دوامة التشدد والتصوف في المجتمع السوري

ريبورتاج بقلم وسام الديروان

العدد الرابع - صيف 2015 - الأربعاء 08 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

أربع سنواتٍ ونصف من حمَّام الدم المندلع في سوريا، لا شكَّ أنَّها كانت كفيلةً بخلق آثارٍ اجتماعيةٍ لا تُحمد عقباها، فالمعارك لا تقتصر على الدبابات والطائرات فحسب، بل ثمَّة اشتباكاتٌ من نوعٍ آخر قوامها نشوء خلافٍ وانقسامٍ بالمجتمع السوري على خلفياتٍ فكريةٍ دينية. بعض تلك الأفكار متصوِّفٌ يتبنّى التيار المعتدل، وآخر أصولي يعتنق التشدُّد بالأفكار الدينية، أو ما يمكن تسميته بحرفية النص. فعودة نسبةٍ كبيرة من المجتمع إلى عقلية القبلية والتعصُّب، فرضت على معظمهم اتَّخاذ موقفٍ واضحٍ وصريحٍ إزاء كلِّ حادثة، وبالتأكيد فالخلفية والمرجعية الدينية لا يمكن تجاهلها بهذا الصدد.

تمهيد

السؤال الذي كان خفياً وبات مطروقاً اليوم، هو معرفة المرجعية الدينية والمذهبية لأيِّ شخصٍ يتمُّ التعرُّف عليه من حديثه. فقد كانت أربع سنوات ونصف من حمَّام الدم المندلع في سوريا كفيلةً بخلق آثارٍ اجتماعيةٍ لا تُحمد عقباها، إذ أنَّ المعارك لا تقتصر على الدبابات والطائرات فحسب، بل ثمَّة اشتباكاتٌ من نوعٍ آخر قوامها نشوء خلاف وانقسام بالمجتمع السوري على خلفياتٍ فكريةٍ دينية، بعضها متصوِّف يتبنَّى التيار المعتدل، وآخر لا يأخذ الدين من منظور مادي، وثالث أصولي يعتنق التديُّن والإسهاب بتنفيذ تعاليمه وهو ما يمكن تسميته بحرفية النص. فعودة نسبةٍ كبيرةٍ من المجتمع إلى العقلية القبلية والتعصُّب فرضت على معظمهم اتخاذ موقفٍ واضحٍ وصريحٍ إزاء كلِّ حادثة، وبالتأكيد الخلفية الدينية والمرجعية لا يمكن تجاهلها بهذا الصدد.

 

عن التصوُّف والتشدُّد

الصوفية يفسِّرها معتنقوها بأنَّها تشير للعدل والاعتدال، فالصوفي هو الشخص المعتدل، إضافة لمصطلح "العشق الآلهي"، والشخص المتصوِّف هو الذي يبني علاقة حبٍّ روحيةٍ بينه وبين ربِّه بغضِّ النظر عن تصرفاته وأعماله، ويبرز هذا الاتجاه بشكلٍ واضحٍ في المؤسَّسة الدينية الرسمية السورية، والتي كان معتنقوها من كبار علماء الفقه والإفتاء الديني في سوريا، أبرزهم الشيخ أحمد كفتارو والعلامة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي اغتيل إثر نفجيرٍ استهدف منبره في مسجد الإيمان وسط دمشق. إلا أنَّ هذا الوصف لا يُبرئ المتصوِّفين من وجودهم في ميدان الحروب بعدَّة معارك سواء كانت تلك التي تتعلق بالوجود، أو ما ينتج عنها مكاسب سياسيةٍ واقتصادية، كان أبرزها حروب معتنقي الطريقة النقشبندية في العراق.

أما ما هو خلاف المتصوِّف فقد يكون إنساناً يتجه نحو دينه الحنيف فقط دون تبني التصوُّف أو أيِّ اتجاهٍ آخر ينضوي ضمن الإسلام السياسي، وهذه الشريحة تشمل السواد الأعظم من المجتمع السوري، الذين يصفهم أخصائيون اجتماعيون بالمتعيِّشين الذين يهمُّهم إرضاء دينهم وكسبِ رزقهم ورزق عائلتهم، دون تحويل الدين إلى حزبٍ كبير يحققون من خلاله مكاسب سياسية.

