الإسلام السياسي كبديل عن إفلاس القومية العربية

مقالة بقلم شاهر جوهر

العدد الرابع - صيف 2015 - الأربعاء 24 / حزيران / يونيو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

إنَّ العلاقة بين القومية العربية والإسلام السياسي كمشروعين نهضويين لم تكن علاقةً طيبةً في كلِّ المراحل رغم محاولات الكثيرين لدمج وتطعيم العروبة بالإسلام، والإسلام بالعروبة، لإزالة اللبس بين المشروعين على اعتبار أنَّ لكلِّ مشروعٍ فئةٌ عريضةٌ من مؤيدين ومناصرين لا يُستهان بهما في الشارع العربي. فهذا الصراع الذي أجَّجه الطرفان أخذ شكل الصراع الضمني في كثيرٍ من المراحل، وتحوَّل إلى صدامٍ مسلَّح في مراحل أخرى، وقد وصل اليوم إلى مرحلةٍ من الترهُّل أصابت القومية العربية ودفعت الإسلام السياسي متخبِّطاً ليطرح مشروعه، ويكون بديلاً وسط حملةٍ عالميةٍ مسعورةٍ عليه.

عموماً ليست هناك فترةٌ زمنيةٌ محددةٌ صيغت فيها فكرة القومية، لكنَّ ظهورها في أوروبا -وهذا ما يهمنا الآن- كان نقطة تحوُّل هامة جداً لجميع بلدان العالم، وخصوصاً منها تلك البلدان السائرة في طور النمو وذات الأغلبية المسلمة في جنوب وشرق المتوسط.

فبعد حالة الفوضى الدينية التي عصفت في أوروبا، وتسلُّط الكنيسة المعروف على جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العلمية، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، اندفع رجال الفكر والمصلحين الأوربيين إلى البحث عن بديلٍ يجمع أوروبا خارج الإطار الديني أو الجامعة الدينية المسيحية، فوجدوا في القومية ملاذهم الأخير للنجاة من تسلُّط رجال الدين ولتوحيد الجسم الأوروبي الممزَّق، ذاك الحلم الذي سعى لأجله الكثير من القادة الأوروبيين عبر التاريخ.

فكانت حركة الإصلاح الديني ثم تالياً مجيء الثورة الفرنسية بشعارها المثلث "حرية، إخاء، مساواة" البذور الأساسية لظهور القوميات، حيث سعى قادة تلك الثورة جاهدين إلى تصدير مبادئ ثورتهم إلى الشعوب المتناقضة أيديولوجياً معها في حالة طبيعية يصوغها أيُّ حراكٍ مجتمعي في العالم.

أمَّا القومية العربية فجاءت متأثِّرة إلى حدٍّ بعيد بهذا التوجه العلماني الأوروبي، فحمَلَ بذورها إلى الوطن العربي مسيحيو بلاد الشام قبل غيرهم، ربَّما لاعتباراتٍ عدَّة منها المستوى العلمي الجيد نسبياً للمسيحيين بالمقارنة مع غيرهم، ولاحتكاكهم المباشر بالنهضة الأوروبية، ما منحهم مستوىً مقبولاً من الوعي السياسي تجاه قضايا أمتهم. وقد ناصرهم في ذلك أيضاً الكثير من المفكرين والمصلحين المسلمين في الوطن العربي الذين أدركوا ضرورة تطبيق التجربة الأوروبية في بلادنا. وقد كان لفساد الإدارة الدينية التي يقودها رجال الدين العثمانيون دورٌ في تعزيز هذا التيار القومي الذي كان يسعى إلى إشراك جميع السوريين دون تمييز في الحياة السياسية بصورة أكبر.

فأخذوا يروِّجوا في كتاباتهم عن مدى التشابه والتطابق بين الواقعين الأوروبي والعربي بخصوص التحول من الانتماء الديني إلى القومي. كما لم يكتفِ أنصار القومية العربية بالترويج لفكرتهم عبر المجلات والصحف، إنَّما تعدَّى ذلك إلى تشكيل جمعيات وأحزاب سياسية تدافع عن مشروعهم وتنادي بضرورة إيقاظ الوعي القومي وتوعية الناشئة وبث الروح القومية بينهم.

تتشابه هذه الحالة مع ما حدث في الثورة الفرنسية التي دافع عنها وتمسَّك في تطبيق مبادئها الأقليات في فرنسا. فمن المعروف أنَّ القانون الفرنسي قبل الثورة قد منع غير الفرنسيين من تسلم مناصب قيادية في البلاد. لكن قيام الثورة الفرنسية على مبادئ الحرية والإخاء والمساواة، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن تالياً، أعطى الجميع ومن كافة الأقليات والطوائف في فرنسا حق المساواة وتسلُّم مناصب قيادية في البلاد إضافةً إلى حقوقٍ أخرى كانوا قد حرموا منها، كما تم اعتبار الأمة مصدر كل سلطة بعد أن كان الله مصدر سلطات الملك.

لكن بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، طغت على الخطاب الشعبي العربي، وحتى الرسمي، دعواتٌ متواضعةٌ لإيجاد أو خلق قومياتٍ بديلةٍ في قلب الوطن العربي أو ما يسميه ليونارد بيجيل في كتابه "الأقليات في الشرق الأوسط" بالشعوبية الجديدة. وأكثر تلك القوميات تأثيراً كانت القومية الفرعونية في مصر، والفينيقية في لبنان، والسورية في بلاد الشام، وأيضاً هناك الكردية والآرامية والسريانية والأمازيغية وغيرها.

هذه النزعات والقوميات الجديدة دفعت القوميين العرب لإعادة ترتيب أنفسهم وطرح أفكارهم بصورةٍ عملية، وبشكلٍ أكثر وضوح للوقوف في وجه منافسة تلك القوميات. فكانت جامعة الدول العربية المشكَّلة بإملاءاتٍ أجنبيةٍ بمثابة تجسيدٍ عمليٍّ فاشلٍ للقومية العربية، الأمر الذي زاد من إحباط المسلمين من العروبة بسبب الفشل الكبير والتمزُّق الذي رسخَّته الجامعة.

وعلى العموم فإنَّ الدعوة إلى القومية العربية بقيت مقتصرةً ضمن نطاق الأقليات الدينية غير المسلمة، كما تبناها عددٌ محدودٌ من المسلمين، ولم تتحوَّل إلى تيارٍ شعبيٍّ عام إلا مع نهاية الحرب الكبرى الثانية، ووصول عبد الناصر عملاق القومية العربية إلى حكم مصر الذي سَخَّرَ ﻟﻬﺎ إعلاماً قوياً، وبرامج سياسية واضحة، فعاشت العروبة في قِمَّة تألقها. وحتى قبل فترةٍ قليلةٍ من اندلاع الربيع العربي تبنَّى القومية العربية الكثير من المفكرين ﻛﻤﺎ ﺗﻮﺟﺪ عدة ﺃﺣﺰﺍﺏٍ ﻗﻮﻣﻴﺔٍ ﻣﻨﺘﺸﺮﺓٍ ﻓﻲ ﺍﻟبلاد العربية.

لكن مع اشتعال الربيع العربي، ومع استخدام قادة القومية العربية الحديد والمنشار والآلة لقمع الاحتجاجات الشعبية، أخذ صوت العروبة يأفُل حتى ارتبط في الذهنية المجتمعية بأنَّ القومية تساوي الاستبداد، ما أدى إلى صعودٍ واضحٍ للإسلام السياسي. هذا الصعود لم تفرزه انقلاباتٌ عسكريةٌ كتلك التي أوصلت القوميين العرب إلى حكم الشعوب العربية مدَّة نصف قرنٍ ويزيد، إنَّما صناديق الاقتراع. فقد أثبتت الانتخابات التي جرت في بعض دول الربيع العربي بشكلٍ واضح، ولا يدعو للشك، مدى إفلاس القومية العربية ﻭأنَّها الآن تعيش فترة انحسارٍ وجمود، أو كما يقول حمّود حمّود: ((أنَّ هناك عملياتٌ تاريخيةٌ متكاملةٌ تضرب في عمق الواقع العربي، سواء على الصعيد الثقافي، المتقادم تاريخياً، أو السياسي المتعفِّن ديكتاتورياً -لا يمكن الفصل بين هذين الجانبين- وإنَّ من أهمِّ ما أنتجته هذه العمليات هو الإفلاس الرهيب للأيديولوجيات العربية، وتحديداً الجانب القومي منها، في أنْ تقدِّم شيئاً لشعوبها)).1

تُعدُّ تجربة الإخوان المسلمين في مصر من أكثر التجارب الديمقراطية التي شهدتها المنطقة العربية نجاحاً منذ قرابة قرنٍ من الزمان. لكن منذ وصول الإسلام السياسي إلى حكم مصر أخذت الحملات المضادة تروِّج بأنَّ الإسلام السياسي يبتعد عن المرونة والتجانس، وأنه غيرُ قابلٍ للانسجام مع التطورات الجديدة التي يشهدها العالم اليوم. ومن الواضح من خلال حملات التشويه والشيطنة التي يروِّج لها الغرب عبر وسائله المتعددة تجاه الإخوان في مصر من أن هناك خشية من أن يفضي نجاح التجربة الإسلامية فيها إلى تصديرها لدول عربية أخرى، واعتماد تلك التجربة كنموذجٍ مقبولٍ وتعميم المشروع الإسلامي على حساب المشاريع القومية الأخرى التي حمت المصالح الغربية طوال العهود السابقة. فجاءت الإطاحة بحكم الرئيس مرسي، وجلب حكمٍ عسكري بديل، كدليلٍ على أنَّ المشروع الغربي اليوم يجاهد بكافة مسمياته ألا تكون هناك أي رابطةٍ أو جامعةٍ إسلاميةٍ توحِّد أبناء الوطن العربي .

ويبقى السؤال: هل التآمر على المشروع الإسلامي السياسي قد أفشل الإسلام السياسي في مصر والمنطقة العربية؟ إن ما يجري للإسلام السياسي اليوم ليس فشلاً بقدر ما هو فرصةٌ لإعادة ترتيب نفسه وفق إستراتيجياتٍ تعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على السياقات السياسية والمحلية والإقليمية التي تنشط ضمنها، وهي سياقاتٌ غايةٌ في التنوع، وغالباً ما تؤدي إلى مواقف مختلفة نسبياً خصوصاً فيما يتعلق بالمشاركة الديمقراطية والقانونية في اللعبة السياسية، وكذلك فيما يتعلَّق باستخدام العنف. فما تعرَّض له المشروع النهضوي الإسلامي على مدى سنين طويلةٍ ليس أقلَّ حدَّة مما يتعرَّض له من ضغوط  اليوم، حيث تمكن طوال الفترة السابقة من أن يثبت نفسه كمشروعٍ قادر، إن أوتيت له الفرصة، على إدارة البلاد بطريقةٍ جيدةٍ ومنظمة. وفي حال تمكَّن الإسلام السياسي من تدارك أخطائه السابقة، وعدم الانزلاق في الأخطاء التي وقع بها القوميون العرب من استخدام العنف، أو حصر مشروعهم النهضوي في إطارٍ حزبيٍّ جامدٍ، عندها سيكون ذلك بمثابة إعلان رسمي لوفاة القومية العربية.

 

المراجع

 حمود حمود: في أسلمة الأيديولوجيا العربية -مجلة دلتا نون- العدد الثالث- ربيع 2015- الأربعاء 20 /أيار/2015.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR