في نقد الحياة الحزبية السورية بعد الاستقلال - الجزء الأول

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم شاهر جوهر

السبت 30 / كانون الثاني / يناير / 2016


Replacement_Image

يعمد الكاتب في عدة مقالات إلى تقديم عرض نقدي مبسط لوضع الأحزاب السورية وخطابها، وتدخلات العسكر في العملية الحزبية والسياسية، وذلك في فترة ما بعد استقلال سوريا عام ١٩٤٦.

 

إن عملية الولادة النشطة والفعلية للأحزاب السياسية السورية تعود لنشوء الدولة السورية ككيان مستقل بذاته عن السلطة العثمانية، وتطورت مع وقوع هذا الكيان بعدها تحت سلطة الانتداب الفرنسي.

فبسبب ظروف خاصة قبل الحرب العالمية الثانية تمكنت القوى الوطنية في البلاد من التخلص من الاحتلال الأجنبي قبل غيرها من دول المشرق العربي، وقد لعبت الحركة الوطنية فيها بليغ الأثر في استقلالها . فمع انتهاء الحرب وجلاء القوات الأجنبية عن الأراضي السورية في ربيع 1946 دخلت سوريا مرحلة جديدة على المسرح السياسي قوامها إسقاط الوعي الاحتلالي وتشكيل الدولة بوعي وطني متمثل بالقوى الوطنية، حيث كان معظم مثقفي سوريا وسياسييها في تلك الاثناء كما يقول د. رضوان زيادة ((يتوزع بين أحزاب أيديولوجية متنافسة كحزب البعث والحزب الشيوعي والإخوان المسلمين والحزب السوري القومي الاجتماعي‏)). هذا بالإضافة إلي الأحزاب التي تفرعت عن الكتلة الوطنية، والتي اعتبرت في هذه الفترة الكتلة الحزبية الأبرز على الساحة السياسية بعد الاستقلال، وكانت ذات توجه ليبرالي.

أخذت الفئات الحزبية ذات التوجه الايديولوجي في الصعود في مقابل تراجع نسبي واضح للأحزاب الليبرالية. فقد ظهر جلياً للجميع أن مستقبل سوريا المستقلة بات مرهوناً بزعمائها السياسيين وهم الرجال الذين قادوا النضال لأجل حرية البلاد واستقلالها، لكنهم شكلوا فريقاً لا تجربة له في تسيير أمور الحكم والدولة، لذا واجهت السنوات الأولى من الاستقلال بقيادتهم العديد من المشاكل الإدارية الحادة.

 وقد تميزت سنتا 1946 و 1947 كما يقول جوردون هـ. توري في كتابه "السياسة السورية والعسكريون (1945-1958)” بإخلال وفساد كبيرين في العمليات الحكومية في شكليها النيابي والإداري ما جعلها عرضة للصراعات العربية الاقليمية والدولية.

هذا الأمر انعكس بوضوح على الانتخابات التشريعية التي جرت في تموز/يوليو 1947 والتي كانت أول انتخابات في ظل الاستقلال، وقد احتفظ فيها الحزب الوطني الحاكم بـ 40 مقعداً في حين حصل الأحرار أو الشعبيون على 30 مقعداً وهم عبارة عن ائتلاف غير متماسك بمنهاج حزبي غامض ، اذ دعا برنامجهم الى ضرورة احترام الدستور والمساواة والعدالة الاجتماعية واستقلال الأقطار العربية جميعها وإنقاذ سوريا من الاستعمار الاقتصادي. كما نجح أكرم الحوراني في تلك الانتخابات عن حزب الشباب، ورشاد برمدا عن الحزب القومي العربي، وكذلك فاز الأخوان المسلمون بمقعد واحد، في حين لم ينجح ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وجميل مردم عن الكتلة الجمهورية وأكثر من 50 من المستقلين بأي مقعد.

لكن في أيلول/سبتمبر من نفس العام (١٩٤٧) جرى تعديلٌ على الدستور نص على إمكانية التمديد لشكري القوتلي رئيساً للجمهورية لمدة أربع سنوات أخرى، والذي بدوره كلف جميل مردم بتشكيل الحكومة. وقد لاقى هذا التعديل معارضة كبيرة في الداخل وعلى إثره دخل حزب البعث في صفوف المعارضة لأنه عدّ إعادة الترشح تجديداً للحكم الديكتاتوري.

وبسبب أحداث أيار في فلسطين سنة 1948، وانتشار الفوضى السياسية وشيوع عدم الاستقرار، ومع عدم قدرة القوى التقليدية على ابرام عقد وطني يجمع كافة الأحزاب والكتل البرلمانية، أيقن كثير من السوريين عدم مقدرة هذه القوى على الدفاع عن مصالح الشعب العربي الفلسطيني، ما دفع باتجاه استقالة حكومة جميل مردم وتشكيل حكومة جديدة بعد يومين برئاسته. لكن هذه الحكومة ما لبثت أن استقالت للمرة الثانية في نفس العام ليتم تكليف هاشم الأتاسي بتشكيل الوزارة الجديدة.

بسبب تلك الأزمة طرأت ﺗﺤﻮﻻﺕ مهمة على الحركة الحزبية السورية، فقد ساهمت في نمو واضح لليسار كمنافس للأحزاب اليمينية المحافظة، كما برز تقارب أيديولوجي واضح أدى إلى ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺗﻨﻈﻴﻤﻲ ﺑﻴﻦ حزب البعث العربي (بزعامة عفلق والبيطار) ﻭﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺍﻻﺷﺘﺮﺍﻛﻲ (بزعامة أكرم الحوراني). وقد ﺃﺳﻬﻢ هذا التوحد ﻓﻲ إعطاء قوة لليسار في المشاركة في الحياة السياسية. وفي صورة موازية أصبح الشيوعيون وكذلك الاخوان المسلمون أكثر تنظيماً في المجتمع السوري في هذه الفترة عما سبقها.

لكن هذه التطورات لم تكن قادرة على امتصاص السخط الشعبي على الإدارة الحاكمة في البلاد، وهذا ما أدى إلى استمرار الاضطراب السياسي وشيوع الفوضى والاحتجاجات، ما فتح الباب على مصراعيه للتدخل العسكري المباشر (يتبع في الجزء الثاني).





 
 
 
EN
AR