُّ الوقوف عنده، إذ يحتوي مذكراتٍ لرجل سياسةٍ في مملكة الصمت، يحكي لنا فيها عن رواية مفقودة بكل معنى الكلمة، في خضم اللعبة الكبرى.

 


[1] باترك سيل: "الأسد: الصراع على الشرق الأوسط"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، ط 10 ،2007، ص685 ـ715.

[2] جيمس بيكر: "مذكرات جيمس بيكر (سياسة الدبلوماسية)"، ت: مجدي شرشر، (القاهرة، مكتبة مدبولي، ط 2، 2002)، ص711

[3] جيمس بيكر: "مذكرات جيمس بيكر (سياسة الدبلوماسية)"، مرجع سبق ذكره، ص156

[4] دنيس روس: "السلام المفقود: خفايا الصراع حول الشرق الأوسط"، ص160-161

[5] دنيس روس: "السلام المفقود: خفايا الصراع حول الشرق الأوسط"، مصدر سبق ذكره، ص220ـ223

[6] دنيس روس: "السلام المفقود: خفايا الصراع حول الشرق الأوسط"، مصدر سبق ذكره ص319-325.

[7] دنيس روس: "السلام المفقود: خفايا الصراع حول الشرق الأوسط"، مصدر سبق ذكره ص 648-649

[8] كلايتون سويشر: "حقيقة كامب ديفيد: الوقائع الخفية لانهيار عملية السلام في الشرق الأوسط"، ت: رضوان زيادة وآخرون، (بيروت، الدار العربية للعلوم، ط1 ،2006). ص87.

[9] بيل كلينتون: "حياتي"، ت: حسام الدين خضور، (دمشق، دار الرأي، ط1 ،2004)، ص878.

[10] كلايتون سويشر: "حقيقة كامب ديفيد"، مرجع سبق ذكره، ص103.

[11] دنيس روس، "السلام المفقود: خفايا الصراع حول الشرق الأوسط"، مرجع سبق ذكره، ص 694-695

[12] بيل كلينتون: "حياتي"، مرجع سبق ذكره، ص896.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR