الجدل الفاسد بصدد جبهة النصرة والجهاديات

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم عمار ديّوب

الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

النصرة وداعش وأحرار الشام، هي مجرد قوى جهادية إرهابية، أعمالها تعيد تأهيل النظام، ألم تأتي أمريكا بتحالفها بحجة داعش والنصرة؟ ألم تقتل تلك القوى من السوريين الثائرين الكثير، أليست سجونها مليئة بالناشطين؟ اعتبار النصرة وداعش والإخوان وأحرار الشام بشكل رئيسي قوىً ثورية أضرت بالثورة وإن بأحجام متباينة، هذا واحد من استخلاصات الأعوام التي مضت.

عمار ديّوب |

 

هلّل سياسيون ومثقفون مؤخراً لسقوط معسكر وادي الضيف والحامدية بمدينة إدلب بيد جبهة النصرة، وكأنه انتصار للثورة. وقيل أن النصرة جزء من الثورة. قبل ذلك قال معاذ الخطيب وجورج صبرة وقياديون في المجلس الوطني الكلام ذاته، وعادة ما يميل كثير من الناشطين الضيقي الأفق، إلى التمييز بين داعش ويعتبرونها إرهاباً والنصرة فيما يعتبرون النُّصرة قوة ثورية.

مع سقوط وادي الضيف تجدّد النقاش. الحقيقة تقول أن جبهة النصرة فرعٌ لتنظيم القاعدة، وهي تنظيمٌ أصوليٌّ متطرفٌ وطائفي، وأنَّ السوريين رفضوه وقاموا بمظاهراتٍ ضدّه آخرها في المنطقة الجنوبية من دمشق، واعتبروه كما النظام قوة "احتلال" ضد ثورتهم وضد منطق الحياة. الوعي البسيط أدق في الفهم من المعارضة السورية؛ الأخيرة أدخلت النصرة وقبلها الإخوان المسلمين في الثورة، بينما قال الشعب بالعموم الشعب واحد واحد، أي ليس سنة ومسيحيين وعلويين واسماعيليين وشيعة وسوى ذلك؛ فهذه مذاهب وطوائف وأديان، وأما في السياسة فالسوريون شعبٌ واحد. ظهور جبهة النصرة أتى لاحقاً عن اندلاع الثورة بأشهر طويلة وعن ظهور داعش في 2013، إثر أن تعقد المشهد برمته، وبعد كل القتل والفقر وظهور فساد المعارضة ورداءتها وتمثيلها الفاشل للثورة، والعيش في الخارج أو في الداخل وعلى حسابها.

لم يبق أمام الناس سوى الله ومن يجدونه معهم في مدنهم المدمرة وقبور شهدائهم. ولهذا يمكن أن يتقبلوا نسبياً وجود هذه الجهاديات وبسبب أهوال الحرب تحديداً. نضيف أن هذه الجبهة خُلقت للإجهاز على الثورة وكذلك داعش؛ فقوة الثورة وتعاظمها كان لا بد من إيقافها، فكانت النصرة وداعش وأحرار الشام وجيش الإسلام. قيادات هذه المجموعات خرجت من السجون السورية والعراقية، أو من سجون الدول المحيطة بسوريا، وعبرت الحدود بمعرفة الاستخبارات الإقليمية وأمريكا والنظام، فهل يعقل أن يصل كل هؤلاء الإرهابيون دون معرفة أجهزة الاستخبارات؟!.

فما الهدف من كل ذلك إذاً. العقل يقول: إحلال قوة قهرية باسم الثورة ولقتل الثورة ذاتها. الاختلاف الثانوي بين هذه الجبهات، لا يغير من كونها قوىً لها الهدف ذاته، وفي هذا حتى الإخوان المسلمين لديهم الهدف نفسه؛ الخلافة الإسلامية، وبالتالي لا يرون الآخر إلّا تابعاً؛ يُعرَّف بمذهبه وليس بكونه إنساناً أو مواطناً، فبعرف الإخوان وجبهة النصرة وداعش لا وجود للعصر الحديث، وكل المستقبل في الرؤية الدينية للعالم؛ أي العودة للماضي، ومن هذه الزاوية لا بد من الهيمنة على المجتمع وأخونته أو دعشنته أو تنصيره، وسوى ذلك.

فعلاً سقط وادي الضيف! ولكنه سقط بعد أن حاصرته وأنهكته الفصائل المحلية لعاميين متتالين، وسقط الآن بسبب دعم متقدم وضد مبادرة ديمستورا والمبادرة الروسية. النصرة التي أعلنت قبل أقل من شهر سيطرتها على الريف الإدلبي وجبل الزاوية، وقادت عملية إسقاط وادي الضيف والحامدية، لم تتعرض لأي قصفٍ من قوات التحالف، وأيضاً لم يواجهها النظام بشكل فاعل. ونضيف هنا أن النصرة على قوائم التحالف الدولي، وتعرضت للضرب من قبل. فما السر في تركها تقضم إدلب إذاً. التحليل يقول أن هناك هدف واضح فهي رسالة للروس وللإيرانيين: أنه لا يمكن تمرير أي اتفاق إلا بإشراف أمريكا وروسيا وضمان مصالح الدول المحيطة، ومنها تركيا وقطر وسواها.

جبهة النصرة لا تحرِّر سورية بل هي تنفذ سياسات إقليمية، وهي تقتل الثورة وتبني سلطتها الشرعية في المناطق المحررة من قبل. إنها لا تتوقف عن إنزال أحكام متخلفة على الناس، كأحكام الرجم والقطع والزنى، أي تمارس القتل لأسباب تتعلق بحرياتهم الشخصية، أو بحاجاتهم الملحّة. داعش يختلف عنها بكمية القتل فقط!.
إسقاط وادي الضيف سيفيد في دفع الصراع نحو مساراتٍ سياسية ربما، ولكنه لن يخلَّ بميزان القوى بين الطرفين، وهو ميزان ثابتٌ وقد استنقع في العام الأخير؛ فتارة يتقدم النظام وتارة تتقدم القوى التي تحاربه. وبالتالي من الغباء بمكان تكرار المعزوفة القديمة واعتبار النصرة ومن يشبهها قوىً ثورية، يشعر إزاءها كافة السوريين إلا قلة منهم، بأنها أصبحت كريهة وتافهة ولم يعد لها أيُّ معنى؛ فالتدمير عبثي والقتل مجاني والمدن السورية تُدمر والشباب يقتل والناس تهاجر والبلد يخلو من الشباب. النظام لا يتوقف أبدا عن كل ذلك، وهو المسؤول الأول عن هذا، وكذلك فالمعارضة لا تقدم أية مبادرات، والدول الإقليمية تلعب بورقة الجهاديات لإبعادها عنها، ولتدمير فكرة الثورة بعيون شعوبها، فارضةً شروطها على طاولة أية مفاوضات بخصوص مستقبل سورية.

النصرة وداعش وأحرار الشام، هي مجرد قوى جهادية إرهابية، أعمالها تعيد تأهيل النظام، ألم تأتي أمريكا بتحالفها بحجة داعش والنصرة؟ ألم تقتل تلك القوى من السوريين الثائرين الكثير، أليست سجونها مليئة بالناشطين؟ اعتبار النصرة وداعش والإخوان وأحرار الشام بشكل رئيسي قوىً ثورية أضرت بالثورة وإن بأحجام متباينة، هذا واحد من استخلاصات الأعوام التي مضت.

*الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة بل عن رأي الكاتب





 
 
 
EN
AR