تبقى الشريحة الثالثة وهي الأصولية التي ترفض الأفكار المختلفة، وتتهم المتصوِّفين بإدخال بدعٍ إلى الدين. وقد عرف أتباع هذه الشريحة بأصحاب حرفية النص؛ أي تنفيذ العقيدة الإسلامية -القرآن والسنَّة- بحرفيتها وما تدعو إليه من حقوقٍ وواجبات، كجلد الزاني وقطع يد السارق وأداء الفرائض الإسلامية بأكملها. ويبرز هذا الاتجاه بشكلٍ واضحٍ في معظم مؤسَّسات المعارضة، التي انصبغت بالفكر الإسلامي الأصولي بشكلٍ واضح أو أُجبرت على الانصباغ به، ولا سيما مع وجود المهاجرين أي المقاتلين من غير الجنسية السورية الذين قدموا إلى سوريا "لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله على الأرض". ومنذ اندلاع الأحداث في سوريا باتت هذه الشريحة مهدَّدة باستمرار بسبب موقفها الإسلامي الذي جعله باستمرار في خانة المخرب.

ويدور بين هذين الفريقين صراعٌ مصيريٌّ في معظم الدول العربية، باستثناء سوريا التي كانت تعيش ما يمكن وصفه بالتآلف بين الأفكار والمرجعيات رغم احتواء المجتمع السوري على فرقٍ وأشخاصٍ من تياراتٍ متعدِّدة، لكنَّ الحرب الأخيرة بدَّدت هذا الوهم.

 

فطرة المجتمع

ويوضِّح الشيخ مصطفى قاوجي الخبير بالجماعات الإسلامية ونفسيتها في حلب: ((أنَّ ثمَّة رجالٌ متصوِّفون عاصروا الاحتلال الفرنسي وقارعوه لذلك فإنَّ هذا الفكر الأصيل الذي خلق بالفطرة على هذا الفكر المتسامح الذي إن رمز فإنَّما يرمز للسلام والمحبة وعدم الانخراط بالحروب والصراعات))، مشيراً إلى أنَّ البنية الدينية للمجتمع السوري هي بنية صوفية بحتة تُعنى بتقديس الأولياء والصالحين والتبرُّك عند مقاماتهم، وفي ذلك رمزٌ واضحٌ للسلام، فلا تكاد توجد منطقةٌ في سوريا إلا وتحوي عدَّة أضرحة ومقامات، ما يدلِّل على صحة أنَّ المجتمع السوري بيئةٌ حاضنة للتصوُّف منذ الأزل.

وتابع الشيخ قاوجي: ((إنَّ الفكر الأصولي دخيلٌ على المجتمع السوري بامتياز، حيث بدأت جذوره تنشأ على خلفية أحداث العراق وانتشار الجهاديين على الحدود بين سوريا والعراق، لذلك فلا حاضنة شعبية لديهم، أمَّا عن المناطق التي يقطنها مئات آلاف المواطنين وتديرها جماعاتٌ متشدِّدةٌ حالياً فهو أمرٌ مؤقَّت سيتبدَّد بتبدُّد هذه الجماعات، إذ أنَّ استخدام الأصوليين للعنف المطلق كالذبح والرجم والرمي بالناس من أماكن مرتفعة، من شأنه جعل الناس تسكت وتتعايش مع أفكارهم مرغمة، لكنَّ الحقيقة أنَّهم سينقلبوا عليهم عندما تتاح لهم الفرصة)).

وأضاف: ((صحيحٌ أنَّ الصراع بين هذين الفريقين يرتبط نوعاً ما بالحروب على الأرض، لكن حتى لو انتصر التيار الأصولي لن يرضى المجتمع السوري بالتعايش معه وسيلجأ إلى التصوُّف والاعتدال بالخفاء كما يجري حالياً في عدَّة مناطق شرق سوريا، لأنَّ هذه الأفكار التي تشير للتسامح أصيلة وفطرية بالمجتمع السوري ومن الصعب تغييرها في يومٍ وليلة))، مشيراً إلى أنَّ الصوفيين لو مُكِّنوا سياسياً لأزالوا آثار المتشدِّدين والأصوليين من العالم الإسلامي نهائياً.

 

صورةٌ جيدة عن الإسلام

وأردف الشيخ قاوجي: ((إنَّ فكر التسامح المعتدل الممثَّل بالصوفية بات حبل النجاة الوحيد لظهور الإسلام أمام الرأي العام العالمي بصورته الحقيقية التي تُعبِّر عن التسامح والرقي، فبعد المجازر المروِّعة التي ارتكبت باسم الإسلام كان آخرها حادثة مجلة "شارلي إيبدو"، بات المسلم في نظر الغرب والعالم أنَّه الإنسان الذي يتعطَّش للدم والتطرُّف والذبح، دون أدنى درجةٍ من الرحمة، ورغم أنَّ هذه الصورة للإنسان المسلم قديمة إلَّا أنَّها تنتعش مع هذه الأفعال ويزداد ترسيخها وغرسها في فكر المواطن الغربي، كما يريد القائمون على تدفق الأنباء على المستوى الدولي))، موضحاً أنَّنا بحاجةٍ اليوم إلى دينٍ إسلاميٍّ حقيقيٍّ بفطرته التي خُلق عليها دون إلزام الغير، فالإنسان هو ثمرة الخالق على الأرض ووجوده مرتبط بتطبيق إنسانيته، باعتدال، فدين الإسلام هو دين السلام وليس دين الإرهاب وهذه الفكرة ممكن إيصالها إلى الرأي العام العالمي من خلال فكرٍ معتدلٍ يعطي العالم الفكرة الحقيقية عن الإسلام بعيداً عن التشدُّد والبدع.

 

متصوِّفون بدمشق

بعد مرور سنواتٍ على الأحداث الدموية، لازال معتنقو الفكر الصوفي متمسِّكين بأفكارهم وأداء شعائرهم اليومية عبر إقامة حلقاتٍ لمديح النبي، وإقامة موالد "المولوية" وهم عبارة عن رجالٍ متأصلين بالفكر الصوفي يقومون بالدوران بعباءتهم المعروفة لساعات، دون أن يشعروا بأدنى أعراضٍ لذلك. ويفسِّر الشيخ عبدالله شوا، أحد رجال هذه الشعائر أنَّ ((الدوران لفترةٍ طويلة قد يشعر الإنسان العادي بالدوخة، وقد يقع أرضاً بدقائق، لكن عندما تتعمَّق وأنت تدور لفترةٍ طويلة وتشعر أنَّك بين يدي الخالق وتعيش هذا الشعور من الحبِّ الروحي فإنَّك حتماً لن تصاب بأي أذى)).

لا يقف الأمر هنا فحسب فأتباع هذه الطريقة الصوفية لازالوا يمارسون كلَّ طقوسهم وشعائرهم الدينية في دمشق رغم الأزمة، بل ازداد تمسُّكهم بهذه الشعائر على ما يشير خادم مقام الشيخ محي الدين ابن عربي، الذي أوضح أنَّ المقام يُنشئ مولداً نبوياً وذِكراً يومي الاثنين والخميس من كلِّ أسبوع. وتابع خادم المقام الذي رفض ذكر اسمه، أنَّ ((المقام أُغلق مطلع الأحداث لمدة 9 أشهر بداعي الترميم ثم أُعيد افتتاحه، ليكون مقصداً للمتصوِّفين الذين يتقرَّبون إلى الله خلال زيارة المقام ويطلبون منه الرحمة داعين بقضاء حاجاتهم الشخصية)).

ويُعتبر مقام الشيخ محي الدين ابن عربي الواقع بمنطقة الشيخ محي الدين بدمشق المقصد الأول للمتعبِّدين الصوفيين، حيث يحوي إلى جانب ضريح الشيخ محي الدين، ضريحاً للأمير عبد القادر الجزائري الذي كان من معتنقي الصوفية.

