رسالة عربية إلى رائد فضاء أمريكي

مقالة بقلم محمد نور الميهني

العدد الرابع - صيف 2015 - الثلاثاء 28 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

في مثل هذه الأيّام من عام 1969 دخل رائد الفضاء الأميريكي نيل آرمستورنغ التاريخ باعتباره أوّل إنسانٍ يمشي على القمر، محققاً قفزةً هائلةً للبشرية جمعاء. وبهذه المناسبة يصيغ كاتب هذه المقالة رسالةً رمزيةً يقارن فيها بين التقدّم العلمي الذي وصلتْ إليه الولايات المتحدة والعالم الغربي، وبين ما يعيشه العرب من وضعٍ لا يحسدون عليها.

عزيزي نيل آرمسترونغ[1]:

أم أناديك بأخي وصديقي وحبيبي نيل آرمسترونغ وذلك على طريقة الزعيم الراحل ياسر عرفات؟ لا فرق عندي ما دمتُ سأبدأ حديثي معك بسلامٍ عليكم، فتلك طريقتنا نحن العرب، بأن نبدأ الكتابة بالسلام، ولو أنّ السلام قد ولّى هارباً منّا لأنّنا أمّةٌ لا نحب السلام، لا لنا ولا لغيرنا!

في مثل هذه الأيّام من شهر تمّوز/يوليو عام 1969 خطوتَ أنتَ بقدمكَ على سطح القمر، ومن هناك تكلّمتَ فيه باسمنا جميعاً، نحن البشر، وقلتَ جملتك الشهيرة التي ما زالت ترن في أذني: ((خطوةٌ صغيرة لإنسان، لكنّها قفزة عملاقة للبشريّة!)). هل تذكر في ذاك الزمان التنافس المحموم مع الاتحاد السوفييتي في الوصول إلى القمر؟ حيث أرسل السوفييت مركبتهم "لونا 10"، بينما عملتم أنتم على مشروعي "جيميني" و"أبوللو".

أما نحن العرب فما زلنا -وبعد مرور ما يزيد على الخمس والأربعين عاماً على ذلك التاريخ- نعيش في جهالتنا. فنحن لم نتعلّم بعد كل هذه السنين كيف نطوّر أنفسنا، ونبني أوطاننا، وننتقل إلى الأفضل. ولن أخفيكَ أنّ بعضنا ما زال يؤمن بالخرافات، ويتمسح بأصحاب الكرامات، ويزدري العلم ويحتقر المعرفة. اليس من المخجل أن نعلم أن معدّل ما يقرؤه العربي من الكتب لا يتجاوز الساعتين سنويّاً؟

يشيع عند قومنا الإصرار على أننا مركز هذا العالم، فنبدع في إقصاء الآخرين والتقليل من إنجازاتهم. فمن العرب من يلومكَ لأنّكَ لم تسجد سجدةَ شكرٍ بعد خطوتكَ تلك، بل ومنّا من يعاتبكَ لأنّك رفعتَ علم بلادكَ هناك على القمر، ولم تضع مكانه علماً آخر. وبعضنا ما زال يعتبر بلادكَ جمعيّةً خيريّةً سخّرها الله لنا، ولنا فقط لمحاربة أنفسنا وتدمير بلادنا، متناسين أنّ بلادكَ -وأنا أكتب هذه السطور- قد وصلت مركبتها الفضائيّة "نيو هورايزن" إلى كوكب بلوتو البعيد والمظلم، وذلك بعد دراسةٍ وافيةٍ امتدت بين عامي 1991 و2005؛ تخطيطٌ ورؤيةٌ مستقبليةٌ بعيدة المدى، لم نشارك بها في طبيعة الحال، خاصة وأن أكبر همومنا ما يزال محصوراً محصوراً في كيفيّة توفير الأموال لشراء حقوق نقل كأس العالم، وفي التنافس بالطعام والمأكولات من عدد أقراص الفلافل إلى ضخامة قطع الشنكليش!

