سوريا في الذكرى الأولى لقرار تقسيم فلسطين

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم هيئة التحرير

الاثنين 30 / تشرين ثاني / نوفمبر / 2015


Replacement_Image

صفحات من التاريخ السوري الحديث: في ٣٠ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٨، وفي الذكرى الأولى لقرار تقسيم فلسطين، عمت المظاهرات والاحتجاجات أرجاء سوريا، وسط سخط عام على الهزيمة التي حلت بالجيوش العربية وعلى النكبة التي نزلت بفلسطين.

صفحات من التاريخ السوري الحديث:

عانت الوطنية السورية من جرح عميق منذ لحظات التأسيس الأولى لسوريا الدولة. فمع تبخر الحلم الفيصلي بمملكة عربية كبرى تحوّل الهدف إلى دولة سورية كبرى تضم بلاد الشام. إلا أن الانتداب الفرنسي جاء ليضع حداً لسوريا الكبرى أيضاً، ويفرض واقعاً سياسياً جديداً لم يتم تقبله بسهولة. وهذا ما جعل النخب السياسية وقواعدها الجماهيرية شديدة التعلق بالحلم الضائع: لبنان وفلسطين واسكندرون، فضلاً عن التعلق بكتلة وحدوية شاملة لبلاد العرب، كان السوريون أكثر المتحمسين لها.  في أيار/مايو عام 1948 دخل السوريون في حالة ذهول وتخبط على أثر هزيمة الجيوش العربية، والنكبة التي حلت في فلسطين. حيث تعالت الأصوات تتساءل عن أسباب الهزيمة وتطالب بمحاسبة المسؤولين عن ملفات الفساد وغيرها من القضايا التي كانت حديث الشارع اليومي. 

وفي ٣٠ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٨، ووسط هذا الاستياء الواسع وعلى وقع الذكرى الأولى لصدور قرار تقسيم فلسطين عن الأمم المتحدة، عمّت الاضطرابات والمظاهرات كافّة أنحاء سوريا، مطالبةً بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وباتخاذ إجراءات داعمة للقضيّة الفلسطينيّة، خاصّةً مع تسرّب أنباء عن مفاوضات تجري في جزيرة رودوس لعقد هدنة مع إسرائيل. 

وقد بدأت الاحتجاجات بمظاهرات حاشدة في العاصمة دمشق، شاركت فيها قطّاعات واسعة من المجتمع التي هاجمت سفارتي الولايات المتحدة الأميريكيّة وبلجيكا، إضافةً إلى المركز الثقافي السوفييتي. كما اعتدت المظاهرات على مقر الحزب الشيوعي السوري، ونال بعض الوزارات نصيبٌ من التخريب، حتى أنّ المتظاهرين هاجموا وزير الداخلية صبري العسلي، وردّ عليهم الحرس الخاص وقوى الأمن بإطلاق النار في الهواء، ما أدّى إلى مقتل مواطن وجرح 57 آخرين. أمّا في حلب فقد أخذت الاحتجاجات طابعاً انتقامياً خطيراً، حيث تمت مهاجمة المصالح اليهوديّة في المدينة (بسبب الالتباس بين الصهيونية واليهودية)، وتمّ حرق 300 منزلاً لعائلات يهودية و11 كنيساً. وانتشرت الاعتصامات في بقيّة المدن السوريّة، وبالأخص حمص التي طالب منها رشدي الكيخيا باستقالة الحكومة وتكليف الرئيس هاشم الأتاسي بتشكيل الحكومة القادمة.

ونزولاً عند رغبة المتظاهرين، قدم جميل مردم بيك استقالته يوم 2 كانون الأوّل/ديسمبر ١٩٤٨ إلى رئيس الجمهورية شكري القوتلي الذي قبلها فوراً، وكلّف الأتاسي بتشكيل الحكومة القادمة، إلاّ أنّه اعتذر بحجّة عدم اتفاقه مع الكتل النيابيّة. ومع تجدد المظاهرات في اليوم التالي وانفلات الأمن اضطرت السلطات إلى فرض الأحكام العسكريّة وإعلان حالة الطوارئ، وأتبعتها بإعلان عطلة إجباريّة للمدارس حتّى إشعارٍ آخر. كما يُشار إلى أنّ الزعيم حسني الزعيم قد أنزل قواته إلى الشارع لقمع المتظاهرين دون أخذ إذنٍ من الحكومة، ما يدل على حالة عميمة من التخبط واللاتنسيق في اتخاذ القرارات. 

وقد انتهت الأزمة بعد أسبوعين تقريباً بقبول السيّد خالد العظم مهمّة تشكيل الحكومة الجديدة يوم 13 كانون الأوّل/ديسمبر، والتي أعلن تشكيلتها يعد ثلاثة أيّام يوم 16 كانون الأوّل/ديسمبر من ذاك العام. ومنذ ذلك الحين تحولت النكبة إلى ذكرى سنوية حزينة في هذه البقعة الحزينة من الأرض، وغدت فلسطين، في عصرنا الحديث، الشماعة التي تكتب لها الخطابات وتعقد من أجلها المهرجانات، وبؤرة توتر تثير الصدام بين المكونات الثقافية والدينية في الشرق الأوسط والعالم، دون ان يكون هناك أفق لحلول عادلة تضع حداً لهذا الصراع الأليم.





 
 
 
EN
AR