 

 

درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح

لعلَّ هذه الجملة كانت متأصِّلةً في الفكر الصوفي المعتدل الذي عُرف عنه منذ الأزل أنَّه فكرٌ مسالم، يتجنَّب الدخول في الصراعات. فمنذ زمن بعيد نأى أصحاب هذا الاتجاه الدخول في أيِّ حرب، وأخذوا موقفاً محايداً من جميع الصراعات، وذلك باتِّباع عباراتٍ خاصة بهم في هذا الجانب أبرزها: ((إذا اشتدَّت الفتن فالزموا بيوتكم))، و((درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح)). ويمتدُّ هذا الفكر حتى لو أثَّرت على كيانهم الشخصي، ويتَّضح ذلك من خلال موقفهم المحايد ضمن الحرب الدائرة في البلاد حالياً وعدم دخولهم بأيَّة حروبٍ على الأرض، وحتى لو اتَّخذوا موقفاً فلم يتعدَّى الخطابات الدينية، وذلك على عكس الأصوليين الذين استخدموا الحراك الذي نشط مطلع الأحداث، واتخذوا موقفاً واضحاً ودعوا منذ بدء الأحداث إلى التعبئة والشحن المذهبي والديني، وتجنيد الشباب للقتال في صفوف المعارضة والتنظيمات الجهادية بألوانها المختلفة التي تنشط اليوم على الأراضي السورية. إلَّا أنَّ هذا الواقع لا يمكن إسقاطه على كلِّ الحروب التي شهدتها مناطق تحوي أصوليين ومتصوفين، حيث سبق للمتصوفين أن شاركوا بأكثر من معركةٍ دارت ضمن المنطقة العربية، وخصوصاً الحروب التي شارك فيها معتنقو الطريقة النقشبندية في بلاد الرافدين.

 

المتشدِّدون بدؤوا

انطلاقاً من فكرة محمد عبد الوهاب مؤسِّس الدولة الوهابية في -تطهير الدين من البدع- برزت الحرب الواضحة بين الصوفيين والمتشدِّدين الذي قاموا بأعمالٍ استفزازية، منها تدمير عدَّة أضرحةٍ صوفية في المناطق التي سيطروا عليها مثل ضريح الشيخ نبهان بحلب، وكان آخرها ضريح الإمام النووي بمحافظة درعا.

وما زاد من الاحتقان هو الخطابات الاستفزازية التي تشنُّها التيارات التي لا تؤيد أفكار المتصوِّفين في كلِّ مناسبة، كاتهامهم بتحريف الدين الإسلامي وإدخال البِدع إليه، وشتم طقوسهم وطرق تعبُّدهم، مثل قراءة الفاتحة على قبور الأموات وتقديس الأضرحة، حيث وصفوها بأنَّها أفكار وشعائر دخيلة على الدين الإسلامي ومبتدعة، هذه الحرب انعكست بشكلٍ واضح على المجتمع السوري الذي فُرض عليه تحديد موقفه وانتمائه.

 

متصوِّف أم متشدِّد؟

هذا السؤال بات يُطرح يومياً عشرات المرات في دمشق بين المواطنين الذين برز لديهم الفضول في معرفة خلفية أيِّ شخصٍ يقابلونه. هو انقسامٌ جديدٌ خلقته الحرب، حيث نشأ بين أطياف الشعب السوري نتيجة الحرب الواضحة التي تدور رحاها، والتي لا يمكن تبرئتها من خلفياتٍ دينية.

حسام العنداني 35 عاماً يقول: ((لم أكن متشدِّداً ولم أكن متصوِّفاً كنت مسلماً عادياً فقط، لكن في كلِّ فترة أجد أنَّ السؤال ذاته يطرح أمامي، فلم أكترث للموضوع إذا لا يعنيني أحد من الطرفين فكنت أكتفي بالقول بأنَّي مسلم، ومع الوقت لاحظت أنَّ البعض بات يأخذ علي أنَّني من السلفيين أو الوهابيين بسبب رفضي للإجابة على سؤاله))، وينطبق الأمر نفسه على ريما محمد وهي طالبة جامعية، تقول ريما: ((لم أزر مقاماَ صوفياً طيلة حياتي ولم أتبنَّى تياراً متشدِّداً لكن لا أدري لماذا يتكرَّر هذا الطرح أمامي، كنت أكتفي بالقول بأنَّي مسلمة لكنَّ ذلك لم يرضِ المجتمع من حولي)).

