التطرف الديني يلتهم الدين

مقالة بقلم هوازن خداج

العدد الرابع - صيف 2015 - الثلاثاء 14 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

شكَّل العنف المطلق المناخ الأساسي لاستمرارية التنظيمات الإرهابية، وبات الدين الإسلامي يواجه التهمة ذاتها مع تعدُّد ألوية الجهاد التي تحثُّ على إعلان الحرب ضدَّ مختلف التجليات العلمانية والديمقراطية والمدنية القائمة، ومحاربة الآخر وهدم الحضارات، ليظهر الدين بتجلياته المريعة. إن خطر هذه التنظيمات الجهادية لا يقتصر على الآخرين فقط، بل إنَّها باتت تشكِّل خطراً جدياً على الإسلام، وهذا يستدعي العمل الجاد لخلق حالةٍ ثقافيةٍ تنويريةٍ تؤكِّد على أنَّ الغاية من وجود الأديان هي بناء عالمٍ تسوده العدالة والحق.

تنوعت الجماعات الإرهابية التي تبنَّت العنف أداةً ومنهجاً ووسيلة، ومدَّت أذرعها لتصطاد الأمن، وتزايدت الآراء التي  تُحمِّل الدين الإسلامي المسؤولية عن وجود الإرهاب. حيث شكَّل العنف المطلق المناخ الأساسي لاستمرارية التنظيمات الإرهابية لتواصل دورة وجودها، وبات الدين الإسلامي يواجه التهمة ذاتها مع تعدُّد ألوية الجهاد من القاعدة وانتشارها العالمي، بوكو حرام في نيجريا، حركة الشباب في الصومال، إلى الذئاب المنفردة التي تغطي أزماتها الذاتية بالدين، إلى الدولة الإسلامية التي تحاول بناء خلافتها، وغيرها من التنظيمات التي تسير حسب معطيات وأجندات سياسية توظِّف الدين من أجل تبرير العنف وتقديسه، وتنشر الرعب من دين بعينه لدى الكثير من المذاهب والجماعات الدينية والإثنية المختلفة، عبر تقديم مشاهد التطاحن الطائفي والسياسي المعاصر بما يتضمنه من تبذيرٍ لحالة التعايش في المجتمعات وزجِّها في مطبَّات الحروب الدينية، في المناطق التي طالتها نيران العنف إثر التحولات الجارية التي لم تترافق مع ثورةٍ معرفيةٍ تطال الديني والثقافي، وفي العالم كلِّه الذي بات هاجسه الوحيد القضاء على الإرهاب.

هذه القضية الشائكة التي تحوِّل فيها المقدس الديني مذبحاً دموياً يُقَدَّمُ فيه البشر قرابين لتروي التعطُّش الدموي للعتاة من المتطرفين، لها أسبابها وأثرها العميق على كلِّ ما يحيطها والذي يزداد قسوةً ورفضاً، بحيث لم يعد يكفي إرجاع الأمور إلى الواقع المجتمعي والسياسي والاقتصادي الذي تعيشه الدول العربية، فالجهل وحده ليس سبباً كافياً، وقادة المنظمات المتطرِّفة ليسوا فقراء، ولم يعد يكفي القول معه أنَّ هذه الجماعات هي صناعة خارجية يتم توظيفها الآن. فالظاهرة الدينية أخذت مسارات تطورية جديدة، وحوَّلت الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية ترتبط بالحياة، وتعبِّر عن أكثر معاني الكينونة والوجود تسامياً إلى نوعٍ من التدين يتطور تدريجياً متجاوزاً طبيعته الجمعية آخذاً صورةً فرديةً شخصيةً تُبنى على موقفٍ شخصيٍّ ورؤيةٍ ذاتيةٍ للفرد إزاء الدين، ولا تمثِّل الاتجاهات الكبرى للأديان الأساسية، بل تطرح أفكاراً وإيديولوجيات وتصورات ذات طبيعة سياسية واجتماعية، وهي أشبه في تكوينها ومبادئها بالأحزاب السياسية التي تأخذ طابعاً دينياً إذ أنَّها تمتلك ذات الخصائص في تكوينها وأهدافها الإستراتيجية، فهي مجموعة أفراد جمعتهم نزعة مشتركة اتسمت بطابع التمرُّد والعنف ضدَّ الثقافة الحداثية الانسانية، ولهذا يُطلق عليها اسم الجماعات المتطرِّفة أو الإرهابية أو غير ذلك من التسميات الخاصة بهذا الطابع العنفي. فهي بكافة تشكيلاتها تحثُّ على تكوين شبكاتٍ قادرةٍ على التأثير السياسي والاجتماعي في داخل المجتمعات التي تتواجد فيها، وإعلان الحرب ضدَّ مختلف التجليات العلمانية والديمقراطية القائمة في هذه المجتمعات. كما تعمل الهويات الدينية الأصولية للجماعات المتزمتة والمتصلبة في سياق صراعها على تحقيق استمرارية الصراع والعداء ضدَّ المجتمع المدني وتدمير بناه الأساسية لهذا تزداد قوة تأثيرها في المجتمعات المتنوعة ثقافياً.

عندما يقوم الدين بإضفاء طابع القدسية على عملية النضال من أجل تحقيق الاستقلال السياسي على أساس المعتقد الديني، فإنَّ الحركات العرقية والقومية تجد مبررها لتمارس العنف بدورها ضدَّ الجماعات العرقية والقومية الأخرى ضمن متوالية الشحن والشحن المضاد وهذا يزيد نطاق الدمار عبر توسيع دائرة الكراهية والأحقاد العرقية والقبلية في بعض المناطق ليظهر الدين بتجلياته المريعة، فبدل أن يؤدي إلى حالةٍ من التكامل الاجتماعي والثقافي الذي يُعتبر سمةً أساسيةً من سمات العيش المشترك في إطار الوطن الواحد، فإنَّه يمثِّل خروجاً من إطار التمدُّن والقبول للآخر ويعزِّز أشكال الخوف على الهوية ويزيد من حالة التصدُّع والانغلاق لدى جميع الأطياف، وينعكس سلباً على الأفراد والمجتمعات العربية بوصفها مجتمعاتٍ غالباً ما تلجأ إلى الدين لتفسير وقائع الحياة والتجارب الإنسانية التي تعيشها، ليرسي العنف الذي يمارَس باسم الدين انطباعات سلبية ترسخ بقوةٍ في تصورات وقناعات الملايين من البشر وتؤدي لتأسيس جملة مختلفة ومتباينة من ردود الفعل لدى الأفراد تجاه ما يحدث، فمنهم من ينعزل داخل طوائفهم كردٍّ على خطر يتهدَّد وجودهم، ومنهم من يسير مبتعداً عن الدين ضمن حالة رفض لما يتمُّ تسويقه من عنفٍ يشوِّه الحقائق، ومنهم من يبررونها ويعتبرونها السلاح الفعال ضدَّ خطرٍ طائفيٍّ أو مذهبيٍّ آخر، وآخرون يحملون التنوير الديني سلاحاً ضدَّ التكفير وهم من يعوَّل عليهم للخروج من حالة العماء القاتلة التي تدمِّر الإنسان فينا.

الدمار الذي يتكرَّر مع انتشار بيارق الجهاد تحت ألوية الدين الإسلامي، والتي فقدت مبرراتها الفعلية في المسار الزماني والتاريخي، وبغضِّ النظر عمَّن أطلق يدها، صار لا بدَّ من الاعتراف بالمشكلة الحقيقة الكامنة خلف وجودها، وهي وجود بيئةٍ مناسبة لنمو مثل هذه الجماعات في الدول العربية والإسلامية، ناتجة عن غياب فعالية الفكر الديني السليم الذي نما في الفترات السابقة كنتيجةٍ طبيعيةٍ لمسيرةٍ تاريخية، وتفاعلٍ عقلانيٍّ مع الواقع أوقف تطبيق نصوص الجهاد ضد الأديان أو المذاهب الأخرى وسمح بتشكُّل لوحة دينية تعددية في إطارٍ يحرِّم ما تقوم به هذه الجماعات من جرائم إنسانيةٍ ضدَّ من يختلف معها حتى داخل الدين نفسه، وما هو إلا دلالةٌ على انتشار بؤرةٍ فكريةٍ مشجعةٍ لمثل هذه الأساليب الإجرامية التي تدمِّر الحضارة الإسلامية وتعمل على سحق ذاكرة الحاضر والعيش بذاكرة الوهم المغرق في التاريخ.

وقد تمدَّدت مظاهر البؤس الإنساني لتطال الموروث الثقافي والحضاري من تحطيم التماثيل بحجة أنَّها أصنام إلى هدم المقامات والأضرحة والكنائس وتدمير المواقع الأثرية في بلاد الرافدين وسوريا والتي شهدت حضارات قديمة مثل السومريين، البابليين، الآشوريين، الأكاديين والفينيقيين، ولم تشهد تدميراً ونهباً بهذا المستوى، بل على العكس حفظها الدين الإسلامي في بداية فتوحاته ولم يهدرها الزمن، فبقيت تنبِّئ العالم عن معالم حضارات بنت أمجادها وحملت إبداعاتها منحوتات تخبر عن بلاد الأساطير والحكايات التي أصبحت لقمةً سائغةً لجهلٍ ثقافيٍّ يقود تدميراً أرعناً يجعل القانون أخرس، ويُقدِّم الماضي والمستقبل وليمةً على طبق الحاضر القاتل الذي يبكم الأفواه، فكلُّنا يظنُّ أنَّنا قطعنا مسافةً طويلةً عن بدايتنا كبشر، لكن ما نعيشه من صفعاتٍ قاسيةٍ تعيدنا إلى الكهوف، يسير ضمن مؤشرٍ واحدٍ وهو أنَّ خطر هذه الجهاديات ليس على الآخرين فقط، بل إنَّها باتت تشكل خطراً جدياً على الإسلام. إذ يعتبرون أنفسهم "الفرقة الناجية" وما عداهم جماعات ضالة مصيرها النار في الآخرة والقتل في الحياة الدنيا، وما هذه الفكرة إلا فتح أبواب السقوط، للإسلام وللعرب كافة، في متاهة الانزلاق الحضاري، باعتبار الحضارة درجة من التطور الاجتماعي الذي حلَّ محل البربرية بعد الانتقال إلى الإقامة الدائمة والاستقرار التي بُني على أساسها حالةٌ من السلم سمحت بتلاقي الجماعات وتفاعلها، فالحضارة لا تنشأ ولا تتأسَّس إلا بتضافر جهود عددٍ كبيرٍ من الأفراد والعديد من الجماعات البشرية التي تشترط في وجودها الأمان والتعايش السلمي وهذا ما ألغته التنظيمات الجهادية، فانتزعت من الدين الإسلامي تسامحه وعلاقاته الثقافية مع بقية الجماعات، وأبعدته عن مرحلة التعايش والتفاعل التي مرَّ فيها حين كان في ذروة حضارته، التي جسَّدت إبان تجربة الأندلس وغيرها مما تشير إليه شواهد التاريخ التي تظهر روح الدين الإسلامي الحقيقية. ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّها أبرزت العديد من ردود الأفعال على ممارساتها لدى المسلمين أنفسهم قد يكون أبرزها أنَّها دفعت الكثير من المسلمين في أكثر من مكان للعيش في حالة الهلع والدفاع عن الدين الإسلامي ككل كأنَّه حالة طارئة تمَّت إضافتها إلى التاريخ والوجود.

أياً كانت المعطيات والمبررات خلف تعملق ظاهرة العنف السلفي الإسلامي الجهادي المتفشي، فإنَّها تستدعي العمل الجاد لخلق حالةٍ ثقافيةٍ تنويريةٍ تعيد إلى الأذهان التي غرقت في بحور الحقد أنَّ الغاية الأساسية من وجود الأديان والمذاهب هي بناء عالمٍ تسوده العدالة والحق. فالأديان وُجدت لخدمة بين بني البشر كافة وليس العكس، من خلال فتح آفاق التعايش السلمي للخروج من معترك النزف الدامي الذي حول الجميع وقوداً لهذه الحرب الكونية المزعومة بين الأنا والآخر التي تثير الرعب وتدمي النفوس.

علَّنا نخرج من الأمية الدينية التي باتت طريقاً مفتوحاً لحالة التهام وتدمير ذاتي للتعايش الحضاري الذي حمله الدين الإسلامي، إذ لا تقدِّم للعالم إلَّا صورة واحدة لمذبح إنساني ملطخ بدماء الأبرياء لا يرى من الإسلام إلَّا الإرهاب، كما لم يرى من هذه البلدان إلا ما ذكره التلمود.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR