النسوية العربية: فوقية،إقصائية،لا تناهض العنف

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم فاطمة جاديبا

الثلاثاء 08 / آذار / مارس / 2016


Replacement_Image

في كتابها "قضية المرأة المصرية السياسية والجنسية"، تقول نوال السعداوي: ((إنَّه لا يمكن تحرير المرأة حقيقة إلا بإزالة جميع أنواع الاضطهاد)). وبين افعلي التي ينادي بها المجتمع ولا تفعلي التي تنادي بها النسويات يترسَّخ فعل الأمر تجاه المرأة. فعلى النسويات أن تعلم بأنَّ وظيفتها مساندة المرأة لا توجيهها

في عام 2010 كتب أحد الأصدقاء المصريين، تعقيباً على مشاركته في مؤتمر مئوية المرأة أنَّ: ((أبرز هتافين تكرراً ضد النساء المشاركات، كانا "بنات سوزان مبارك" و"يخشوا الجيش")). ورغم معارضة صديقي لمضمون الهتافين ومردِّديهما، إلا أنَّهما أعطيا دلالة واضحة على أكبر خطأين ارتكبتهما المؤسَّسات النسوية العربية خلال الثلاثة عقود الأخيرة، وهما الارتماء في حضن الأنظمة الديكتاتورية، وتجاهل مناهضة مؤسَّساتها العسكرية، الذي هو ضمن أهم نشاطات النسوية، كون العنف الرسمي أبرز أشكال القمع التي واجهتها المرأة وما تزال تواجهها.

ورغم أنَّ ما كتبه الصديق المصري يتناول فترةً سابقةً للربيع العربي،هذه الفترة التي كانت جميع المؤسَّسات العربية   -النسوية وغير النسوية- مرتميةً تماماً في أحضان أنظمتها. لكن هذا لا ينفي أنَّ هذه المنظمات استمرت في ارتكاب هذه الأخطاء حتى بعد سقوط نظامي زين العابدين ومبارك.

في كتابها "قضية المرأة المصرية السياسية والجنسية"، تقول نوال السعداوي: ((إنَّه لا يمكن تحرير المرأة حقيقة إلا بإزالة جميع أنواع الاضطهاد)). إلا أنَّ الكاتبة المتمردة أيَّدت الانقلاب العكسري عام 2013 بقيادة المشير عبدالفتاح السيسي، ولم تعارض بأدنى شك ما مورس من عنفٍ وقمعٍ تجاه معارضي الانقلاب، لمجرَّد اختلافها معهم بالتوجه.

ولا يتوقف التناقض على عدم مناهضة الفكر النسوي للمؤسَّسة العسكرية، إنَّما يتعدَّاه لمزاحمة الرجل في الانتماء لهذه المؤسَّسة، سواء على الصعيد العربي والغربي، إذ تقول روزا ياسين حسن، تعقيباً على صورة لوزيرة الدفاع الإسبانية تدرس فيها مع مجموعة من الضباط، الخطط العسكرية المحتملة للقوات الاسبانية المتواجدة في أفغانستان، ببطن مكور وفستان أبيض: ((على الرغم من أنَّ الإيديولوجيا النسائية كانت وعلى الدوام ضد تمظهرات المؤسَّسة العسكرية ورصِّ الجيوش، واعتبرت أنَّ الحروب عموما هي من صنع الفكر البطريركي الذكوري العدواني، ولم تُخترع إلا للدفاع عنه. إلا أنَّ الزمن أثبت أنَّ شرط وجود الفكر النسوي على أرض الواقع حقيقةٌ لا ريب فيها. وربما كان أحد أشكال التغيير هو الغوص فيما كان ضده".

هنا تقع النسوية في النقيض؛ فهي من جهة تؤكد على وجود معايير خاصة لتحرر المرأة أبرزها نبذ العنف، وفي الوقت نفسه تهاجم أيَّ تمييزٍ بين الرجل والمرأة على أحقية الانتماء للمؤسَّسات العنفية.

ما هي النسوية؟

هي مجموعة مختلفة من النظريات الاجتماعية والحركات السياسية والفلسفات الأخلاقية، التي تحرِّكها دوافع متعلقة بقضايا المرأة. يتفق النسويون والنسويات على أنَّ الهدف النهائي، هو القضاء على أشكال القهر المتصل بالنوع الجنسي ليسمح المجتمع للجميع نساءً ورجالً بالنمو والمشاركة في المجتمع بأمان وحرية.

وشأن أي فكرٍ يساند قضية إنسانية، فإن النسوية حركة تحيد عن طريقها بمرور الزمن وترتكب الأخطاء وتتعرَّض للنقد من روادها أنفسهم. فعلى الصعيد الغربي ناقشت الفيلسوفة الأمريكية نانسي فرزا الزلاَّت التي سقطت فيها المنظمات النسائية خلال العقدين الأخيرين، في مقال كتبته عام 2013 قائلة: )) كنسوية،كنت أعتقد دائماً أنَّ النضال من أجل تحرير المرأة هو نضال من أجل عالم أفضل، عالم أكثر مساواة، عدلاً وحرية. إلا أنَّني في الآونة الأخيرة، يساورني بعض القلق بأنَّ رائدات النسوية يخدمن الآن غايات مختلفة تماماً. ما يقلقني على وجه الخصوص هو أنَّ رفضنا للتمييز الجنسي أصبح الآن يُستخدم لتبرير أشكال جديدة من عدم المساواة والاستغلال، إذ لا يزال هناك جدل واسع حول أنشطة النسوية حالياً، ويجب علينا أن نتنبه لتلك الأخطاء بدلاً من أن نكون أبواقاً لكل ما يطلُّ علينا من خارج محيطنا)).

من هنا يظهر أنَّ الرائدات النسويات في الغرب، يلجئن لأسلوب النقد الذاتي لإصلاح الحركة من الداخل على أيدي روادها، بينما نجد النقيض لدى رائدات الحركة النسوية في العالم العريي، إذ تعتبر كلٌّ منهن أنَّ أيَّ انتقاد موجه للمنظمات النسائية والناشطات فيها، هو إما تمييزٌ عنصري ذكوري أو خنوعٌ أنثوي مترسخ لا يقبل التجديد. وإلى الآن لازالت النسوية العربية ترتكب في خطابها الكثير من السلبيات وأبرزها:

  1. عدم مناهضة مملكة العنف:

 لدى أيِّ متابعٍ للمواقع العربية التي تتبنى الفكر النسوي، سيجد أنَّ أكبر رموز النسوية العربية متمثل بالنساء المناضلات، كجميلة بوحريد وليلى خالد ومثيلاتهن. وليس المقال بصدد الكلام عن المرأة المناضلة، لكن تبني الفكر النسوي العربي لهذا النهج يثبت شيئين:

أولاً: أنَّ النسوية لم تناهض مملكة العنف، رغم أنَّ العنف أبرز ما مُورِسَ ضد المرأة، بكافة أشكاله جسدياً ولفظياً ونفسياً.

ثانيا: أنَّ التركيز على المرأة المناضلة لا يقدِّم أي برنامج حقيقي لتحرير المرأة، ولا يعطي النساء المضطهدات أيَّ فكرةٍ عن تطوير الذات والسعي لتحرير النفس وبناء مجتمع مدني يكفل حقوقهن.

  1. الجندرة:

 في دراسةٍ أجرتها الدكتورة عواطف عبد الرحمن، وَجدت أنَّ الموضوعات التي تناولتها النسوية تتوجه إلى النساء أساساً، ثم الأسرة، ونادراً إلى الرجال. ولكن بما أنَّ الهدف الرئيسي من النسوية، هو إلغاء التمييز بين الرجل والمرأة، فإنَّ العدوانية التي تخاطب بها النسويات الرجل، أو الإقصاء الذي تمارسه في إعلامها تجاهه، يعكس تمييزاً مضاداً ومشكلة حقيقية.

لا يمكن الإنكار أنَّ المؤسَّسات المدافعة عن حقوق المرأة غالبيتها من النساء، لكنَّ الخطاب الاتهامي والعدواني كفيل بخسران حتى القلة القليلة من الرجال التي تساهم في هذه المنظمات. يقول ديفيد مكرينولدز في كتابه "فلسفة اللاعنف": ((أنَّ الحياة ليست عادلة، وسيرورة التغيير الاجتماعي سيرورة مصدوعة وعميقة، فالتغيير الاجتماعي برمته يرتكز على واقع، أنَّهم وحدهم المقموعون، سوف يقومون بشيء ما لتغيير المجتمع، إذ أنَّهم وحدهم المهتمون. لماذا تعيَّن على سود الجنوب الذين عانوا بهذا العمق وبهذا الطول من العنصرية أن يتحملوا العبء الرئيسي للتغيير الاجتماعي؟ السبب الوحيد، هو أنَّ ما من سواهم مهتم فعلا)). لذا فكون المرأة تتحمل العبء الأكبر في سعيها للتحرر هو من صفات التغيير الاجتماعي العميق، لكن هذا لا يبرر خطابها العداوني تجاه الرجل فاعتبار الرجل طرف مساند في مطالبها، وتوجيه خطاب واضح خال من العنصرية له، كفيل بالمساهمة بازدياد الحضور الذكوري في هذه المؤسَّسات، وتخفيف شعور الرجل العربي بأنَّ النسوية إنَّما حركة موجهة ضده، بحيث أنَّها فكر يسعى لدحض أي اضطهاد مبني على التمييز الجنسي وغيره من أشكال التمييز.

  1. الإقصاء والفوقية:

 في مقابلة لنوال السعداوي سألتها المذيعة وفاء الكيلاني عن سبب كثرة الانتقادات والتجريح والتشهير بها عند الكثير من الأفراد لدى الشعوب العربية، أجابت: ((وماله الكثير منهم جهلة ومتخلفين وغير واعيين)). ومن غير المعروف كيف سيتقبل الشعب العربي أفكار الكاتبة عندما تخاطبه من خلال فضائية يشاهدها الملايين بوصفه بالمتخلف والجاهل!!

 إذا استمر الخطاب النسوي بالحفاظ على فوقيته، فإنَّه سيستمر بالدوران في فلك منعزل بعيداً عن أرض الواقع وبعيداً عن الشعب الذي تناشد النسوية بتحريره من التمييز الجنسي، فإذ بها تمارس ضده تمييزاً لفظياً آخراً متمثلاً بعدم احترامه في خطابها العلني. وليس الفلك الذي تدور به النسوية العربية متمثلاً بخطابها الفوقي فقط، إنَّما تعدَّاه لإقصاء قسم من النساء ومخاطبة فئة معينة فقط. ففي بحثٍ أجرته عزة كامل عن صورة المرأة في الصحف والمجلات المصرية، وجدت أنَّ أقل الأدوار تداولاً في التحليل النسوي هو دور المرأة الريفية، وهذا يعني عدم اهتمام الإعلام والمنظمات النسائية بتناول هذا القطاع من المجتمع، وكأنَّ النساء الريفيات غير موجودات على الخريطة العربية!! بينما تركز المجلات النسائية بمناقشة الوضعية الفنية للمرأة وتهتم بحوارات مع نساء أعمال يتحدثن بموضوعات غير هادفة، لا تفيد قطاعاً عريضاً من النساء ولا تساهم في تطويره.

  1. الأسلوب التوجيهي في مخاطبة المرأة

شأن ما يمارسه المجتمع والدين والدولة من توجيه للمرأة باعتبارها إنساناً من الدرجة الثانية، تمارس النسوية هذا التوجيه تجاه الأنثى ولكن بأسلوبٍ عكسي، فمثلاً عندما يخاطب المجتمع المرأة بأفكار عنصرية، كمطالبتها بالزواج واللباس المحتشم وإرضاء الرجل. تخاطب النسويات المرأة بشعاراتٍ معاكسة، لا تتزوجي تمردي لا تضعي الحجاب لا تلبسي اللباس المحتشم لا ترضي الرجل، وبين افعلي التي ينادي بها المجتمع ولا تفعلي التي تنادي بها النسويات يترسَّخ فعل الأمر تجاه المرأة. على النسويات أن تعلم بأنَّ وظيفتها مساندة المرأة لا توجيهها، وإن كانت الأديان ركزت على كون المرأة ناقصة عقل، فالنسوية تستجيب لهذه الفكرة عندما تخاطب النساء بهذه الصيغة التوجيهية. المرأة كائن بعقلٍ كامل يمتلك القدرة على تحديد مصيره ومعرفة رغباته، ما يتوجب على النسوية هو المساندة في تحرير المرأة لتفعل ما تريد وما تراه مناسبا، وليس توجيهها لأحد الطرق التي يراها رواد النسوية مناسبة دون الأخذ بالاعتبار ما ترغبه الأنثى نفسها.

 

  1. إلقاء لائمة التمييز على الدين وحده:

لا يمكن الإنكار أنَّ الأديان السماوية بسبب ذكوريتها وجنسانيتها مارست من العنصرية على المرأة الشيء الكثير، لكنَّ التركيز على أن الفكر الديني هو العدو الأكبر لتحرر المرأة ساهم في قوقعة النسوية العربية على نفسها، لعدة أسباب:

 أولاً: مهاجمة الدين بشكلٍ مركز وعنيف لفظيا في مجتمع متدين، رسَّخ مفهوماً شعبياً لدى المجتمع العربي بأنَّ النسوية حركة غربية هدفها التآمر على الدين وتنفيذ المخططات الغربية.

 ثانياً: التركيز على أنَّ الدين هو الباب الوحيد الموصد في وجه تحرر المرأة، ساهم في تشتيت تركيز النسويات عن الأبواب الأخرى، فالمجتمع والأسباب الاقتصادية والأنظمة الديكتاتورية، أسباب ساهمت في قمع المرأة. وتحرير الأنثى يكون بترك كل الأبواب مشرعة، وليس بفتح أحد الأبواب ومطالبتها بعبوره.

ثالثاً: من التناقض أن نطالب المرأة بالتحرر من الدين وحده، في حين أنَّ النسوية نفسها مقيدة بمؤسَّسات الدولة. ففي أحد مقالاتها عام 2009 طرحت الناشطة رزان زيتونة، أنَّ جمعية المبادرة النسائية تمَّ سحب ترخيصها، بعد أنَّ شنَّ عليها شيوخ المساجد  أبرزهم الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، هجوماً عنيفاً واصفاً إياهم بالعملاء القذرين والأقزام والمارقات، لمجرد قيام الجمعية باستبيان لاستطلاع رأي المواطنين في بعض مواد قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالمرأة.1 هذا المثال يوضِّح أنَّ الدين لم يكن باستطاعته قمع المرأة دون مؤسَّسات الدولة التي تستجيب له وتدعمه، لذا فإنَّ إلقاء اللائمة على الدين وحده خطأ ارتكبته النسوية، في تحديد الأسباب جميعها التي اضطهدت المرأة.

 أخيراً؛ لن يتوقف الجدل حول المسألة النسوية، لأنَّها قضية إنسانية دائمة التجدد، تحدد من خلال موقعها بنية المجتمع الإنساني. وما يرافقها من نقدٍ ليس إلا مساهمةً في تطويرها وتطوير مجتمعنا للأفضل.

 

 

المراجع

 

1-العلمانية (2)،دار بترا للنشر.

 





 
 
 
EN
AR