عزيزي نيل آرمسترونغ، قد يأتي يومٌ يصير فيه الذهاب إلى بلادكَ وعبور المحيط الأطلسي سباحةً أكثر أماناً من التنقل في ربوع بلادنا التي أدمتها الحروب، رغم أن الجميع يدّعي حرصه على وحدة أراضي وطننا وسلامة أبنائه! وبينما أخاطبكَ الآن، أضحتْ بعض البلدان دولاً نوويةً باعتراف بلادكَ أنت، وما زال بعضنا يعيش في وحل المذهبية القاتلة! وإنّه ليؤسفني أن أخبركَ أنّ الخيانة في بلادنا صارتْ كالفرض السادس من الدين، وأضحتْ أهم من الصيام والقيام والحجّ إلى بلد الله الحرام. هناك منا من يعتبر الخيانة مجرّد وجهة نظرٍ وحريّةٍ شخصيّة، ولا مانع عنده من مخاطبة أعداء بلادنا تحت شعارات البحث عن الحريّة والكرامة والديمقراطيّة.

أعلم أنّي أطلتُ عليكَ بالزيارة، ولكنّي أرجو منّكَ قليلاً من الصبر لأخبركَ بما بقي لدي من أخبار. فإنّ حالتنا لا تسر صديقاً أو حتى عدواً. ولك أن تتخيّل أننا، والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قد بلغ نصفه، نعمل على تقسيم بلادنا وتفتيتها. فكلّ ملّةٍ فينا صارت تابعةً لأميرٍ أو زعيم لا تكاد رقعة ملكه تتعدّى بضعة بيوتاتٍ يفرض عليها قوانينه التي ما أنزل الله بها من سلطان. ولا تستغرب إذا قلتُ لك أنّ كلّ فئةٍ منّا تقطع الكهرباء عن نظيرتها، فتردّ عليها الأخرى بقطع الماء، ولو استطاعوا قطع الهواء عن بعضهم البعض لفعلوا!

انتظر قليلاً فهناك المزيد، فمنّا من استعدى علينا من أمم الأرض أوحشهم، واستجلب إلينا من شذّاذ الآفاق أقذرهم، لتدمير بلادنا ونهب ثرواتنا وتشريد أهلنا! وهل من عاقلٍ يمكن أن يفرح لمنظر بعضنا يقتل بعضنا الآخر على الهويّة؟ أو يعتقله على وشاية أو ضغينة أو كيد؟

ما أدري بما أختمُ مقالي هذا، هل أقول لكَ أنّنا أمّةٌ بلغت من السذاجة والكسل حدّاً لم يعد ينفع معها الدواء أو الدعاء أو الرجاء؟ فتاريخنا وتراثنا وآثارنا ومستقبلنا والأجيال الصاعدة من أطفالنا فلها منا الطعن والتسفيه، والتخريب والتشويه، وكأنّا بتنا نصنع من بلداننا صحارى مقفرة نعيش فيها جاهليّتنا وبداوتنا كما نريد!

والآن بعد كلّ هذه الشكوى، لا بد من القول بأن هناك كثيراً من المخلصين وأصحاب العقول المنفتحة، إلا أن معظم تلك العقول مهاجر، وأما ما بقي منها في الداخل فمغلوبٌ على أمره. ولعله ليس من المبالغة أن نقول أن لا حلّ لدينا إلاّ أن يظهر منّا من يقتبس منكم ما يفيد بلادنا ماديّاً ومعنويّاً، وبخاصة في مجالات التعليم وتطوير البنى التحتيّة، بدل الإنفاق على سباق تسلّحٍ لا معنى له!

أتمنى أن يكون ذاك الوقتُ قريباً، وقريباً جدّاً. وحينها سأرسل لك برسالةٍ أخرى لأفاخر بما أصبحنا عليه، بدل الشكاية ممّا نحن فيه. وإلى أن يحين الملتقى عزيزي نيل آرمسترونغ، لك منّي التحيّة والسلام.

 


[1] نيل آرمسترونغ (1930- 2012): طيّار ورائد فضاء أميريكي. بدأ حياته كطيّار مقاتل في سلاح الطيران الأميريكي، وتدرّج في الرتب العسكريّة إلى أن وصل إلى مرتبة عقيد طيّار، قبل أن ينتقل إلى ملاك "وكالة ناسا" ليعمل كطيّار تجارب. في عام 1966 كانت أوّل رحلة له كرائد فضاء في برنامج "جيميني 8"، ثم تم اختياره ليكون ضمن طاقم المركبة "أبوللو 11"، والتي كانت تضم إضافةً إليه كلاً من إدوين آلدرين ومايك كولينز. اعتزل العمل الفضائي مع بداية السبعينيّات ليتفرّغ لبرامج التدريب العسكري والملاحي في الكليّات الجويّة الأميريكيّة. 



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR