حول جنيف الثالث

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم أنس جودة

الأحد 31 / كانون الثاني / يناير / 2016


Replacement_Image

هل يمكن لجنيف الثالث أن يصنع حلاً للوضع السوري المأزم؟ وما هو الدور السوري في ظل توافقات دولية وتفاهمات إقليمية مهدت لعقد هذا المؤتمر؟ وهل يمكن الاكتفاء بالوصول إلى مجرد اتفاقات أمنية وعسكرية من أجل بناء سوريا التي نحلم بها؟ هذه بعض الأسئلة التي يطرحها الكاتب في هذه المقالة المختصرة عن مؤتمر جنيف الثالث.

 

لن يكون جنيف الثالث مختلفاً عن سلفه من حيث شكلية الحضور السوري والأداء المسرحي للوفود المشاركة أو المستشارة، وسيكون غنياً بمشاهد درامية تشكل مادة خصبة للنشر والمتابعة على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن مايراد أن ينتج عنه سيكون بالتاكيد مختلفاً عن غيره من لقاءات ومؤتمرات، فالوضع العسكري على الأرض والمعطيات السياسية على الساحة الدولية فرضت واقعاً جديداً مؤثراً على ديناميكية الصراع في المنطقة وبالتالي على شكل "الحل" السوري.

طغيان الإرهاب وفوضى المجموعات المسلحة الجهادية والميليشاوية وخطورة ذلك على كل دول المنطقة، بالإضافة لسياسة الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة، وقرب فترة الانتخابات الرئاسية الأمريكية عوامل دعت إلى إيجاد أطر جديدة كالاتفاق النووي الإيراني، والوجود العسكري الروسي في سوريا، كضرورات للحد من دوامات "الفوضى الخلاقة" المصدرة للإرهاب وموجات اللجوء، وأيضاً لخلق توازن مع جموح الأطراف الإقليمية الأخرى غير المستفيدة من الحالة  الجديدة ومحاولة تغير المسار.

ومن هذه الضرورات أيضاً الحاجة الدولية لضبط الأوضاع في سوريا وتحديد اللاعبين الرئيسيين عسكرياً وسياسياً ومدنياً وأدوارهم والمشرفين عليها، وعزل المجموعات المنفلتة وتحييدها، وهذا هو لب اجتماعات فيينا وما سيليها من اجتماعات للمجموعة الدولية. وفي هذا السياق يمكن تفسير تكليف السعودية بتشكيل الوفد المفاوض، وتنظيف مناطق سوريا "المفيدة" من المجموعات المسلحة وإعادة تموضعها في مناطق أخرى، وتصنيف المجموعات الإرهابية أو بتعبير أدق لائحة المجموعات المسلحة غير المنضبطة الرافضة للحل، وحل القيادة القومية للبعث، وكل ما من شأنه أن يؤمن الاستقرار النسبي  الضروري لرسم خطوط اللعبة وضبط  قواعدها.

ومع التأكيد على الحاجة السورية الفعلية لاتفاق دولي يحفظ وجود الدولة والمجتمع السوري ويمكن السوريين من التقاط أنفاسهم ويوقف نزيف الدماء المجاني، وينهي معاناة النازحين والمحاصرين، إلا أن التخوف الأكبر من هذه التوافقات الدولية أنها  تكون منصبة دائماً على ضبط الأمور العسكرية والأمنية، وخلق صيغة سياسية تحمل شبهة التوافق والتمثيل، ولاتأخذ في الحسبان ضرورة بناء حلول سياسية واجتماعية مستدامة، وهذا ما سيشكل وصفة أكيدة لإعادة إنتاج  الثورات الاجتماعية بأشكالها المختلفة خصوصاً في غياب وتشرذم القوى المجتمعية والسياسية الناشئة وعدم قدرتها على تشكيل منصات موثوقة وقادرة على جذب السوريين.

فلا تكفي محاولات إنهاء بؤر التوتر العسكري عن طريق نقل آلاف من المسلحين وعائلاتهم إلى مناطق "بعيدة"، ولا تعهيد أمور اللاجئين في المخيمات للمنظمات الدولية، ولا الادعاء بأن الهدن واتفاقات وقف إطلاق النار تشكل "مصالحات" ناجزة، ولا الظن بأن عدداً من مشاريع التنمية المحلية متناهية الصغر قادرة على تثبيت المواطنيين في مناطقهم وإعادة المهجرين، ولا الادعاء بأن الأوضاع السياسية أصبحت مستقرة وليس هناك حاجة لمسار سياسي جدي، فكل هذه الحالات وغيرها إذا أهملت تشكل قنابل موقوتة قابلة للانفجار بطرق قد تكون أعتى وأضخم من الشكل الذي نشهده اليوم خصوصاً أن حالة الصراع الدولي مازالت مستمرة،  وأن مانشهده من توافق اليوم ما هو إلا اتفاق بالحد الأدنى على إدارة الصراع الدولي لا أكثر.

المسؤولية اليوم تقع مباشرة على عاتق القوى الديمقراطية الليبرالية العَلمانية وقوى المجتمع المدني الناشئ لبناء مشروع وطني أصيل، يكون قادراً على جذب غالبية السوريين غير المهتمين بالاستقطابات السياسية الحاصلة ولا بالملهاة العسكرية والسياسية، فهذه القوى فشلت كلها حتى الآن في صناعة حالة سياسية جدية وبقيت على سطح المجتمع السوري، ولم تستطع أخذ مكانها الوسطي بين القوتين السياسيتين الوحيدتين على الساحة السورية وهما البعث والإخوان.

قد لايكون إخراج الاتفاق على الشكل الذي يرغبه السوريون ولا بالتفاصيل التي يتمنونها، وقد يتعرض في الطريق لاتفاقات جانبية أوتسويات أوسلوية، ولكن هل يملك السوريون غير البناء على مافي أيديهم بدلاّمن التذمر واتباع سياسة الحرد والممانعة الفارغة؟ وهل هناك من وسيلة إلا العمل الجدي على المشروع الوطني الذي يبني الهوية والانتماء السوري؟ وهل من وسيلة عدا الإيمان بقوة الفكرة التي إن اكتملت ستكون قادرة على خلق مساحة توازن فعلية قادرة على السير بمصالحة وطنية عميقة؟ فما قد يحدث للسورين أخطر من أن يتم تأجيله أو تجاهله.





 
 
 
EN
AR