الحالة ذاتها يعيشها الطالب الجامعي خالد زرير، الذي يتساءل عن سبب توريد هذا الفكر، لكنَّه لم يستغرب؛ لأنَّ التعصُّب بات موجوداً في الأشياء البسيطة في المجتمع. وتشاطره في الرأي كندة الأحمد، وهي طالبة علم اجتماع، حيث تُبين أنَّ الفن والرياضة والأشياء البسيطة أصبحت في متناول التطرف بالرأي ورفض الغير، فمن الطبيعي أن ينشأ من يرفض الآخر وينبذه في صدد التصوُّف أو التشدُّد ولا سيما مع تبنِّي هذا الرأي في الصراع الدَّائر في البلاد.

 

إثبات الذات

تقول الباحثة الاجتماعية إيفا عطفة أنَّ ما يجري هو ((محاولة من كلِّ طرف لإثبات ذاته، فعندما يتصارع طرفان، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهم سيتمسَّك بأفكاره أكثر للإثبات أمام الخصم أنَّه موجود ولم يتأثَّر وماضٍ بأفكاره، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة التشدُّد والتطرُّف بالمجتمع إنطلاقاً من فكرة أنَّ الطرفين لن يتخليا عن أفكارهما، وتزداد هذه الثقافة عندما يكون الأمر متعلقاً بفكرة الانتماء الديني، وهذا ما يُعرف بحالة خسارة كلِّ شيء وربح الذات، فليس مهماً الآثار السلبية، بل المهم أن أخرج منتصراً بأفكاري)). وتُبين عطفة أنَّ الإطار الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان يؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ على نفسيته وتعاطيه مع الأفكار المحيطة، فلا يمكن أن يتبنَّى الاعتدال من يعيش في منطقةٍ تعجُّ بمقاتلي القاعدة المتطرِّفين، والعكس صحيح، والتشدُّد الديني يمكن كسره بتأثير المجتمع.

عطفة تتابع: ((عندما يُغيِّر الإنسان البيئة التي يعيش بها فإنَّ طريقة حياته ستتغيَّر بالتأكيد، لكنَّ التطرف لا يوجد عند المتشدِّدين بالدين دون غيرهم، لأنَّ التطرف قد يكون بفكرةٍ معينة أو باتجاهٍ غير متشدِّد)). وتوضح أنَّ التلاعب بعقول الناس على وتر الأديان يستهدف بالدرجة الأولى الناس البسطاء، وما أكثرهم في هذه الأزمة، فهم فقدوا مقوِّمات الحياة الأساسية ولا بدَّ من وجود فكرٍ أو تيارٍ يرعاهم ويساعدهم بتحقيق شيءٍ لحياتهم عبر التبنِّي الفكري.

 

الباحثة الاجتماعية إيفا عطفة

 

هروب من التشدُّد

السواد الأكبر من المجتمع وجد في التصوف والاعتدال بيئةً مريحةً للهروب من فكر التطرُّف، وهو ما يفسِّر استمرار "العشق الإلهي" في دمشق بشكلٍ واسع النطاق، حيث استقطب شريحةً واسعةً من المجتمع الذي تبنَّاها بعد ما عاصر التمادي الواضح الذي يرتكبه معتنقو التشدد. لا سيما وأنَّ الطرق الصوفية يمكن أن تعطي مثالاً أمام الشارع السوري والرأي العام العالمي بأنَّها تيارٌ يُعبِّر عن المحبة والتسامح والاعتدال الديني والانخراط الكبير في المجتمع المدني، وهو ما تتبنَّاه الغالبية من المجتمع السوري.

