المجتمع المدني وحُلُمي المُستحيل بإشارة المرور الزهريّة

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم عمار المأمون

الجمعة 06 / شباط / فبراير / 2015


Replacement_Image

انطلاقاً من الرغبة في الحفاظ على مشاعر المواطنين وسير حياتهم السلس، لا بدَّ من تغيير لون الإشارة من الأحمر إلى الزهري

عمار المأمون |

 

كتبتُ في مقدمة رسالة "الدوافع" إلى إحدى منظمات المجتمع المدني التي تدعم المبادرات الشبابية التالي: ((انطلاقاً من الرغبة في الحفاظ على مشاعر المواطنين وسير حياتهم السلس، لا بدَّ من تغيير لون الإشارة من الأحمر إلى الزهري...)).

هو ألطف وأخف وطأةً على النفس، ويساعد الشعب السوري على نسيان لون الدماء المحيطة به، إلا أنه وخوفاً من أن يحمل الأمر مبررات سياسيَّة، لن نتمكن من تنظيم مظاهرة حسب المرسوم التشريعي رقم 54 لعام 2011 الخاص بتنظيم التظاهر السلمي للمطالبة بتغيير اللون من الأحمر إلى الزهري. لكن وبفضل المؤسسات التي ظهرت فجأة في سوريا، هناك أساليب أكثر إتقاناً ومنفعة وربحاً، وتمتلك تأثيراً أشد على حقوق المرأة وقيم المواطنة والمشاعر العامة بعيداً عن همجية التظاهر، هذه الأساليب تجتمع تحت اليد الرَّاعية لمنظمات المجتمع المدني التي لا بدَّ أن تدعم يوماً ما حلمي بتغيير لون إشارة المرور.

عبر هذه الصيغة المدعومة من تحت الطاولة من قبل الحكومات المختلفة السوريّة وغيرها تنشأ العجائب، أشخاصٌ فجأة تحولوا إلى قادة رأي ومهتمين بالصحة الجنسية، وعاملين على نشر الثقافة ويؤمنون بأهمية الدراجات في الحفاظ على البيئة وسهولة التنقل، لكن هذا الإيمان ليس بمجاني، فحتى المشاعر لها ثمن.
أغلب الأنشطة والمبادرات والاجتماعات والرؤى التي تقوم بها هذه التجمُّعات تدخل ضمن مصطلح "الهراء المبهرج"، هي صيغة تجاهل لما يحدث، صيغةٌ زهرية اللون في محاولة زرع فكرة استمرار الحياة في سوريا وكأننا لا نتقاسم الحدود مع دولة الإسلام.

مثلاً، الباحثون السوريون ينشرون مقالات عن الرشّ في محاولة لتفسير القذف عند المرأة حين تصل إلى النشوة عند الجماع..؟، يزداد الموضوع إتقاناً، مبادرات غريبة من نوعها ومدرِّبون يسعون لترسيخ مقولة "المواطنة الفاعلة" فأحد المبادرات التي ستحصل على تمويل لهذا العام تحمل اسم "سوبر أفلوطين" التي يعرِّفها أصحابها بأنها: ((مبادرة تقوم على اكتشاف مهارات الشباب وتنميتها لمساعدتهم على معرفة ذواتهم معرفةً اعمق وتحديد الخطوة التالية من حياتهم وتمكينهم من تحقيق أهدافهم ومشاريعهم المستقبلية ومشاركتهم الفاعلة في لعب ادوار ضمن المجتمعهم)) بعيداً عن الخطأ الإملائي، برأيي تتلخص المشاريع المستقبلية للشباب السوري، بالحصول على تأجيل للخدمة العسكرية ومحاولة تجاوز الطابور الهائل في شعب التجنيد، أو إيجاد طريقة لدخول لبنان، وطبعاً لم نجد أي مبادرة تسعى إلى ترسيخ أساليب السباحة الحديثة لقطع البحر الأبيض المتوسط نحو اليونان.

لم أجد أحد لدعم مشروعي لتغيير لون إشارة المرور، إلا أن العلاقة مع الألوان أكثر ظهوراً في دمشق، هناك حملات لتلوين الجدران والحواجز والمدن وأوجه الناس والسماء وصواريخ زهران علّوش، فساحة الأمويين والشعلان والمزّة، كلها تشعُّ نوراً وألواناً في سبيل أن "نعيشها غير"، لكني لم أفقد الأمل، لابد من مبادرة جديدة، أن نبني مظلَّةً كبيرة أيضاً زهرية فوق سماء دمشق كي تمنع صواريخ علوش، أو أن نصنع قبَّة من مواد معاد تكريرها -قمامة- فوق دمشق كي تدخل غينيس بوصفها أول درع غير حديدي في وجه الكاتيوشا.

لا يمكن أن نحصر الأنشطة المجتمعية المختلفة بالألوان، فحملات الدعم النفسي وأساليب التحكم بالنسل موجودة ضمن تجمُّعات اللاجئين في سبيل مساعدتهم بعد أن خسروا تقريباً كل شيء، لا يبدو الأمر بهذه الصيغة التهكميَّة إذ لا بدَّ من تقديم المساعدات المختلفة للذين يحتاجونها من طعام ولباس وشبه مسكن وهذا أيضاً موجود، لكن الوصول إلى حالة الخدر المتمثلة بعبارة ((بدنا نعيش.. والحياة تستمر..)) لا يمكن أن يتم تجاهلها، لا يمكن للحياة أن تستمر وهناك جهاديين حولنا، وصواريخ تضرب بها العاصمة، لا أظن أن من يمارسون الجنس في الخفاء يهتمون بمفهوم الرَّش، فهذه الحالة من الصعب جداً الوصول لها تحت أصوات القذائف.

كل ما سبق، لا يقف بوجه إصراري على رغبتي بتغيير لون إشارة المرور إلى اللون الزهري علَّ دمشق تصبح Dandy -غندوراً متأنقاً- وتتحول الصواريخ وقذائف الهاون إلى أكواز بوظة وحبات دوناتس.

*الآراء المنشورة في دلتا نون سوريا لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع





 
 
 
EN
AR