الشرع في "الرواية المفقودة": هكذا تعرّفتُ على حافظ الأسد

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم نور شلغين

الاثنين 02 / شباط / فبراير / 2015


Replacement_Image

فما الذي سيحمله هذا الكتاب الذي يؤكّد كاتبه على عدم اعتباره توثيقاً وتأريخاً أكثر مما هو شهادات مأخوذة من زاوية شخصية؟ هذا ما سننشره عبر اقتباسات قصيرة تباعاً في مدونة "دلتا نون سوريا"، قبل نشر مراجعة نقدية مفصّلة للكتاب في مجلة "دلتا نون" التي يصدرها "مركز دراسات الفكر والشأن العام".

نور شلغين |

 

تسعة عشر فصلاً تضمّنتها الرواية المفقودة التي أصدرها الديبلوماسي السوري العتيق فاروق الشرع، كاسراً صمته المستمر منذ نحو سنتين، وسط إشاعات متكررة حول وفاته، وتكميم فمه من قبل السلطات السورية، التي تعاني من سوء علاقات معه في الآونة الأخيرة، بحسب ما تتناقله تلك الشائعات. فيما تقول روايات أخرى أنّ الشرع الصامت إنما يخضع لإقامة جبرية تحت حراسة إيرانية مشددة في دمشق. ولا يوجد بالطبع أي تأكيدات لكل تلك الأخبار المتناقلة، إلا أنّ كتاب "الرواية المفقودة" الذي كتبه الشرع وأصدره "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة، يأتي ليؤكّد أنّ الشرع ما زال متحكّما بقراره، وأنّه كما عُهد عنه: ديبلوماسيٌّ من الطراز الرفيع يُجيد انتقاء ما يقوله، في الوقت الأنسب دون أن يستطيع أحد منعه.

في الكتاب يقدّم الشرع مذكّراته حول مواضيع شتّى من زاويته كسياسي مخضرم واكب السلطة السورية ورموزها منذ البداية؛ فهو وزير خارجية سوريا في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، ونائباً أولاً لنجله بشار الأسد، ولايزال كذلك برغم كل الشائعات التي تؤكّد تجميد منصبه، بخاصة بعد تعيين السيدة نجاح العطّار كنائب للرئيس في ظلّ غياب الشرع عن المشهد، ما يؤكّده في مقدمة الكتاب بإشارته إلى أنّ ما منعه من تسجيل هذه المذكّرات إنما كان ضيق الوقت فيما مضى. فعلى سبيل المثال، وتحت عنوان "التعرّف على حافظ الأسد"، في الفصل الأول من الكتاب، كتب الشرع كيف التقى، من خلال وظيفته في الطيران السوري المدني، بحافظ الأسد:

((في هذا الجو الانفصالي تعرفت على الطيار المسرح حافظ الأسد المعين بوظيفة مدنية في مديرية النقل البحري. عرفني إليه ضابط زميل له اسمه إبراهيم الرفاعي وهو فضولي بامتياز لدرجة أنه أثار فضولي أيضًا، فذهبنا معًا لزيارة حافظ الأسد في مكتبه في مؤسسة النقل البحري لنفهم منه أجواء القاهرة.

تحدثنا عن الوحدة والانفصال السهل الذي حدث ومسؤولية حزب البعث الذي حل نفسه ومسؤولية عبد الناصر الذي طالب بحله وكان هذا سببًا كافيًا أنّ الوحدة لم تعمر طويلاً. أذكر أنّ حافظ الأسد كان قليل الكلام لكنه لا يتوقف عن التدخين، والرفاعي لا يتوقف عن الكلام لدرجة أنّ تفاصيل هذا اللقاء كادت أن تضيع من الذاكرة لولا استعادة الأسد لمقعده في سرب الطائرات المقاتلة بعد عدة أيام من ثورة «الثامن من آذار» 1963. ويومها علق في ذاكرتي أنّ حافظ الأسد كان عضوًا في اللجنة العسكرية التي تشكلت من نخبة من الضباط البعثيين في القاهرة خلال سنوات الوحدة بين سورية ومصر. كان من بينها أيضًا صلاح جديد ومحمد عمران وعبد الكريم الجندي وأحمد المير وضباط آخرون وردت أسماؤهم لاحقاً)).

ويتابع قائلاً: ((كنت أعمل عن رغبة ساعات طويلة في شركة الطيران السورية، التي كانت تتبع إلى آمرية الطيران التي يقودها حافظ الأسد، إضافة إلى دوامي المتقطع في قسم اللغة الإنكليزية الذي كان يضم أساتذة من جنسيات مختلفة أوروبية وهندية وأميركية تعرفت من خلالهم على ملامح من بلدانهم قبل أن أقوم بزيارتها بعد عدة سنوات.

وعلى الرغم من ضيق الوقت إلا أنني أقمت صداقات شخصية مع عدد محدود من الأساتذة، فازدادت رغبتي في اكتشاف آفاق جديدة نحو المعرفة ووجدت نفسي مشدودًا إلى الروايات والقصص القصيرة العربية التي تبنتها 33 مجلة الآداب اللبنانية ومجلة شعر، ثم انتقلت إلى عالم الأدب المقارن وعمالقته من أمثال دوستويفسكي وتشيخوف في الأدب الروسي، إلى شكسبير وديكنز في الأدب الإنكليزي مرورًا لا غنى عنه بجحيم دانتي الفلورنسي، وانتهاءً بالإلياذة والأوديسة من بلاد الإغريق. لم أكن أتخيل حينها أنّ هذا الجانب من اكتساب المعرفة سيصبح يومًا - في حقل السياسة الخارجية - ضروريًا بأهمية دراسة القوانين لدى محاورة الآخرين من جنسيات مختلفة وإقناعهم بالحجة والمنطق.

ومما لا شك فيه أنّ عملي كأحد المديرين في شركة الطيران العربية السورية آنذاك ساعدني بحكم تبعية هذه الشركة لوزارة الدفاع على التواصل مع الوزير حافظ الأسد الذي لم تنقطع اتصالاتي به حتى عندما أصبحت مديرًا إقليميًا لشركة الطيران السورية في لندن في أعقاب حرب حزيران/ يونيو 1967 ومشاعر الإحباط تطغى علي بحكم الانقسامات الحزبية المؤلمة وما واكبها من انتقادات وإشاعات كانت تصل بصورة رسمية أولاً بأول إلى منظمتنا الحزبية في لندن؛ إذ كنت عضوًا فيها مستفيدًا من حرية التعبير التي كانت طبيعية لمن يعيش في بريطانيا. فالبريطانيون يؤمنون بحرية التعبير في جزرهم لكنهم قد يتصرفون بشكل مختلف عندما يكونون في موقع السادة خارجها)).

يُشير الشرع في مقدمة كتابه، إلى أنّه سيكون أميناً قدر المستطاع في سرد وقائع حصلت فعلياً أثناء عمله السياسي منذ نحو ثلاثين سنة، مع التأكيد على ((إن احترام خصوصية النفس البشرية أفضل كثيرًا من الشهرة العارية التي لا يجني الإنسان منها إلا الربح الخسيس)).

فما الذي سيحمله هذا الكتاب الذي يؤكّد كاتبه على عدم اعتباره توثيقاً وتأريخاً أكثر مما هو شهادات مأخوذة من زاوية شخصية؟ هذا ما سننشره عبر اقتباسات قصيرة تباعاً في مدونة "دلتا نون سوريا"، قبل نشر مراجعة نقدية مفصّلة للكتاب في مجلة "دلتا نون" التي يصدرها "مركز دراسات الفكر والشأن العام".





 
 
 
EN
AR