كيف احتفل السوريون بأول عيدٍ للجلاء

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم محمد نور الميهني

الاثنين 18 / نيسان / أبريل / 2016


Replacement_Image

كيف احتفل السوريون بأول عيدٍ للجلاء

بالرغم من الرواية التقليدية التي تقول إنَّ آخر كتيبة فرنسية غادرت البلاد يوم 17 نيسان/ أبريل عام 1946، إلا أنِّ الواقع يقول إنِّ القوات الفرنسية سلَّمت مواقعها وانسحبت تماماً قبل هذا التاريخ. فهناك رواية تقول إنَّ سوريا كانت خاليةً من الوجود العسكري الأجنبي يوم 4 نيسان/ أبريل، وفي روايةٍ أخرى يوم 12 نيسان/ أبريل. وبصراحة لا توجد إشارة صريحة لماذا تمَّ اختيار يوم 17 نيسان/ أبريل بالذات للاحتفال بالجلاء. والسؤال هو كيف استقبلت سوريا أوَّل يومٍ من أيام الجلاء!؟

تشير المصادر المتاحة بين أيدينا -والكلام هنا منقول عن كتاب "صحافة وسياسة" للكاتب الصحفي نصوح بابيل- أنَّ سوريا أعدَّت نفسها مسبقاً للاحتفال بذكرى الجلاء منذ أسبوعٍ على الأقل، وتمَّ التخطيط لإقامة الاحتفالات ثلاثة أيامٍ بلياليها. فإلى جانب الاستعراضات العسكرية والرياضية والموسيقية المُحَضَّرة، كانت الاتصالات جارية على قدمٍ وساق مع الدول العربية بهدف حشد أكبر عددٍ ممكن من المدعوين لأجل إعطاء صيغةٍ فخمةٍ للاحتفال. إذ ضمَّت قائمة كبار المدعوين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود بصحبة أخيه الأمير منصور وبرفقة عددٍ من المسؤولين السعوديين. أما الوفد المصري فضم عبد اللطيف طلعت كبير الأمناء والسفير فوق العادة عبد العزيز حلمي إلى جانب عددٍ آخر من الأسماء، ويُلاحظ هنا حضور وفد عن تنظيم الإخوان المسلمين. والوفد اللبناني تألف من سامي الصلح رئيس الحكومة وحميد فرنجية وزير الخارجية وأحمد الأسعد وزير الدفاع وعدد من الوزراء الآخرين. وأخيراً الوفد العراقي الممثَّل بكل من نجيب الراوي وزير المعارف وفاضل الجمالي مدير الخارجية وعدد من المسؤولين العراقيين. كما حضر الحفل كافة أعضاء الحكومة السورية والبرلمان السوري وكبار ضباط الجيش، مع عددٍ من ممثلي الأحزاب الوطنية والقوى السياسية العاملة على الساحة السورية في حينه.

ويقول بابيل إنَّ الناس احتشدوا في مواكب عفوية على طول الشوارع الرئيسية في العاصمة دمشق لتحية الوفود العربية الرسمية وانتظاراً لموكب الرئيس شكري القوتلي، والذي ما إن حضر حتى بدأت الوفود تهتف بحياته وحياة سوريا. وتضمَّن برنامج الاحتفال استعراضاً لتشكيلات الجيش السوري المختلفة، تبعه عرضٌ لتشكيلات الجيوش العربية، وعروض كشفية ورياضية، والفرقة النحاسية. ويُشار هنا إلى مشاركة الفتيات والنساء في العروض دلالةً على دورهن في التحرر من الاستعمار. وفي نهاية الاحتفال تمَّ إهداء القوتلي حفنات من تراب المحافظات المختلفة ما أصاب الجمهور بنوبة حماسٍ هستيرية على حدِّ وصف المصادر. وبعد نهاية الاستعراض العسكري توجَّه القوتلي وصحبه إلى قلعة دمشق حيث رفع العلم السوري فوقها، كما دشَّن ثكنتين عسكريتين باسم يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش. وأكمِلت مراسم اليوم الأول بإقامة حفل استقبال في السراي الحكومي على الغداء وفي فندق أوريان على العشاء.

وفي اليوم التالي-الخميس 18 نيسان/ أبريل 1946- شارك الرئيس القوتلي في تدشين النصب التذكاري قبالة معهد الحقوق. حيث تمَّ وضع حجر الأساس فوق عجينة طينية أعدِّت من خليط تراب المحافظات السورية. ألقى بعدها صبري العسلي وزير المعارف كلمةً قصيرة عن نضال السوريين في وجه الاستعمار، تبعه ممثلو الوفود العربية بإلقاء كلمات مجاملة معبِّرة عن المناسبة. انتقلت الوفود بعدها إلى قرية بالا في غوطة دمشق لحضور حفل الغداء. وهناك تجمَّع الأهالي بعفوية لتحية الرئيس القوتلي وصحبه. وبعد انقضاء النهار غادر القوتلي وصحبه قرية بالا مودَّعين بكرم وحفاوة الأهالي.

أما اليوم الثالث -وهو الجمعة- فاقتصرت فيه الاحتفالات على الجانب الشعبي فقط. إذ أُغلقت الشوارع الرئيسية في العاصمة دمشق وصولاً إلى ساحة المرجة لعرض فرق الفرسان في الجيش السوري، تتبَّعها فرق ما كان يسمى بالمجاهدين، وجميعها تحمل العلم السوري وأعلام الدول العربية المشاركة في الاحتفالات. كما أقيمت حفلات العراضة الشامية والرقص الشعبي التي استمرت حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل. كما طافت المظاهرات العفوية جميع الشوارع وصولاً إلى البرلمان والسراي الحكومي. هذا في الوقت الذي أقامت فيه الحكومة السورية حفل استقبال في فندق أوريان لكبار المدعوين حضره عدد الوزراء والقوى السياسية والوطنية. وحينما وصلت المظاهرات إليه خرج كبار المدعوين لتحية المحتشدين، حيث ألقى كلٌّ من الأمير عادل أرسلان والأمير أحمد الشهابي ونسيب البكري وميشيل عفلق وغيرهم كلماتٍ معبِّرة عن المناسبة. وخُتِمَ الحفل بوضع إكليلٍ من الزهور في ساحة المرجة في إشارةٍ رمزية إلى شهداء 6 أيار/ مايو عام 1916. انتهت بعدها الاحتفالات وعاد الناس لمتابعة أعمالهم في اليوم التالي الذي يُصادِف السبت.





 
 
 
EN
AR