سوريا بين النكبتين في رواية فاروق الشرع

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم نور شلغين

الخميس 05 / شباط / فبراير / 2015


Replacement_Image

يأتي الكتاب كما يقول الشرع كوثيقةٍ شخصيةٍ أكثر منها تأريخية، تبدأ بتفاصيل عن طفولته ووالديه ومنشئهما وتنقّلاته معهما في بقاع سورية عديدة، ويرافق هذا الروي الذي يميل إلى الأسلوب الأدبي تعليقاتٍ تحيد بطرافةٍ عن الجدية المعهودة للشرع.

نور شلغين |

 

بسرعةٍ كبيرة بدأ كتاب "الرواية المفقودة" بإعادة الأنظار إلى وزير الخارجية السورية السابق فاروق الشرع بعد سنواتٍ من التواري والصمت، وتجديد الرهان على موقعه ومواقفه في ظلِّ الأزمة الرَّاهنة. وفي ذلك السياق، سيقوم موقع "دلتا نون سوريا"، بنشر سلسلة مقالات قصيرة تضع بين يدي القرَّاء مقتطفاتٍ من الكتاب الذي صدر مؤخَّراً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة.

يأتي الكتاب كما يقول الشرع كوثيقةٍ شخصيةٍ أكثر منها تأريخية، تبدأ بتفاصيل عن طفولته ووالديه ومنشئهما وتنقّلاته معهما في بقاع سورية عديدة، ويرافق هذا الروي الذي يميل إلى الأسلوب الأدبي تعليقاتٍ تحيد بطرافةٍ عن الجدية المعهودة للشرع.
إلا أنَّ السياسي السوري لا يُطيل مُقدماته كثيراً، فيعبر تلك الأحداث الشخصية ليصل إلى تفاصيل بداية تشكُّل وعيه السياسي مع نكبة فلسطين عام 1948، حيث يتغيَّر المحيط حوله، ويدفعه لاستراق السمع إلى الأحاديث حول الحرب، التي تشارك فيها قوَّاتٌ مسلَّحةٌ من دول عربيةٍ عديدة.

يقول الشرع في الفصل الأول بين النكبتين 1948 و1967: ((كانت المواجهة في واقع الأمر بين قادة جيوشٍ تستمد معظم سلطتها من بريطانيا العظمى المنتدبة بقرارٍ من عصبة الأمم، على فلسطين ساحة المعركة، وبين أقطارٍ عربيةٍ رسمت خرائطها في لندن وباريس بموجب اتفاقية سايكس-بيكو السرية عام 1916، ووعد بلفور العلني عام 1917، ومؤتمر سان ريمو عام 1920 التي مهدت الأرضية لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين عام 1947 بموافقة من الدول الكبرى المنتصرة على النازية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية)).

تُركِّز "الرواية المفقودة" في هذا السياق على تفاصيل نشوء الملامح السياسية في سوريا بعد الاستقلال، مروراً بالأحداث البارزة، التي شكَّلت مسار التاريخ السوري الحديث. إذ يعرض الشرع فترة الانقلابات كما رآها وهو يدخل مرحلة الشباب، معالجاً إيَّاها برؤية السياسي المُطَّلع، دامجاً شهاداته القديمة تلك، بمعرفته المتراكمة عبر السنين. ومن هنا تبدو الحوارات التي يُقيِّمها الشرع مع نفسه على صفحات الكتاب، من الأهمية بمكان، حين يُصرُّ على طرح الأمور من وجهة نظر ديبلوماسية، تؤمن بالنقاش المستمر للوصول إلى أسئلةٍ جديدة ونتائج منطقية.

وفي انتقاد الشرع لهشاشة الوحدة السورية المصرية عام 1958، وردَّات الفعل التي سادت السِّياق السوري قبل ذلك وبعده، وما إلى ذلك من تشتُّت السلطات الحاكمة آنذاك، يقول: ((كلما أسترجع هذا الجدل الذي كان يحتدم عند كل منعطف وطني صعب، أسترجع معه صورة أهل درعا يوم الانفصال وهم يخرجون إلى الشوارع بالآلاف، ساخطين على الانفصال، والرصاص ينهمر عليهم من قبل الأجهزة ذاتها التي كانت تتعقبهم وتطاردهم أيام الوحدة. كنت أتساءل كلما عاودني هذا المشهد متى ستصحح الأمور، ويصبح الشعب كله في موقعٍ واحدٍ مع الجيش العقائدي في مواجهة العدو الإسرائيلي؟)).

ويطرح الشرع من جانب آخر رؤيته المُتابعة لتدرُّج مراحل نمو حزب البعث الاشتراكي من الداخل والخارج، ولا نُهمل هنا الملاحظات التي تتخلَّل الحديث حول بروز اسم الرئيس الراحل حافظ الأسد، كشخصيةٍ مثيرةٍ للجدل، إذ يبدو الشرع في هذا السياق متفهِّماً لكل مواقف الأسد التي واكبت تلك المراحل، ومؤيِّداً لها حتى. فيظهر الأسد عبر الصفحات شخصاً حكيماً، شجاعاً ودقيقاً في تصرُّفاته، ويقول الشرع في ذلك: ((بعد إعلان برنامج الحركة التصحيحية بأيام، تنفَّس السوريون الصعداء لعدم حدوث صدامات مسلحة بين الرفاق، وبدؤوا تدريجيَّا بمنح حافظ الأسد بعض الثقة التي كانوا قد حجبوها عن قيادة الحزب منذ نكبة حزيران/يونيو 1967، ولم يتمكن من استعادتها إلا بعد أن حقق بجهدٍ وصدقيةٍ ملموستين عدة إنجازاتٍ داخليةٍ وخارجية)).

ويُعقِّب الشرع على ما تلا ذلك من تطوُّرات: ((لكن ظلَّ النظام قاصرًا عن وضع حد للفساد في البلاد. كان الرئيس يعلِّق عندما نتطرق إلى هذا الموضوع الحساس والخطر أن القيادة السابقة على الرغم من حماقة بعض أعضائها ويساريتهم الطفولية، أكثر نظافة من القيادة التي جاءت بعد الحركة التصحيحية)).

ويبقى من الصعب علينا أن نجتزئ مقتطفاتٍ مُعيَّنة من هذا النص الحافل بالكثير من الأحداث والتفاصيل الدقيقة والمهمَّة. لكن هذا ما سنحاول فعله بجدٍّ في المقالات القادمة، بهدف وضع القارئ في سياق التفاصيل الأكثر أهميَّة من كتاب الشرع. الكتاب الذي لن نستطيع في ذات الوقت، تجاهل ما بدأ يتلقَّاه من أصواتٍ مشكِّكةٍ بسبب موعد نشره، وناشره قطريُّ التمويل. رغم تأكيد الناشر في المقدمة أنَّ الكتاب لن يتطرق للأحداث الحالية في سوريا، لأنَّه أُنجز أصلاً بين بداية العام 2010، وحتى حلول نيسان/أبريل 2011، إلَّا أنَّ الأحداث التي تفجَّرت منتصف آذار/مارس 2011، كانت وراء تأخير نشره حتى الآن.





 
 
 
EN
AR