فمعظم من التقيناهم شدَّدوا على هذه النقطة. يقول ياسر عرب 30 عاماً: ((إنَّ الممارسات الشرسة التي نراها يومياً من داعش وغيرها جعلتني صوفياً بالفطرة، فأنا لستُ ضد الالتزام بالدين وتنفيذ شرائعه، لكن بالوقت ذاته لا أريد للرأي العام العالمي أن تصله الفكرة الداعشية للإسلام، نحن اليوم بحاجةٍ لدينٍ معتدلٍ يعطي صورةً طيبةً عن ديننا))، أمَّا هبة حيلاني وهي مدرِّسة تربية إسلامية بدمشق فأوضحت أنَّ: ((المقارنة إذا كانت ستقوم على اختيار الشخص موقفاً لنفسه إمَّا متصوِّف أو متشدِّد فأنا متصوِّفة دون تفكير، لكنَّ هذه المفارقة غير منطقية ونشأت على خلفية الحرب المندلعة لأنَّ أعصاب الجميع مشدودة، ولا أحد مستعدٌّ لمخالفة رأيه من قِبل الطرف الآخر، لكنَّني بالمجمل أنبذ العنف بمختلف أشكاله ولا سيما ذلك المبني على الدين)).

 

بشارات خير للمجتمع

ورغم بروز نوعٍ من التطرُّف بأفكار الشارع السوري ووجود مقاتلين أجانب ومرجعيات دينية مختلفة، إلا أنَّ ذلك لم يضرب صوفية المجتمع السوري كلِّها، فثمَّة نسبةٌ كبيرةٌ تريد التعايش وتنبذ العنف والتطرُّف. هذا ما توضِّحه الأخصائية والباحثة الاجتماعية إيفا عطفة التي تؤكِّد ((أنَّ هناك خلطاً بالدين الإسلامي بصفاته المختلفة، فليست جميع التصرُّفات التي تصدر عن المسلمين يمكن اعتبارها تمثِّل الإسلام، لأنَّ الإنسان الذي يحمل رسالة الإسلام ليس معصوماً عن الخطأ، لذلك فثمَّة ترويجٌ واضحٌ لفكرة الإرهاب من طرف التيارات المتشدِّدة الساعية لإقامة حكمٍ إسلاميٍّ أصولي في البلاد، علماً أنَّ هذا الترويج ليس مستورداً بالمطلق وليس داخلياً بالكامل، فهناك نسبةٌ من التطرف بالآراء كانت مدفونةً لدينا وأحيتها الأحداث، ونسبةٌ أخرى اِستُوردت من المقاتلين الأجانب الذين عبروا الحدود لأهدافٍ دينيةٍ بحتة، وليست قومية أو إنسانية)).

عطفة تتابع: ((التعصُّب كفكرة موجودٌ في مجتمعنا لكن لم يصل لمرحلة نبذ الآخر بالمطلق، لأنَّ أي مجتمع إذا عاش التجربة التي خاضها المجتمع السوري سيواجه تطرُّفاً أكبر بكثير من الذي نواجهه اليوم، ووجود هالةٍ بسيطةٍ من التعايش في مجتمعنا ولو بنسبةٍ قليلةٍ تُعتبر بشارة خير بإمكانية ترميم المشاكل الاجتماعية والدينية التي نعيشها حالياً، فسؤال الشخص عن اعتداله بالإسلام أو تصوُّفه أمرٌ طبيعي، في ظلِّ الحشد الكبير للمنابر المسمومة بالطائفية والحقد التي تُوجَّه بشكلٍ مباشر لإشعال الفتنة ليس على المستوى الديني فحسب، بل على مستوى العِرق والقبائل، فهناك محطاتٌ تلفزيونية تبثُّ على مدار الساعة، وتكرِّس إمكاناتٍ مادية ومعنوية فقط لترويج هذه الفكرة، لكن رغم ذلك ظلَّ الشعب السوري متماسكاً نوعاً ما، وهذا الكلام واقعي، يمكن أن نشاهده مئات المرات يومياً وليس تنظيراً إعلامياً)).



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR