مبادرات الدعم النفسي في اللاذقية

ريبورتاج بقلم عبير ديبة

العدد الرابع - صيف 2015 - الأحد 28 / حزيران / يونيو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تقتصر نشاطات الدعم النفسي الاجتماعي في مدينة اللاذفية السورية على الألعاب والأنشطة الترفيهية والرياضية للأطفال فقط، في وقت تكثر فيه أعداد المتضررين من الحرب السورية وتزداد احتياجاتهم المادية والاجتماعية والنفسية مع مرور الزمن. ولهذا تبرز أهمية تطوير وتوسيع برامج الدعم من قبل جميع الأطراف الفاعلة في هذا المجال، لتشمل الفئة الأوسع من المجتمع السوري الذي تضرر بمختلف نواحي حياته من حرب تعد من أقسى الحروب التي واجهتها البلاد عبر تاريخها الحديث.

مقدمة

في اللاذقية، حيث لا أرقام ولا إحصائيات دقيقة، تكبر أعداد ضحايا الحرب، ويزداد تدفُّق النازحين من مختلف مناطق النزاع الساخنة في سوريا، والذين يحلو للحكومة السورية أن تطلق عليهم اسم "الوافدين إلى مراكز الإقامة المؤقتة"، لترك بصيص أملٍ لهم بنزوحٍ مؤقَّت، أو عودةٍ قريبةٍ إلى ما تبقى من الديار. على أنَّ التسميات لم تعد تعني أحداً اليوم، خاصةً أولئك الذين أنهكتهم الحرب وأفقدتهم عائلاتهم وبيوتهم ومصادر رزقهم، تاركةً آثاراً لا تُمحى في نفس من رأى وسمع وعاين الحرب عن قرب، وعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات.

 

حياة في المخيم

 يعيش أبو محمد مع زوجته وأطفاله الأربعة في أحد "مراكز الإقامة المؤقتة" في اللاذقية، نازحاً من ريف إدلب، لتحتضنه المدينة الساحلية الصغيرة بمساحتها، الكبيرة بأرقام قاطنيها، يقول أبو محمد: ((رأينا من الحرب ما لا نستطيع نسيانه، بعد أن فقدنا كلَّ ما نملك)). ويضيف: ((فقدت بيتي وعملي، ومعظم أفراد عائلتي باتوا الآن في مخيمات مثلي. لا يمكنني أن أمحي لحظات الخوف من ذاكرتي منذ خروجنا من القرية، وحتى وصولنا إلى هنا، فكيف سأجعل أولادي يتجاوزون كلَّ ذلك في هذا المخيم؟)). ويتابع: ((هناك الكثير من الجمعيات التي تأتي إلى هنا وتقدِّم لنا المساعدات والخدمات، وأحياناً يقومون بتنفيذ ألعابٍ للأطفال، لكنَّ الوضع لا يزال سيئاً، فأنا لا أعمل وخروجي من المكان محدود، والأطفال يسألونني كلَّ يوم متى سنعود إلى المنزل؟)).

 

الدعم النفسي للأطفال

قصصٌ مأساوية أفرزتها الحرب في سوريا، كان للأطفال النصيب الأكبر منها. بدءاً بالموت أو الإصابة، وصولاً إلى فقدان الأهل والتهجير والاختطاف، وانتهاءً بمعسكراتٍ مخصَّصةٍ لتدريبهم على تنفيذ هجماتٍ انتحارية، وحمل كافة أنواع الأسلحة قبل الزجِّ بهم في أرض المعركة. قد لا تظهر عواقب الحرب النفسية على الأطفال -وهم الفئة الأكثر تضرراً- خلال النزاعات المسلحة بشكلٍ مباشر، لكنَّها بالتأكيد تؤثِّر على نموهم النفسي والاجتماعي، وهو ما يؤدي إلى إحداث آثارٍ سلبيةٍ جسيمةٍ وطويلة الأمد، إن لم يتمَّ البدء بتلافيها منذ الآن.

وحول ذلك تقول الاختصاصية الاجتماعية روزا عيسى: ((لكلِّ طفلٍ ردة فعلٍ خاصةٍ تجاه الصدمة التي قد تخلِّف آثاراً تتفاوت درجتها بين السلوك العدواني والانعزالية أو فقدان الثقة، ومن المحتمل أن تؤدي إلى ازدياد حالة الإعاقة في حال وجودها، لذلك من الضروري جداً تقديم الدعم النفسي للأطفال استناداً لهذه المشاكل، مع الأخذ بعين الاعتبار الفئة العمرية لكلِّ طفل، والبيئة المحيطة فيه)).

وتضيف عيسى: ((لا تقتصر عمليات الدعم النفسي على بضعة أنشطةٍ وألعابٍ ترفيهيةٍ فقط، بل هي عبارةٌ عن حلقةٍ متكاملة، تبدأ بالأنشطة وتمرُّ بدور الاختصاصين الاجتماعيين، حتى الوصول إلى المشاكل السلوكية التي تتطلَّب تدخُّل اختصاصيين أو أطباء، وهناك حدودٌ لا يمكن تجاوزها للعاملين في هذا المجال، لأنَّها قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة)).

أما عن الدعم النفسي للبالغين، تضيف عيسى: ((هنا لا تكفي الأنشطة، بل نحن بحاجة برامج داعمة أو مراكز تأهيل مهنية مثلاً تحتضن الأشخاص الذين فقدوا عملهم، وتعمل على تدريبهم على مهنٍ يدويةٍ لتعيد لهم الإحساس بالفاعلية والقدرة على الإنتاج والعطاء رغم كل الظروف، وهذا كفيلٌ بتقديم الدعم النفسي لهم)).

 

مع الاختصاصية الاجتماعية روزا عيسى

 

أربع سنوات من الاستجابة الطارئة

تغصُّ المدينة بأعدادٍ كبيرةٍ من المتطوعين العاملين ضمن جمعيات أهلية أومبادرات محلية، أو مجموعاتٍ وطنيةٍ كما تطلق على نفسها، وهي بمجملها متماثلة، إذ تقوم على مصالح وقيم وأهداف مشتركة، وتشارك في العمل الإغاثي، وتقدم نشاطات متشابهة تُرصد لها مبالغ مالية وطاقات بشرية كبيرة، إحداها هي نشاطات الدعم النفسي الاجتماعي للأطفال (5-14 سنة). وعلى الرغم من ضرورة تقديم الدعم النفسي للبالغين أيضاً، إلا أنَّ هذا الأمر غير موجود في اللاذقية إلا في نطاقٍ محدودٍ جداً.

وعن العمل في هذا المجال في المحافظة يقول أحمد الناشط في مجال العمل الإغاثي: ((لا يكفي أن نتوجه إلى مركز الإقامة المؤقتة مع حقيبة من الألعاب الترفيهية -وهذا ما يحدث أغلب الوقت- دون دراسةٍ أكاديميةٍ مسبقة تتضمن تقييماً كاملاً للاحتياجات، يتمُّ على أساسه تصميم برنامج الدعم)). ويضيف أحمد: ((قد يكون الأمر عن حسن نية أو رغبة في تقديم المساعدة للبلد، هذا هو الخطأ الذي تقع فيه معظم المبادرات والمجموعات المحلية، التي تؤدي بتدخلها غير المدروس تؤدي إلى إحداث أثرٍ سلبي في المجتمع المستهدف دون وعي أو إدراك، لكنَّ الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه هذه الجهات هو سلخ الأشخاص المستهدفين عن واقعهم، إذ لا بدَّ من نشر الأفكار الإيجابية في بيئةٍ آمنةٍ ومريحة، لكن دون الابتعاد عن الحقيقة)).

ويتابع: ((المجتمع السوري بأكمله تأثَّر بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، والمشكلة الحقيقية أنَّنا وبعد أربع سنوات من الحرب، لا زلنا نعمل ضمن نطاق الاستجابة الطارئة وكأنَّ الحرب ستنتهي غداً. إذ حتى وإن انتهى النزاع المسلح غداً، فآثاره مستمرةٌ وأمامنا سنوات من العمل، ولا يمكن الانتظار حتى انتهاء الحرب حتى نعمل، يجب أن نعمل حتى تنتهي الحرب)).

ويختتم حديثه: ((لا بدَّ من الاستفادة من تجربة أربع سنوات ببناء دليلٍ للدعم النفسي الاجتماعي في سوريا، يراعي فرادة المواطن السوري وتميزه. وهناك خبراتٌ سوريةٌ كبيرةٌ في هذا المجال يمكن استثمارها، والبدء بدراسةٍ جديةٍ لإدخاله إلى المدارس بالتعاون مع الحكومة السورية، التي تلعب الدور الأهم وتتحمَّل المسؤولية في هذا الموضوع، فلا يمكن إلقاء العبء بالكامل على الجمعيات الأهلية، فوزارة الشؤون الاجتماعية تتحمَّل اللوم الأكبر لأنَّها لا تدعم هذه الجمعيات لتنفِّذ خطط عملها بالشكل الأمثل)).

 

المتطوعون أمام تحديات يومية

يعاني الناشطون في مجال الدعم النفسي من تحديات عدَّة تجعل عمليات الدَّعم بمجملها في المستوى الأول، ولا تتعدَّاها إلى ما هو أكثر من ذلك، وتتولى عمليات الدعم النفسي في اللاذقية ثلاث منظمات رئيسية هي: "الهلال الأحمر العربي السوري"، "بطركية الروم الأرثوذوكس" و"الأمانة السورية للتنمية"، بالإضافة إلى جمعيات أخرى أصغر، مموَّلة من منظماتٍ دوليةٍ كـ "يونسيف" وغيرها، ومعظم ما يُقدَّم من دعمٍ يكون عن طريق أنشطةٍ تفاعليةٍ ورياضيةٍ للأطفال لا أكثر.

وعن العمل في هذا المجال تقول ديمة حمود الناشطة في مجال الدعم النفسي الاجتماعي: ((مع بداية تدفُّق الوافدين إلى اللاذقية، كنَّا ننفِّذ نشاطاتٍ مختلفةٍ للأطفال في مراكز الإقامة المؤقتة، ولم نكن نعلم أنَّ هذه النشاطات تندرج تحت بند الدعم النفسي، ومع مرور الوقت ونظراً للاحتياجات المتزايدة، حضرنا عدَّة ورشاتٍ تدريبيةٍ منظمة في هذا المجال، وأًصبحنا أكثر خبرةً عما قبل)).

وتضيف حمود: ((نعاني من مشاكل عدَّة في هذا المجال، أبرزها عدم وجود الاختصاصيين في حال واجهنا حالاتٍ تحتاج لتدخلهم، بالإضافة لعدم الاستمرارية في العمل، فعملية الدعم يجب أن تكون مستمرة، ما يعرقله أسباب عديدة كاضطرار معظم المتطوعين المدرَّبين بشكلٍ جيدٍ للسفر، إما بسبب الخدمة الإلزامية أو بسبب الوضع الاقتصادي والرغبة في البحث عن فرص عملٍ أفضل في الخارج)).

وتتابع الناشطة: ((المشكلة الأهم هي عدم وجود دعم الداعم، فبعد سنواتٍ من العمل وجهاً لوجه مع هذا الكم الهائل من القصص المحزنة، من الضروري أن يحصل الداعم النفسي على نوعٍ من المساعدة، بحيث يستطيع تفريغ الضغط النفسي، وتكون هذه المساعدة من خلال مجموعات دعمٍ يشرف عليها مختصون، يقوم فيها أعضاء فريق الدعم النفسي بمشاركة تجاربهم وخبراتهم والحديث عنها ومناقشتها مع الاختصاصيين. كلُّ ذلك يبقي عمليات الدعم على أهميتها في المستوى الأول فقط، وهو مستوى الألعاب والأنشطة التفاعلية)).

مع الناشطة في مجال الدعم النفسي والاجتماعي ديمة حمود

 

الخطط المستقبلية

لا تزال خطط الحكومة السورية، ممثلةً بوزارة الشؤون الاجتماعية، مبهمةً وغير واضحةٍ فيما يتعلَّق بتفعيل برامج الدعم النفسي الاجتماعي بشكلٍ أكبر، ليشمل أعداداً أكبر من المتضررين وشرائح عمرية أوسع، وتقديم الدعم والتدريب اللازم لمنظمات المجتمع الأهلي، والتنسيق معها لتكون جزءاً مكملاً لعمل الدولة -باعتبارها المسؤول الأول- في هذا المجال.

وحول ذلك تحدَّث مسؤولٌ عن برنامج الدعم النفسي، فضَّل عدم ذكر اسمه، عن وجود مشروعٍ يتمُّ التحضير له، بالتنسيق بين "يونسيف" و"وزارة التربية" في سوريا، لإدخال الدعم النفسي إلى المدارس، بحيث يشمل أعداداً أكبر من الأطفال. مشيراً إلى أنَّه سيتمُّ قريباً البدء بتدريب المرشدين، وقسم من الأساتذة، أي ما يقارب 150 شخص في عددٍ من المحافظات السورية، على برامج الدعم النفسي. مؤكِّداً على وجود عدَّة مشاكل في إطار العمل بهذا المجال، أبرزها؛ ضعف التنسيق بين الجهات العاملة على الأرض، وضعف الكوادر والخطط.

 

الخاتمة

ما من جهاتٍ تقوم بدراساتٍ لقياس الأثر الذي تركته عمليات الدعم النفسي بشكلٍ علميٍّ ودقيق، على المجتمع المستهدف منذ بدء الأحداث في سوريا، ولكن إلى الآن يبدو عمل معظم العاملين في مجال الدعم النفسي الاجتماعي بلا رؤيةٍ واضحةٍ لردم الآثار التي خلَّفتها سنواتٌ من حربٍ قاسية، مسَّت كلَّ نواحي الحياة ولا تبدو نهايتها قريبة في الأفق. وهنا لا بدَّ من طرح بعض التساؤلات حول مدى جدية العمل، وضرورة اتخاذ الخطوات اللازمة لوضع خططٍ مشتركةٍ، من خلال تعاضد كل منظمات المجتمع المدني العاملة في المحافظة، وتركيز جهودها وطاقاتها البشرية والمادية، للنهوض ببرامج الدعم النفسي إلى مستوياتٍ أكثر أكاديميةٍ وفاعلية.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR