الباحثة سيلا بنحبيب وتأملات في الربيع العربي

مقالة بقلم رشيد العلوي

العدد الرابع - صيف 2015 - الخميس 21 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

هذه المادة هي ترجمة عربية لمقالٍ نشرته البروفسورة سيلا بنحبيب عام 2011 باللغة الإنكليزية في مجلة "تحولات الفضاء العام". وفي المقال المترجم، والمعنون بـ "الدين، الثورة، الفضاء العمومي"، تعلّق البروفيسورة بنحبيب، وبقدرٍ عالٍ من التفاؤل، على طبيعة ومآلات الحراكات الشعبية في تونس ومصر. كما تطرقت في صورة مختصرة إلى جدل العسكر والإسلاموية ومخاطر انحراف الثورات. يذكر أن سيلا بنحبيب تشغل منصب أستاذة العلوم السياسية والفلسفة في جامعة ييل في الولايات المتحدة، وتركز في أبحاثها على النظرية النسوية والنقدية. هذا وقد حصل رئيس تحرير مجلة "دلتا نون" على إذن من البروفيسورة بنحبيب قبل نشر هذا المقال المترجم.

تقديم للترجمة: موقف سيلا بنحبيب من الربيع العربي

ما هو موقف سيلا بنحبيب من الربيع العربي؟ كيف نظرت إلى انتفاضات الربيع العربي؟ هل كانت تعتقد أنَّ تمرُّد الشباب في مصر وتونس والبحرين وليبيا يمثِّل موجةً جديدةً من النضالات؟ ما موقفها من الأخوان المسلمين؟ وهل كانت متخوِّفةً من صعود الأصولية الإسلامية إلى هرم السلطة؟ ما هي قراءتها للحركات الإسلامية التي تجتاح العالم العربي والإسلامي على حدٍّ سواء؟ هل كانت تقف إلى جانب تخوُّفات الغرب من الحركات الجماهيرية المتفجرة؟

خصَّصت سيلا بنحبيب لثورات الربيع العربي مقالاً تحليلياً لانتفاضات مصر وتونس وللموجة التي اجتاحت البلدان العربية بمجرد الانتصارات الأولى للثوار الشباب، وتحديداً يوم 24 فبراير 2011، وترجم بعد أسبوعين إلى الفرنسية من قبل شارل جيرار، وهو مقالٌ جديرٌ بالاهتمام. فهو أولاً مقالٌ يُنْصِفُ الشباب المتمرِّد بهذه البلدان؛ وثانياً، هو مقالٌ يعيد النظر في الموقف الغربي وتحديداً موقف النخب والمعلِّقين والمتخصِّصين في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أي أولئك الذين يكرِّسون العداء لهذه الشعوب بدعوى أنَّ موجة التمرُّد تلك تحمل نسيم الحركات الإسلاموية بكل أطيافها، في سبيل توجيه الرأي العام الغربي نحو اتخاذ مسافة من هذه التمردات؛ وثالثاً، فالمقال ثاقب النظر يضع الأصبع على الجراح، ويحاول أن يضع الربيع العربي في سياقه التاريخي والسياسي.

وجواباً على التساؤلات المطروحة في هذه المقدمة، نقدِّم هنا ترجمةً للنص الإنكليزي إلى اللغة العربية.

 

النص المترجم - الربيع العربي: الدين، الثورة، والفضاء العمومي[1]

 

((الحرية عظيمة، مغامرةٌ كبيرة، ولكنَّها لا تخلو من مخاطر ... فالمخاطر مفتوحة على اللامتوقع))

فتحي بن الحاج يحيى،كاتب تونسي ومعتقل سياسي سابق، نيويورك تايمز، 21 شباط/فبراير 2011.

 

لقد أسرت الحشود الشجاعة في العالم العربي من تونس إلى ميدان التحرير، في اليمن والبحرين، وحالياً ببنغازي وطرابلس، قلوبنا وفكرنا. لم ينتهِ بعد شتاء الاستياء والسَّخط في أمريكا وأوروبا، ولم يقتنص الربيع العربي الرياح الباردة التي أتت بها هجمات السياسيين المحافظين في الولايات المتحدة ضدَّ الفقراء كما يقتنص استمرار صعود المحافظين من القوميين الجدد في ألمانيا وفي فرنسا، حيث تفرض هذه الدول سياسات تقشُّف على كل أُجَرَاء الاتحاد الأوروبي.   

ورغم ذلك فبذورٌ جديدةٌ من المقاومة تنامت في هذه التربة المجمَّدة، وحتى في بعض الولايات الأمريكية. ففي ماديسون في ولاية ويسكنسون يناضل الأُجراء كي لا يفقدوا حقوقهم الجماعية في التفاوض، وقد دخلت مقاومتهم في الأسبوع الثاني. كما تجري نفس الجهود في إنديانا وأوهايو وفي ولاياتٍ أخرى. يحمل متظاهرٌ مصريٌّ لافتةً كُتب عليها: "مصر تدعم عمال ويسكنسون: عالَم واحد، نفس المعاناة". وأحد مواطني ولاية وينكسون يجيب: "إننا نحبكم. شكراً على دعمكم وهنيئاً لكم نصركم!".

يناضل المتظاهرون في ويسكنسون والثوار التونسيون والمصريون، بطبيعة الحال، لأهدافٍ مختلفة؛ في المقام الأول ضدَّ إذلال المواطنين وتحويلهم إلى أفراد خصوصيين منصاعين ويائسين من ويلات الرأسمالية المالية الأمريكية والعالمية خلال العقدين الأخيرين. كما يناضل الثوار العرب، من أجل الحريات الديمقراطية، ومن أجل فضاءٍ عموميٍّ مفتوح، ومن أجل الانخراط في العالم المعاصر بعد عقودٍ من العزلة والكذب والخداع. ومع ذلك وفي الحالتين، تبزغ الآمال في الانتقال؛ فالأنظمة السياسية والاقتصادية صارت هشَّة، وقابلة للتغيير!

نعلم أنَّ ربيع الثورات، ستعقبه غضبات الصيف وانهيار ثلوج الشتاء. فعلى الأقل منذ تحليل هيجل لتمرُّد الجماهير الفرنسية في كتابه "فينومينولوجيا الروح" عام 1807، بات شائعاً الاعتقاد بأنَّ الثورة ستلتهم أبنائها. وهكذا أعلنت هيلاري كلينتون تحذيرات منذ الأيام الأولى من الانتفاضة المصرية، كما عبَّر بعض المحلِّلين عن غياب ثقتهم في قدرة الشعوب العربية على ممارسة الديمقراطية، مبتهجين حالياً عند رؤيتهم للعلامات الأولى للصراع بين المجموعات الدينية والعلمانية في مصر وتونس.

وإلى عهدٍ قريبٍ جداً، كثيراً ما سمعتُ أنَّ الخيارات السياسية ليس في العالم العربي فقط، وإنَّما في العالم الإسلامي ككل، هي ثلاث:

1 – الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي ترسيها الانقلابات العسكرية، كما هو الحال في مصر وليبيا، أو السلالات الملكية التي تشتري ولاءها بثروتها، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية.

2 – "الأصولية الإسلامية" التي تُخفي عمداً الخلافات التاريخية والسياسية بين المجموعات المختلفة، في ظلِّ الأنظمة أو فيما بينها.

3 – إرهاب "القاعدة"، والذي يوضع في نفس سلَّة "الأصولية الإسلامية".

تعود بطبيعة الحال أصول "القاعدة" تاريخياً إلى المملكة العربية السعودية، حيث وُلِدَ أسامة بن لادن، وعدد كبير من مفكري الإخوان المسلمين الموالين للقاعدة بمصر، كسيد قطب مثلاً. فمن المعروف أنَّ الزعيم الثاني للقاعدة هو الطبيب المصري أيمن الظواهري.

لا أحد من المعلِّقين والمتتبِّعين ترقَّبَ بروز حركة المقاومة الشعبية الديمقراطية، ولا أحد تحدث في عمقها بالمعنى السياسي. فمع أن هذه الحركة قد تبدو أحياناً على شكل تقوى/ورع، ولكنَّها ليست بحركة متعصِّبة - وهو تمييزٌ هام يتم تجاهله باستمرار. فكما تلقَّى أتباع مارتين لوثر تربيتهم في كنائس السود بأمريكا الجنوبية وأطلقوا قوتهم الروحية في هذه المجتمعات، فإنَّ حشود تونس ومصر وخارجهما، تربُّوا على التقاليد الإسلامية من قبيل الشهادة؛ فأن تصير شهيداً فهذا قَدَرٌ إلهي! وليس هناك من تناقض ضروري بين الإيمان الديني لعددٍ كبيرٍ من المتظاهرين في الحركات الثائرة في تونس ومصر وبين تطلُّعاتها الحديثةَ!

بأيِّ معنى يمكن اعتبار هذه الحركات حديثة؟ إنَّها كذلك أولاً وقبل كل شيء لأنَّها تسعى وراء إصلاحٍ دستوري، وضمان حقوق الإنسان، وضمان المزيد من الشفافية والمسؤولية من قبل المسؤولين السياسيين، ووضع حدٍّ لرأسمالية المحاسيب[2]، وللنُّخب الفاسدة -كعائلة القذافي القاتلة في ليبيا- التي نهبت بلدانها بتواطؤٍ مع شركات البترول الأجنبية وخَصْخَصَتْ مواردها الثمينة كما هو الحال في مصر. فشباب هذه البلدان درسوا وعملوا في أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أبناء عمومتهم وآباؤهم يعملون كمهاجرين في هذه البلدان، ويعرفون ماذا يقع خارج بلدان الخليج الغنية، وقد تمرَّدوا لمواكبة العالم المعاصر ولا يريدون السكوت عن وضعهم.

كشفت وسائل الإعلام العابرة للحدود للأكاذيب التي تبثُّها وسائل الإعلام الرَّسمية لسنوات، وقد تمَّ الحديث كثيراً عن المساهمة الكبيرة التي لعبتها وسائل الإعلام الجديدة مثل "فيسبوك" و"تويتر" في هذه الثورات. وهذا صحيحٌ بالتأكيد. فوائل غنيم الذي يدير "جوجل" بمصر، يمثِّل حالةً خاصةً في هذا الانفتاح العالمي حينما صرَّح: ((سوف أصافح مارك زوكربورج حينما ألتقي به!))، وكان يعلم دون مواربة أنَّ مارك زوكربورج يهودي! وماذا بعد؟

ما هي إذن الإمكانات المؤسسية: ماليزيا، تركيا، أم إيران؟ لا أحد على ما يبدو قادرٌ على تقليد النموذج الإيراني، ونظراً للاختلافات بين دور اللاهوتي/السياسي المذهبي الشيعي أو السني، فلا يمكن أن تتبع مصر أو تونس النموذج الإيراني. ويمكن أن تشكل ماليزيا مجتمعاً مسلماً استبدادياً ومنغلقاً، حيث يتم التحكم بالمرأة والفضاء العمومي.

أما تركيا فمجتمعٌ متعدِّدٌ ويتبنَّى ديمقراطية حيَّة من طرف أحزابٍ سياسيةٍ متعددة، وغالبيةٍ مسلمةٍ، فضلاً عن تاريخها الخاص من استبداد الدولة. فالروابط التاريخية بين تركيا وبلدان من قبيل تونس ومصر وليبيا أيضاً، تعود الى الحقبة العثمانية، حيث نجد أسماء النُّخب والمدن التركية حاضرةً بعمق وعلى نطاق واسع. ولقد أشاد الشباب المصري كثيراً بالنموذج التركي.

من الممكن جداً أن يُفاجَئ الشبَّان الثائرون العالم بفضل براعتهم، وانضباطهم ، ومثابرتهم وشجاعتهم، ويمكن في المستقبل أن نستفيد من دروسهم حول الدين والفضاء العمومي، الديمقراطية والإيمان، وكذلك حول دور الجيش.

أخيراً، رغم تشاؤمه من الثورة الفرنسية، لم يتوانَ هيجل في رفع كأسه للاحتفال بثوار فرنسا كل 14 تموز/يوليو، يوم اقتحام سجن الباستيل. وها نحن نحذوا حذوه برفع كأس على شرف الشباب الثائر كل 11 شباط/فبراير، مبروك، وهنيئاً. 

 


[1]  نشرت النسخة الأصلية من هذا النص باللغة الإنجليزية في 24 فبراير 2011 على الموقع: "Transformations of the Public Sphere".

 

[2] - يستعمل سمير أمين هذا المفهوم وهو ما يفيد عندنا في المغرب المحسوبية في إشارةٍ إلى استغلال الدولة من طرف العائلات أو العلاقات المادية والروابط القبلية خدمة لمصالح بعض الفئات.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR