أنا سوري إذا أنا حزين

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم متين الميهني

السبت 11 / حزيران / يونيو / 2016


Replacement_Image

الشعارات التنويرية تعود من جديد في المجتمع السوري ولو ببطئ نوعاً ما؛ ولكن كما يقول المثل الإنكليزي: من يتقدم ببطئ..يتقدم كثيراً

أنا سوري إذا أنا حزين، هكذا يقول لسان حال الكثير من السوريين؛ في وقتٍ لم تكن للشعارات التنويرية مكانٌ في التاريخ السياسي السوري الحديث ولا القديم مثل "أنا أفكر إذا أنا موجود" أو "أنا أشك إذا أنا إنسان"، وإنَّما شعاراتٌ أخرى قد أضحت واقعاً مفروضاً في حياة السوريين خاصة والشعوب القاطنة في منطقة الشرق الأوسط عامة، ولا يعلم حامل الجنسية السورية ما هي الأسباب التي جعلته يصل إلى هذا الاعتقاد، وإنَّما هو متأكد -ونحن نتحدث عن فئة كبيرة ولا نعطي حكما مطلقاً- بأنَّ المؤامرة الكونية هي على الشعب السوري وبأنَّ العالم يجتمع كلَّ يوم مخططاً لمجزرة جديدة تُسفك فيها دماءٌ سوريةٌ فقط وبأيدٍ سورية، تساندها بعض القوى الأجنبية غير السورية وكأنَّ مرض "البارانويا" قد أصبح ملازماً لنا، ولعلَّ أهمَّ الأسباب التي جعلت تلك الفئة التي هي وللأسف كبيرة؛ هي أسبابٌ تاريخيةٌ نفسيةٌ تُدرَّس كحالةٍ في علم الاجتماع السياسي، وهي باختصار عقدتي النقص والذنب، فالتباهي بالتاريخ والأمجاد والحضارات التي حضنتها سوريا منذ الأزل لا تزال محفورة في أفئدة السوريين جميعهم، ولكنَّ الفئة التي تشكل النسبة الأكبر فقط يتباكون على ماضٍ وأطلالٍ لا تُسمن ولا تغني من جوع، وتتجلى عقدة النقص وتبرير التخلف بأنَّ المؤامرة فقط على الشعب السوري ولا علاقة لها بالنظام أيضاً باعتباره الأداة التنفيذية الأولى لهذه المؤامرة مع تدخُّل العديد من القوى الأجنبية غير السورية في الصراع السوري السوري أصلاً.

تمثيل دور الضحية الذي بات هو الدور الوحيد الذي تمارسه الشعوب في الشرق الوسط عموماً وسوريا خصوصاً له دورٌ هام بأنَّ لا حول ولا قوة لشعب متآمرٌ عليه، وأنَّ عليه الرجوع لتاريخه والمضي قدماً من قاعدة الذي ليس له قديم لا جديد له، ومع الأسف نجد الأمر جلياً بأنَّه فارغ وعارٍ عن الصحة، ولو أنَّ هؤلاء يقرؤون التاريخ بعقولهم لتيقنوا من كلامنا هنا.

ألمانيا بعد العهد النازي بقيادة هتلر كانت بحالةٍ من دمارٍ وحطامٍ وركامٍ من الحجارة، لايمكن القول آنذاك إلا أنَّ ألمانيا وخصوصاً ميونخ وبرلين لا تصلحان لتربية أيِّ حيوانٍ أليف أو مفترس، ولكنَّ الغريب في الأمر أن ميونخ اليوم لا يخطر على قلب بشر أنَّها كانت مرتعاً لكلِّ أنواع الفظاعة والشراسة في الحروب. بجانب ميونخ يذهب الناس إلى جبلٍ جميلٍ جداً –يسمى الجبل الأولومبي-حيث يظن الرائي للوهلة الأولى بأنَّ قطعةً من الجنة مزروعة هناك؛ ومن يقرأ تاريخ الجبل سيفاجأ بأنَّ سكان ميونخ كمواطنين ألمان صنعوا ذلك الجبل من حطام بيوتهم وركام منازلهم وأهالو التراب وسقوه بالماء ليصبح على ما هو عليه الآن، لسنا هنا لنصف جمال طبيعة ميونخ وجبلها الأولومبي ولكنَّنا نريد أن نسلِّط الضوء على ما فعله الألمان، فقد نقدوا تاريخهم والنظريات التي كانت تحكمهم ليبدؤا من جديد، تخلوا عن فكرة المؤامرة التي عاشوا عليها قرابة الـ٣٠ عاما وعرفوا بعدها أنَّ العالم هو قريةٌ صغيرة وأنَّ الشعوب ليست إلا مواطنين في هذه القرية عليهم العمل معهم، ومن هنا نعتقد جازمين بأنَّنا متى استطعنا أن ننقد تراثنا وأنَّ كلَّ المؤامرات هي وهم  بوهم واستطعنا أن نتغلب على عقدة العمل الفردي ونؤمن بالعمل الجماعي؛ وأنَّنا نحن من تأمرنا على أنفسنا، سيكون لدينا فرصة لها الحظ بأضعافٍ مضاعفة من تلك التي حظي بها الألمان وغيرهم من الشعوب التي تعرَّضت لما تعرَّض له الشعب السوري وغيره من الشعوب التي عانت ونهضت من جديد وأثبتت نفسها اليوم على الصعيد الدولي.





 
 
 
EN
AR