خمس دقائق في تركيا وخمسة عقود في دمشق

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم محمد متين الميهني

الثلاثاء 24 / تشرين ثاني / نوفمبر / 2015


Replacement_Image

.في هذا المقال يناقش متين الميهني حادثة إسقاط أنقرة للطائرة الروسية على الحدود السورية التركية

لا يزال العالم يتفرج على الأخذ والرَّد بين تركيا وروسيا اليوم حول قضية إسقاط طائرةٍ روسية من نوع “سوخوي ٢٤” من قِبل طائرتين “إف ١٦” تابعتين لسلاح الجو التركي.

الرئاسة التركية قالت معلِّقةً على الحدث بأنَّها أنذرت الطائرة الروسية ١٠ مرات خلال ٥ دقائق، ولكن لم تكن هناك استجابة من قِبل الطيار الروسي؛ إلى باقي الرواية مدعِّمةً أقوالها بصورٍ راداريةٍ تثبت اختراق المجال الجوي التركي بالطائرة الروسية.

الولايات المتحدة الأميريكية اليوم قالت بأنَّ الطائرة الروسية اخترقت المجال الجوي التركي مشيرةً إلى الوقوف جا الحليف التركي في هذه القضية.

لا شكَّ بأنَّ الحادثة اليوم والتصرُّف التركي فيه ما فيه، إذا استبعدنا أنَّ التصرف التركي كان طائشاً وعنجهياً وحسب (بغضِّ النظر عن ١٠ إنذارات خلال ٥ دقائق أيضا فيه ما فيه(، فالطائرة تابعةٌ لسلاح الجو الروسي أي لدولةٍ عظمى تربطها بتركيا علاقات اقتصادية قوية أهمها الغاز. وأبعاد هذا التصرف قد لا يدعو للتفاؤل في الفترة القريبة القادمة على الأقل على تركيا، وإلغاء زيارة السيد سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي التي كانت مقررةً غداً الأربعاء قد تكون أولى هذه الانعكاسات.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعلم جيداً أنَّ الحلفاء الأمريكان قد خذلوه سابقاً، ويعلم جيداً أنَّ الناتو أو الاتحاد الأوروبي لن يقوم بحربٍ إقليمية أو عالمية لصالح تركيا، ولكن ربما يمكن النظر إلى القضية من زاوية أخرى. إذ من الممكن أن تركيا تحاول الخروج منتصرة بطريقة الهروب إلى الأمام والتشديد على أنَّ الموضوع تمَّ نتيجة إنذارات وعدم استجابة وبأنَّه اختراق وتعدِّي على السيادة التركية، وبهذا تستدرج التعاطف والضخ الإعلامي الداعم لموقفها، ويصبح الطريق ممهداً أيضاً للمنطقة الآمنة آخر أحلام أردوغان في سوريا.

من زاوية أخرى يمكن أن يكون الروس يعلمون جيداً ما كانوا يفعلونه؛ وهو تجهيز فخٍّ لأردوغان يجعل حلمه بالمنطقة الآمنة بعيد المنال، خصوصاً بعد تهديداتٍ إرهابيةٍ من قِبل حزب العمال الكردستاني وبيانات تنظيم الدولة الإسلامية الذي يحرِّض على الحكومة التركية، وبالتالي حربٌ قصيرة الأمد تجعل تركيا منهارةً اقتصادياً ومنشغلةً بأمورها الداخلية وغير قادرة على أن تكون ذلك اللاعب الإقليمي القوي في سوريا. ولا يجب بطبيعة الحال إهمال التأثير المحتمل لهذا الحدث على مسار فيينا والزخم المحيط به.

ردود الأفعال كثيرة وتوقعات ما بعد الحدث أكثر، فمن حلفاء الروس الذين يزيدون النيران حطباً إلى حلفاء تركيا المدافعين عنها، والناتو الذي عقد اجتماعاً استثنائياً بناء على طلب تركيا.

وما هو مبعث للضحك هو بيان الخارجية السورية الذي وصف الحادثة بأنَّه اعتداءٌ سافر على السيادة السورية: تلك السيادة التي تجول وتصول في أرضها وجوِّها ومياهها أكثر من 65 دولة ما بين صديقةٍ وعدوة.

لكنَّ الذي يتفق عليه الجميع في هذه الحادثة اليوم هو أن ردَّ فعل الجيش التركي في كلِّ احتمالاته هو تعبيرٌ عن حبِّ الأتراك حكومةً وجيشاً وشعباً لأرضهم ولوطنهم ولسيادتهم، ولنا في حقوق الردِّ والاحتفاظ بها لدى النظام السوري الجار أوضح الأمثلة في هذا المضمار. ففي تركيا خمس دقائق كانت كافية لتهديد السيادة التركية، أما في سوريا فأكثر من خمسة عقود ونحن لا نعرف من السيادة إلا السيادة والتصريحات.

حادثة إسقاط الطائرة الروسية تخبئ لنا المزيد وخصوصاً في الملف السوري، والأيام القادمة كفيلة بإخبارنا بها، وهنا يحق لنا ان نسأل: هل نحن على أبواب حرب عالمية ثالثة؟





 
 
 
EN
AR