بين لؤي حسين وغسان عبود

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم محمد ديبو

الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

لا بدَّ من التأكيد أنَّ تيار بناء الدولة السورية محاطٌ بالكثير من الإشكاليات لجهة طريقة عمله وسياسته مذ تأسَّس، فهو عمل داخل البلاد وفي حضن السلطة في الوقت الذي تخرج فيه جثث الكثير من المعارضين من المعتقلات

محمد ديبو |

 

ضمن الجدل الكثير الذي جرى حول موقعة العلم في الحوار الصحفي بين حسين والخوجة، وحول ما قامت به الأورينت من بثِّ تسجيلاتٍ دون علم أصحابها، ضاعت الكثير من الحقائق التي يجب أن تكون محور السجال لصاح الرديء والغث، لنكون أمام عملةٍ رديئةٍ تطرد الجيدة من السوق.

بادئ ذي بدء، لا بدَّ من التأكيد أنَّ تيار بناء الدولة السورية محاطٌ بالكثير من الإشكاليات لجهة طريقة عمله وسياسته مذ تأسَّس، فهو عمل داخل البلاد وفي حضن السلطة في الوقت الذي تخرج فيه جثث الكثير من المعارضين من المعتقلات. وإذا كانت اللحظة التي تأسَّس فيها التيار هي محاولةٌ لتوسيع رقعة العمل السياسي من الداخل، وبمواجهة السلطة، فإنَّ هذه اللحظة كفت عن أن تكون دفاعاً أو مبرراً للتيار بعد تغيُّر البيئة التي وُلِدَ بها التيار كلياً، وبعد أن تحوَّلت السلطة إلى العنف المطلق والقصف بالبراميل والقتل في السجون واتَّهام كلِّ معارض بالإرهاب، ما يعني أن كلَّ تيار معارض بقي يعمل في الداخل، بات حتماً يعمل تحت سقف السلطة. وطالما رضي التيار بهذا الأمر فهو وضع نفسه عملياً في مرمى نيران كثيرة. وهذا ما جرى ودفع عملياً أغلب مؤسِّسي التيار إلى التبرُّؤ منه بعد أشهرٍ من تأسيسه لاستحالة الجمع بين رؤيتين لا تجتمعان معاً (معارضة النظام الجذرية والعمل العلني في الداخل بحرية).

مسيرة التيار في فترة بقائه في الداخل تقول بأنَّه لم يكن يسعى لإسقاط النظام جذرياً، بقدر ما كان يسعى لأن يكون جزءاً من توليفةٍ سياسية تعيد إنتاج النظام بلغة معارضيه أو تساعد على فتح ثغرة في جدار الاستبداد، من خلال التغيير من تحت إلى فوق، ما يؤسِّس لترحيله وفق رأي التيار. وطالما الحال هكذا، فإنَّ التيار عملياً اتَّخذ طريقاً مغايراً عن الثورة التي يطالب أغلب المناضلين في ظلِّها بترحيل النظام كاملاً وعلى رأسه الدكتاتور الأسد.

إنَّ وجود رؤية سياسية مغايرة للتيار عن رؤى أخرى لأطيافٍ سياسية نبتت في ظل الثورة السورية هي ما أوصل عمليا لأن يكون للتيار رأيه في العلم، وهو أمرٌ يتشارك فيه مع معارضين آخرين جذريين للنظام أيضا، ويختلفون مع التيار ومع قوى معارضة أخرى بطبيعة الحال.

ما كشفه السِّجال الذي دار حول موقعة العلم، ليس موقف لؤي حسين أو تياره، فهو أمرٌ كان معروفاً، بل كان لؤي -الذي لطالما كان سجاليا- يردِّده كلَّ يوم بطريقةٍ أو بأخرى في حواراته، بل موقف الثورة أو من يدَّعي تمثيلها من الواقعة. فإذا كانت الثورة تصف نفسها ثورة ديمقراطية، فإنَّ ما جرى من تخوينٍ وشتمٍ وتحقيرٍ أبعد ما يكون عن الديمقراطية. هذا على مستوى أول. وعلى مستوى ثاني

فإنَّ عدم قدرة القائمين على الثورة على فهم الواقع وتشعباته وقواه تبدو هنا مشكلة كبيرة، ففي كلَّ الثورات هناك تيارات جذرية راديكالية -علمانية وإسلامية- وأخرى إصلاحية وأخرى تلعب مع السلطة، وهناك أيضاً قوى صامتة وسلبية لا يحرِّكها شيء، وأخرى تفضِّل السير بعكس حركة الثورة ومعارضتها، وقوى كلٌّ منها يرى الثورة على طريقته بدءاً من العلم وليس انتهاءاً بالمطالب.

إنَّ توسيع دائرة الفرجار بعيداً عن تيار بناء الدولة السورية، ستكشف لنا أنَّ عدم قدرة الثورة على فهم كلِّ ما سبق واستيعابه تبدو هي المسألة، لأنَّ رؤية الواقع وفهمه شرطٌ ضروري لتغييره، فهل تعادي الثورة كلَّ تلك الكتل أم أنَّ مهمتها تكمن في جذبها إليها أو تحييدها على الأقل.

وإذا كانت الثورة تهدف لاستعادة السياسة إلى المجتمع بعد طول إقصاء، فإنَّ تقارب التيار من الائتلاف هو سياسة في نهاية المطاف، لأنَّ جوهر السياسة يقوم على التحالفات والمصالح والتجاذبات، بكلِّ ما يعني الأمر من لا أخلاقية أحياناً.

من هنا نصل إلى أنَّ حفلة الشتم طالت كلَّ شيء، ولكن لم يتوقف أحد عند الموقف السياسي الجديد للتيار وقبوله بأن يضع يده مع الائتلاف بعد أن كان يقول فيه السبعة وذمتها. قد نقول أنَّه موقف براغماتي أو متأخر أو يهدف إلى تحسين موقع التيار سياسياً أو قد يهدف لتحقيق أجندةٍ خفيةٍ للسلطة كما يرى البعض الآخر أو..

إلا أنَّه من حيث المبدأ، هو انتقالٌ من موقعٍ إلى موقع، اقترب فيه التيار من ثورة السوريين، وهذا ما جاءت تسجيلات الأورينت لتنسفه، علماً أنَّ ما جاء في التسجيلات يدين لؤي حسين و منى غانم باعتبارهما ممثلين للتيار عموماً فلا عذرَ لهما هنا أبداً خاصَّةً أنَّ مستوى الكلام رديءٌ جداً، كما يدين الأورينت ليس لأنَّها سرَّبت بل لأنَّها لعبت بمحتوى التسجيلات ولم تبثَّها كما هي، أي تلاعبت بمضمونها ليبدو ما قاله لؤي ضدَّ الثورة كلياً، في حين يعني أنَّه ضدَّ ثورة غسان عبود القائمة على الطائفية والسباب هي الأخرى.

مسبَّات لؤي حسين ومنى غانم بوجه مسبَّات غسان عبود، والخلاف مصالح وبحثاً عن موقع في هيئة حكمٍ انتقالية لم تولد بعد.

*الآراء المنشورة في دلتا نون سوريا لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع





 
 
 
EN
AR